الرئيسية » هاني المصري »   20 آب 2008

| | |
استحقاق التاسع من كانون ثاني2009
هاني المصري

 

أقل من ثلاثة أسابيع تفصلنا عن استحقاق التاسع من كانون الثاني القادم وهو اليوم الذي يكمل به الرئيس أبو مازن اربعة اعوام في الرئاسة، واعلنت "حماس" انها ستسحب اعترافها من الرئيس بعد هذا التاريخ لان القانون الاساسي ينص على أن مدة الرئيس اربع سنوات.

هناك ما يمكن ان يقال عن مدى مشروعية التلطي بالقانون الاساسي من قبل حركة حماس التي داست على هذا القانون وشرعية السلطة برمتها، بعد أن حرمت من فرصة الحكم بعد حصولها على الأغلبية في انتخابات المجلس التشريعي، وذلك من خلال الحسم العسكري الذي نفذته وسيطرت بعده انفراديا على السلطة في غزة، رغم أن الرئيس أقال الحكومة، وهذا من ضمن صلاحياته وفقا للقانون الاساسي، وبدلا من ان تلتزم "حماس" بمرسوم الرئيس قامت بتوسيع الحكومة المقالة التي كانت حكومة وحدة وطنية وعقدت اجتماعات المجلس التشريعي بمشاركة نواب كتلة التغيير والاصلاح فقط، باللجوء الى بدعة استخدام التوكيلات التي منحها النواب المعتقلون لنظرائهم النواب الاحرار ليصوتوا بالنيابة عنهم، وذلك للتغلب على عقدة عدم توفر النصاب القانوني اللازم لعقد الجلسات.

 

رغم ذلك، وان سلمنا جدلا، بأن مدة رئاسة الرئيس تنتهي فعلا في التاسع من كانون الثاني القادم، كما اوصى واجتهد كثير من القانونيين المرموقين على اساس ان المادة في القانون الأساسي التي تناولت مدة الرئيس، هي مادة تقريرية اساسية، بينما المادة التي استند إليها الرئيس والمنظمة والسلطة للحديث عن امكانية تمديد مدة الرئيس لعام آخر، والتي تقول إن الانتخابات تجري على اساس قانون الانتخابات، وان هذا القانون تحدث عن تزامن الانتخابات الرئاسية والتشريعية هي مادة اجرائية، والمادة التقريرية عندما تتعارض مع مادة اجرائية يجب ان يؤخذ بما جاء في المادة التقريرية لانها اعلى قيمة واولى بالاتباع.

ان نهاية مدة الرئيس في 9/1/2009 لا تعني أن رئيس المجلس التشريعي يتولى اوتوماتيكيا الرئاسة، بل إن هذا يحدث وفقا لما جاء في القانون الأساسي في ثلاث حالات حصرية هي: موت الرئيس، أو استقالته، أو فقدانه الأهلية، وهذه الحالات الثلاث لا تنطبق على الحالة الفلسطينية الراهنة على الإطلاق، مما يمكن الرئيس من الاستمرار بالرئاسة خشية من نشوء فراغ دستوري بسبب عدم وجود رئيس منتخب يتسلم الرئاسة منه، شرط أن يلتزم الرئيس بإجراء الانتخابات الرئاسية بأسرع وقت ممكن، تطبيقا للاستحقاق الدستوري.

من هنا من الأهمية بمكان أن يصدر الرئيس مرسوما رئاسيا بتحديد موعد إجراء الانتخابات قبل 9/1 أي وهو معترف برئاسته وشرعيته من الجميع، فهذا أقوى من صدور مرسوم بالانتخابات بعد انتهاء مدة الرئيس، وما سيقود اليه من سحب الشرعية منه من قبل التنظيم الحاصل على الأغلبية في المجلس التشريعي.

في هذا السياق يأتي اعلان الرئيس بانه ينوي تنظيم انتخابات في بداية العام القادم إذا لم يبدأ الحوار، وأكد هذا الإعلان أكثر من مرة دون إعادة الحديث عن تمديد ولاية الرئيس لعام آخر، كما كان يجري الحديث سابقا، مما يوحي بأنه لا يريد أن يسجل على نفسه مخالفة دستورية، أو الوقوع في مسألة جوهرية مختلف عليها قانونيا.

وبالتالي إن دعوة الرئيس لإجراء انتخابات رئاسية فور انتهاء مدة الرئيس، تمثل استجابة لاستحقاق دستوري، من خلال الاحتكام للشعب الذي هو مصدر السلطات والصلاحيات وفوق القوانين جميعا.

نقطة الضعف بدعوة الرئيس لإجراء انتخابات أنها تضمنت الدعوة لانتخابات رئاسية وتشريعية معا، وهذا غير قانوني لأن مدة المجلس التشريعي لم تنته، ولا يزال أمامها عام واحد حتى كانون الثاني عام 2010. وبالتالي يجب قبل تحديد موعد الانتخابات العمل الجاد للتوصل الى وفاق وطني لإجراء الانتخابات التشريعية من خلال اختيار موعد مبكر لإجرائها بمرسوم رئاسي يعتمد من قبل المجلس التشريعي.

كما أن الدعوة لإجراء الانتخابات التشريعية والرئاسية، دون وفاق وطني، يمكن أن تصب في تعميق الانقسام إذا لم تكن أكثر من وسيلة ضغط لاقناع "حماس" بالشروع في الحوار الوطني الهادف للتوصل بسرعة لاتفاق، يتضمن من ضمن ما يتضمن، الاتفاق على إجراء الانتخابات ويساعد على تجاوز المأزق الذي يواجهه الفلسطينيون وقضيتهم الوطنية.

إن الوقوع في محظور تعميق الانقسام إذا تم المضي بإجراء الانتخابات في ظل انقسام ودون وفاق وطني لا يمكن تجنبه من خلال اعتماد نظام التمثيل النسبي الشامل 100% فقط، على أساس وبحجة أن القوائم التي ستخوض الانتخابات ستضم عناصر من مختلف مناطق الأراضي المحتلة عام 1967. إن نظام التمثيل النسبي الكامل يمكن أن يحل نسبيا مشكلة ترشيح أشخاص من غزة، ولكنه لا يمكن ان يحل بأي شكل من الأشكال، مسألة مشاركة الناخبين من قطاع غزة في التصويت، كما يمس الولاية القانونية والوحدة ما بين الضفة وغزة التي ينص قانون الانتخابات إنها ستجري في الضفة وغزة .

ان إعلان قطاع غزة إقليم متمرد، كما يتم البحث حاليا في بعض الأوساط، لا يحل المشكلة أيضا، فالمشكلة لا تنحصر في قطاع غزة فقط، بل موجودة بقوة في الضفة أيضا. فهل ستتمكن "حماس" من المشاركة في الانتخابات في الضفة أم ستمنع لأنها تنظيم نفذ انقلابا في غزة؟ وقد تعلن تنظيما خارجا عن القانون لضمان عدم مشاركتها!!! أم هل سيتم وضع شروط على المرشحين والكتل الانتخابية، مثل الاعتراف بالمنظمة وبرامجها والالتزام بالاتفاقات التي عقدتها مع اسرائيل؟ وهذا إن حدث سيجعل "حماس" وكافة القوى والأحزاب والشخصيات المعارضة لاتفاق اوسلو تقاطع الانتخابات مما يجعل الانتخابات القادمة غير ديمقراطية، ومفصلة نتائجها سلفا على مقاس برامج وأهداف معينة؟

حتى لو سمح لـ"حماس" ولكافة المعارضين لاوسلو، بالمشاركة في الانتخابات في الضفة فكيف ستشارك في ظل حملة الملاحقات والاعتقالات التي تتعرض لها من قبل السلطة وإسرائيل؟ وما الذي يضمن إذا شاركت "حماس" الملاحقة في الضفة أن تكون الانتخابات نزيهة، وأن تحترم نتائج الانتخابات، وخصوصا أن أكثر من 35 نائبا من المجلس التشريعي لا يزالون وراء القضبان في السجون الإسرائيلية.

كما أن "حماس" يمكن أن ترد على دعوة اجراء الانتخابات في الضفة بالدعوة لاجرائها في غزة، وهذا سيقود الى سلطتين، لكل منها رئيس ومجلس تشريعي وحكومة، أي الى تحويل الانقسام المؤقت الى انفصال دائم.

إن الانتخابات وحدها دون اتفاق على ركائز المصلحة الوطنية العليا، وقواعد اللعبة السياسية والديمقراطية، والبرنامج الوطني، لم تكن حلا في السابق، ولن تكون حلا الآن ولا في المستقبل، ما دام الاحتلال قائما، بل ستعمق الانقسام وتساعد على قيام سلطة بشرعية مطعون بها مما يعرضها لابتزاز الاحتلال الإسرائيلي الذي سيحاول استغلال ضعفها والانقسام لدفعها لقبول حل سياسي يصفي القضية الفلسطينية بكافة أبعادها.

في المقابل لا يمكن أيضا أن ترفع "حماس" سلاح "الفيتو" الى إشعار آخر، على الحوار والانتخابات وتبقى تسيطر على السلطة في غزة، ما يعني ترك الشرعية الفلسطينية تنهار والقضية الفلسطينية تتدهور، والمشروع الوطني يضيع، والانسان الفلسطيني يعاني الأمرين، لأن السلطة ستصبح بعد 9/1 دون رئيس شرعي متفق عليه أي دون شرعية، ودون وحدة ولا مجلس تشريعي يقوم بعمله هذا يعني انهيار الشرعية الفلسطينية بسرعة البرق والسير نحو الكارثة الكاملة.

يبقى بصيص أمل في النفق المظلم يتمثل في أولا: إن الرئيس قد يكون يطرح الانتخابات للضغط من أجل الاسراع بالحوار ولا ينوي أن يسير نحو الانتخابات دون وفاق وطني، بدليل أنه أكد على الحوار وعلى إجراء الانتخابات في الضفة وغزة معا.

ثانيا: في أن "حماس" يبدو أنها أعادت حساباتها، ولا تنوي مثلما صرح الدكتور عزيز دويك أثناء جلسة محاكمته، أن تعلنه بعد التاسع من كانون الثاني (هو أو نائبه أحمد بحر) رئيسا كما كانت تهدد سابقا، وتكتفي باعتبار مدة رئاسته قد انتهت مما يبقي شعرة معاوية، ونقطة تلاق يجب الامساك بها والبناء عليها.

إن "حماس" إذا أقدمت على تعيين رئيس المجلس التشريعي أو نائبه، رئيسا بعد التاسع من كانون ثاني استنادا الى تفسيرها للقانون الأساسي، تتجاوز القانون كما ان هذا القانون ينص على أن رئيس المجلس التشريعي ملزم بإجراء انتخابات رئاسية بعد تسلمه الرئاسة خلال ستين يوما، مثلما حدث بعد اغتيال الرئيس ياسر عرفات، أي أن "حماس" لا تستطيع اعتمادا على القانون الاحتفاظ بالرئاسة لفترة طويلة .

ان ما ساعد على تليين موقف "حماس" باقلاعها عن تنصيب رئيس منها احتمال أن تقدم اسرائيل على الافراج عن رئيس المجلس التشريعي المعتقل مما يربك حسابات "حماس"، فكيف ستنصبه رئيسا وهو في الضفة؟ وهل تحل هذه المشكلة بعد الافراج عنه بتعيين رئيس للمجلس التشريعي بدلا عنه، اي عقابه بدلا من مكافأته.

السؤال الذي يطرح نفسه هو: بعد انقضاء الـ 60 يوما، على تسلم رئيس المجلس التشريعي الرئاسة، ماذا ستفعل "حماس"؟ هل ستجري الانتخابات أم ستمدد للرئيس المؤقت بشكل لا قانوني ولا شرعي ويصبح لدينا رئيسان كلاهما غير شرعي أو مطعون من شرعيته من فريق ويتحول الانقسام الى انفصال!

إن تغليب المصلحة الوطنية على المصالح الفردية والجهوية والعائلية والفصائلية يقتضي الاتفاق الوطني على برنامج وطني يحدد الركائز العليا والأهداف الوطنية وقواعد اللعبة السياسية والديمقراطية، على أساس شراكة وطنية لا محاصصة فصائلية، وحماية التعددية في إطار وطني وبصورة تجعل كافة الجهود وطاقات وإبداعات الشعب الفلسطيني تصب في مجرى واحد، من أجل إنجاز أهداف الشعب الفلسطيني في الحرية والعودة والاستقلال.

فهل توجد وتنتصر الإرادة الوطنية التي ترتقي الى مستوى التحديات والمخاطر؟

 

مشاركة: