الرئيسية » هاني المصري »   16 آذار 2015

| | |
15 آذار وما بعده
هاني المصري

لم يحمل 15 آذار، كما كان متوقعًا، تحولًا تاريخيًا، بل كان بداية طريق يبدو أنه طويل لإنهاء الانقسام، والبداية جيدة، أفضل من لاشيء، وكما يقال: " طريق الألف ميل يبدأ بخطوة واحدة".

لماذا لم يحمل تحولًا تاريخيًا؟

أولًا: لأن حجم المشاركة في جميع المظاهرات في الضفة الغربية وقطاع غزة لم تصل في أقصى التقديرات الواقعية إلى خمسين ألف، معظمهم في قطاع غزة، وليس كما كتب ناصر اللحام: إن مليون شخص شاركوا في المظاهرات.

ثانيًا: لأن التحرك الشبابي العظيم تعرض للاحتواء والقمع الخفيف في الضفة الغربية، ومحاولة الاحتواء والقمع العاري في قطاع غزة.

 

في الضفة الغربية، كان استنفار الأجهزة الأمنية على أشده، وبدأت الاستعدادات لأسوأ الاحتمالات، وسط تقديرات أو إشاعات بأن بعض الجهات ستوظف التحرك ضد السلطة؛ لذلك تم استدعاء بعض الشباب قبل التحرك، وتم منع المعتصمين من نصب الخيم، كما تم منع أو محاولة منع رفع شعارات أو هتافات مخالفة للشعارات والهتافات التي تؤكد على إنهاء الانقسام وإنهاء الاحتلال، والاكتفاء بالتغني بالشهداء والوحدة الوطنية، لدرجة أن شعارات قد مزقت وأعمال دفش وتشويش استخدمت ضد المجموعات التي تهتف هتافات خاصة، ولكن الأمر تم احتواؤه، لأن عدد أعضاء الأجهزة الأمنية وحركة فتح في رام الله كان يفوق بكثير عدد أفراد الجماعات الأخرى التابعة للفصائل أو المستقلة.

لا يمكن قبول قمع التعبير عن الرأي تحت أي مسوغ، حتى لو كان التلطي بالوحدة الوطنية، فالوحدة لا يمكن أن تتحقق بأقوى وأجمل صورة، إذا لم تحمي التعددية، فالتعددية هي مصدر قوة ومناعة واستمرار القضية الفلسطينية.

من حق أي فرد أو مجموعة أن يطالب بأي شيء، بما في ذلك إذا أراد إسقاط النظام أو الرئيس أو أي فرد أو ضد أي قضية، بدون تحريض وبشكل سلمي ودون أن يعتبر ذلك تخريبًا ولا عملًا معاديًا.

وعندما سارت الأمور في الضفة الغربية على خير ما يرام، ثم السماح باستمرار الاعتصام بعد التهديد بمنعه بعد الخامسة مساءً وثم إرسال طعام رئاسي للمعتصمين.

أما في غزة، فبدت حركة حماس مترددة مرتبكة، فبعد المنع والاعتقال والاستعدادات عشية 15 آذار، اتخذت موقفًا بالمشاركة في التحرك الشعبي، ولكنها أخلت بالاتفاق عندما جاءت مجموعاتٌ تابعةٌ لها بمرافقة أفراد من الأجهزة الأمنية حاملةً الرايات الخضراء وسط هتافات لحماس؛ الأمر الذي دفع المتظاهرين إلى نقل مكان المظاهرة إلى ميدان آخر، إلى أن قامت الأجهزة الأمنية التابعة لحماس باحتجاز الصحافيين ومنعهم من ممارسة عملهم، وإقتحام الاعتصام وفضه بالقوة، مخلفةً بذلك عددًا من الجرحى والمصابين.

إن ما حدث يدل على أن طريق إنهاء الانقسام طويلٌ ومعقد، وبحاجة إلى إرادة مصممة على تحقيق الأهداف مهما طال الزمن، فلا يمكن تحقيق الوحدة بدون ضغط شعبي متراكم ومتصاعد على الأطراف التي سببت الانقسام ولا تزال تسببه؛ حتى تنصاع لإرادة الشعب.

لا يستطيع أي طرف من طرفي الانقسام الادعاء بعدم المسؤولية عنه، وإلقاء المسؤولية على الطرف الآخر، وحتى يتمكن طرف من ذلك؛ عليه أن يقدم ما يتوجب عليه:

فعلى حركة فتح وفريقها التخلي عن المطالبة باعتماد شروط اللجنة الرباعية في برنامج حكومة الوحدة الوطنية، وأيضًا أن تتخلى عن الدعوة للانتخابات الرئاسية والتشريعية ولو في الضفة فقط، بدون توفر شروط حريتها ونزاهتها، وهي الوفاق الوطني على مرجعية عليا وعلى قواعد اللعبة السياسية والديمقراطية، بدون أن يعني ذلك فرض شرط إلزام الجميع بالاتفاقيات والالتزامات، أو بدلًا عن ذلك إذا تعذر الوفاق الوطني توفير شبكة أمان تحمي الكتل الانتخابية الفائزة بالانتخابات، خصوصًا الكتلة التي تحوز على الأغلبية، حتى تتمكن من التمتع بثمار الفوز، من خلال الاتفاق على صيغ تضمن استمرارها صاحبةَ أغلبية، حتى لو قامت قوات الاحتلال باعتقال كل أو معظم أو جزء من نوابها؛ لحرمانها من الأغلبية، أو من القدرة على التأثير، كما حصل مع كتلة التغيير والإصلاح التي فازت ولم تتمكن من الحكم، بسبب الاعتقالات للعشرات من نوابها.

على حركة فتح أن تقتنع قولًا وفعلًا بالحاجة إلى الشراكة الحقيقية، فهي لم تعد قادرة على القيادة بمفردها، وعليها الكف عن ربط الموقف السياسي بالمفاوضات وأذيال أوسلو حتى والمفاوضات متوقفة وإسرائيل متجاوزة لهذا الاتفاق منذ سنوات عديدة، والكف أيضًا عن قمع حماس وانتهاك الحقوق والحريات في الضفة الغربية بحجة خطر الانقلاب الذي تمثله حماس، وعلى الرئيس أن يكف عن التهديد بقمع أية انتفاضة ثالثة، لأنه بدون انتفاضة ثالثة تندلع في الوقت المناسب وتمارس أشكال النضال المناسبة، لا يمكن تحقيق الأهداف الوطنية.

على حركة حماس الكف عن التردد بما بين كونها حركة وطنية فلسطينية وبين كونها امتداد لحركة الإخوان المسلمين، وبين كونها سلطة وحركة مقاومة، وبين إيمانها بأن الشعب مصدر السلطات أو أنها ظل الله على الأرض ومحتكرة للدين. على حماس الكف عن انتظار التطورات المحلية والعربية والإسرائيلية والدولية، التي تمكنها من تحسين موقفها التفاوضي في الحوار الداخلي والحصول على الشرعية قبل الموافقة على أية مبادرة للمصالحة، أو قبل الاتفاق على التوجه للانتخابات والاحتكام للشعب.

وعلى حماس أيضًا الكف عن المراهنة على عقد صفقة ثنائية مع حركة فتح وفرضها عى بقية الفصائل والشعب، حتى لو لم تتضمن إستراتيجية كفاح قادرة على تحقيق الأهداف الوطنية، فكأنه يكفيها المحافظة على حصتها، إما ببقائها في السلطة منفردةً في غزة، أو باتفاق محاصصة تعقده مع حركة فتح.

على حماس أن تكف أيضًا عن القمع وإقصاء الاتجاهات الأخرى، محاولة ً فرض نمط سلوكي على الشعب الفلسطيني، الذي لم يكن ولن يكون أحاديًا، وإنما كان وسيبقى تعدديًا.

إن المخرج الوحيد هو إعادة صياغة وتجديد النظام السياسي الفلسطيني، على أساس الشراكة الوطنية والديمقراطية، وإعادة صياغة الميثاق الوطني، بما يؤخذ بالحسبان الخبرات المستفادة والمستجدات النوعية، خصوصًا بعد الثورات العربية، وبما يقود لوضع إستراتيجية قادرة على توحيد الشعب وتحقيق أهدافه الوطنية.

Hanimasri267@hotmail.com

مشاركة: