الرئيسية » هاني المصري »   16 آذار 2011

| | |
15 آذار بداية الطريق لإنهاء الانقسام
هاني المصري

اليوم الثلاثاء الموافق 15 آذار، الشعب الفلسطيني على موعدٍ مع إطلاق الشرارة لإنهاء الانقسام.
فهناك الكثير من التحضيرات والمقدمات والنشاطات التي تشارك فيها العديد من المجموعات الشبابية؛ تشير إلى أن تحركًا شعبيًا ضخمًا سيبدأ اليوم داخل الوطن وخارجه، تحت شعار " الشعب يريد إنهاء الانقسام".

 حجم المشاركة الشعبية وإذا بلغ العدد عشرات ومئات الألوف هو الذي سيجيب عن سؤال: هل نحن نعيش يومًا تاريخيًا، وسندخل بعد 15 آذار أمامَ مرحلةٍ جديدةٍ، أم من المبكر الحسمُ في هذا الاتجاه؟
ومن الدلائل على النجاحِ أيضًا أن يتواصل التحركِ ويستمر، بأشكال متنوعة، مثل: المظاهرات، والمؤتمرات، والحملات الإعلامية، والاعتصامات المستمرة حتى إنهاء الانقسام، بحيث يعرف المنقسمون وجماعات الانقسام أن الشعبَ سئمَ الانقسامَ، ولن يسمح باستمراره مهما كلف الأمر.
وحتى يكون النجاح ممكنًا فعلًا في إنهاء الانقسام يجب تحديد جذوره وأسبابه والعوامل التي تدفع به، والعمل على علاجها أو علاج الممكن منها، لأن هناك أسبابٌ إسرائيليةٌ وعربيةٌ وإقليميةٌ ودوليةٌ لا يتحكم بها الفلسطيني، ولكن إذا كانت القلعةُ الفلسطينيةُ قويةً ومحصنةً من الداخل يصبح من الصعب، بل من المستحيل، اختراقها، أو أن تستمر القضية الفلسطينية ساحةً لكل أشكال التدخلات الخارجية التي تريد توظيفها لصالحها.
وطبعًا نحن لا نعمم المسؤوليات الخارجية عن الانقسام، فالاحتلال الإسرائيلي هو العامل الرئيسي الذي بذر بذور الانقسام، وهو يسعى لإدامته وتعميقه، ولقد لعب دورًا سلبيًا لإدامة الانقسام تبني اللجنة الرباعية الدولية للشروط الإسرائيلية، ما حال دون نجاح الجهود الرامية لاستعادة الوحدة.
لقد حصل الانقسام عندما فازت "حماس" في الانتخابات التشريعية، وأصبح الصراع على السلطة بين قوتين مختلفتين في البرامح والمصالح والتحالفات الخارجية يطغى على أي شيءٍ آخر، وعلى الرغم من تكليفها بتشكيل الحكومة، إلا أنها لم تتمكن من الحكم لأسباب محلية وخارجية تمثلت بالمقاطعة والحصار.
وحماس عندما لم تتمكن من الحكم اختارت الانقلاب على الشرعية المشاركة بها بالاعتماد على قوة السلاح، التي لم تستخدمه فقط للدفاع عن نفسها وضد من يتآمر عليها، فلو فعلت ذلك فقط لوجدت كل الدعم والتأييد، ولكنها استولت على السلطة في غزة بالكامل، بما في ذلك مقر الرئيس ومقرات السلطة والأجهزة الأمنية حتى التي لم تساهم في منعها من الحكم، ولم تتراجع رغم إزالة الخطر الذي يهددها.
لقد شعرت حماس بالمرارة حينما رأت أن الفترة القانونية للمجلس التشريعي انتهت بدون أن تمارس الحكم، لذلك كانت أحيانًا غير متحمسة، وأحيانًا غير راغبة، أو رافضة لكل الجهود الرامية إلى إنهاء الانقسام عبر اللجوء إلى الانتخابات؛ لأنها رأتها (وهي محقةً في ذلك) وسيلةً لإخراجها من الحكم من البوابة التي دخلت منها، وهي صناديق الاقتراع، لذلك كانت تدفع الحوارَ الوطنيَ دائمًا نحو الحوار الثنائي واتفاق محاصصة بينها وبين حركة فتح، يتضمن عدم اللجوء إلى الانتخابات بسرعة. فهي تعتقد أن الاحتكام للشعب في ظل الحصار والعدوان والتجويع، ومع عدم الاعتراف بها وبحكومتها عربيًا ودوليًا، سيؤدي إلى خسارتها في الانتخابات حتى إذا كانت انتخاباتٍ حرةً ونزيهةً.
وإذا جرت الانتخابات وفازت فيها حماس مرة أخرى، فسيكون مطلوبٌ منها من حيث الجوهر ما طلب منها سابقًا، وهو اعتراف الحكومة التي ستشكلها، بمفردها أو بالتشارك، بشروط الرباعية الدولية، والتي يعني اعتراف حماس بها، خصوصًا بدون مقابل وطني، انتحارًا سياسيًا وتخلٍ عن روحها وبرنامجها.
فالمطلوب من "حماس" عمليًا هو التخلي عن السيطرة الانفرادية في قطاع غزة دون أن تضمن المشاركة في السلطة في الضفة الغربية أو في منظمة التحرير؛ لأن مشاركتها في الضفة بحاجةٍ إلى ضوءٍ أخضرَ إسرائيليٍ، وهو غير متوفر ولن يتوفر ما لم تعترف بإسرائيل، وتنبذ العنف والإرهاب، وتعلن التزامها بالاتفاقيات الموقعة مع إسرائيل.
تأسيسًا على ما سبق، فإن الحل لا يكمُن في كيفية إعطاء حماس حصتها من كعكة السلطة والمنظمة، وإنما في بلورة رؤية إستراتيجية جديدة قادرة على تحقيق الأهداف الوطنية.
جراء فقدان مثل هذه الرؤية لاحظنا كيف اتجهت المبادرات والجهود بما فيها الرعاية المصرية نحو القفز عن قضايا الخلاف، وهي المضمون السياسي للاتفاق الوطني، ودور وصلاحيات ومرجعيات الأجهزة الأمنية، وتشكيل حكومة وحدة وطنية، واقتُرِح بديلا عنها (كما جاء في الورقة المصرية) تشكيل لجنة فصائلية مهمتها التنسيق ما بين الحكومتين في الضفة الغربية وقطاع غزة، حتى يتم الاحتكام إلى الشعب في انتخابات تشريعية ورئاسية.
لا يمكن الانتصار بدون اتفاق على إستراتيجية سياسية جديدة بديلة عن الإستراتيجيات المعتمدة سابقًا والتي فشلت، خصوصا اتفاق أوسلو وملحقاته، والتي أدت إلى تعميق الاحتلال والاستيطان والحصار وتقطيع الأوصال، وأخيرا إلى الانقسام.
وحتى يمكن التوصل إلى إستراتيجية جديدة يجب الشروع في حوار وطني شامل، يشارك به ممثلين عن التجمعات الفلسطينية داخل الوطن وخارجه وعن الشباب والمرأة والمستقلين؛ يستهدف هذه المرة مراجعة التجربة السابقة، واستخلاص الدروس والعبر، والتقدم على طريق إعادة صياغة وتجديد النظام السياسي الفلسطيني برمته، أي بمختلف مكوناته، بحيث يتم إعادة بناء مؤسسات منظمة التحرير لتعود حقًا وفعلًا المؤسسة الوطنية الجامعة القادرة على تمثيل الشعب الفلسطيني أينما تواجد، وحشده في مجرى واحدٍ قادرٍ على إنهاء الاحتلال، وتحقيق الحرية والعودة والاستقلال.
وفي سياق النظام السياسي الجديد تأخذ السلطة مكانها الطبيعي، كأداة في يد المنظمة، ومرحلة على طريق بناء الدولة الفلسطينية، وهذا يتطلب تغيير شكلها ووظائفها، بحيث تلعب دورًا إداريًا خدماتيًا، وتستمد شرعيتها من المنظمة، ومن دورها في المساهمة في الدفاع عن الحقوق الوطنية، ومن الشعب إذا استطاعت بشكلها الجديد من تنظيم انتخابات تشريعية ورئاسية، يكون أعضاء المجلس التشريعي الفائزين فيها أعضاءً طبيعيين في المجلس الوطني، الذي يجب العمل من أجل انتخابه مجددًا؛ حتى يكون القاعدة لإعادة بناء مؤسسات ودور المنظمة من تحت إلى الأعلى.
بدون إعادة وصياغة النظام السياسي الفلسطيني على ضوء الخبرات المستفادة والمستجدات النوعية، خصوصًا بعد عودة الروح العربية سنبقى ندور في دوامة الانقسام المدمر، والصراع بين سلطتين تحاول كل منهما بالقمع والإجراءات الأحادية، وكسب الشرعية حتى لو من الاحتلال، مع الاختلاف بينهما في الطريقة والدرجة والموقع.

فهل يكون 15 آذار بدايةَ الخروج من المأزق المدمر بدءًا بإنهاء الانقسام ووصولًا إلى إنهاء الاحتلال؟

مشاركة: