الرئيسية » هاني المصري »   13 شباط 2007

| | |
إزالة الحصار أم شق طريق جديدة أم حكومتان بحكومة؟
هاني المصري

 السؤال التي حيرت الاجابة عنه المراقبين المحليين والعرب والدوليين، والمواطنين الفلسطينيين على اختلاف آرائهم، هو: هل سيكون اتفاق مكة، والحكومة التي ستشكل استناداً اليه قادراً على فك الحصار المفروض على الحكومة الحالية منذ ولادتها وحتى الآن؟ واذا كانت الاجابة نعم، فلماذا؟ واذا كانت لا، فلماذا تكبد عناء خوض هذه التجربة التي تكون قد اطلقت توقعات كبيرة ستؤدي الى خيبات كبيرة بحجمها؟

قبل ان أبدأ بالاجابة عن هذا السؤال أود ان اذكر من يعرف، وانبه من لا يعرف إلى ان للحصار شقين: سياسياً ومالياً. بالنسبة للحصار السياسي فهو كان مشدداً لدرجة ان غالبية الدول الاوروبية والولايات المتحدة الاميركية واسرائيل فرضت مقاطعة على الوزراء ووصلت احياناً الى الوكلاء حتى المعينين في فترات سابقة. والاختراقات التي حدثت في الحصار السياسي مثل زيارة بعض البلدان من قبل حكومة حماس، ووفود من حماس كانت محدودة ورمزية ولم تتكرر حتى بالنسبة لروسيا وتركيا.

 

أما بالنسبة للحصار المالي، فقد تم اختراقه بألف طريقة وطريقة، منها ما حدث بمعرفة وموافقة من اطراف اللجنة الرباعية الدولية، وهي الاموال التي حولت للسلطة عن طريق الرئاسة، ومنها ما حدث بمعرفة ولكن دون موافقة او اعتراض اللجنة الرباعية او باعتراضات محدودة ولفظية مثل الاموال التي تم تهريبها عبر معبر رفح على الاحزمة وفي الحقائب التي يحملها المسؤولون العائدون، ومنها التي تم تحويلها عن طريق الجامعة العربية.

ان الحصار المالي، تحول بعد الاختراقات المستمرة، الى كذبة كبيرة، اطلقناها وصدقناها. واصبح الجميع يرددها، ويتحدث البعض عن اشتراط تشكيل اية حكومة مقبلة بقدرتها على فك الحصار. ومن اجل الكشف عن كذبة الحصار المالي يكفي ان اقوال ان الحكومة صرفت اكثر من نصف الرواتب خلال فترة الحصار، كما قامت بالصرف على عدة نشاطات صحية وتعليمية وغيرها، وعلى القوة التنفيذية. وهذا الصرف يمكن تفسيره من خلال معرفة ان الاموال العربية المقدمة خلال العام 6002 هي ضعف الاموال التي حولت للسلطة خلال العام 5002. وان الاموال الدولية التي حولت في نفس الفترة اكثر بـ 03%.

ما سبق لا يعني عدم وجود حصار مالي، ولكن تأثيره اقل بكثير مما يشاع ويجري تصويره. والحصار المالي القائم جراء امتناع اسرائيل عن تحويل الاموال الجمركية التي تجبيها للسلطة، واحجام البنوك عن تقديم قروض للسلطة خشية من عاقبة ذلك عليها اميركياً. فالبنك العربي عانى ولا يزال الامرين من مغبة قضية واحدة مرفوعة عليه في المحاكم الاميركية بحجة تحويله اموالاً لمساعدة الارهاب.

ولكي نختتم نقطة الحصار المالي، لا بد من الاشارة الى ان عدم احكام هذا الحصار، لم يتم اساساً على خلفية المبادرات الفلسطينية لخرقه، وانما لوجود تواطؤ عربي وخصوصاً مصري، وضوء اخضر اميركي واوروبي ودولي لان الجميع لا يريد ولا يتحمل آثار وصول اوضاع الازمة الفلسطينية الى حد الفوضى الكاملة والانهيار الشامل. حتى اسرائيل لا تدفع الامور الى هذا الحد لانها تخشى من اعراض الفوضى الشاملة الفلسطينية، ومن انها ستجد نفسها مرة اخرى امام العالم دولة محتلة مسؤولة عن الشعب الذي تحتله، بعد ان نجحت الى حد كبير، بعد اتفاق اوسلو، بإيهام العالم بان الشعب الفلسطيني لديه سلطة حقيقية وهي المسؤولة عنه.

بعد هذا العرض الطويل اعود الى الاجابة عن السؤال الذي طرحته في مستهل المقال. واقول ان اتفاق مكة، والحكومة التي ستشكل، لن تكون قادرة على فك الحصار السياسي والمالي كلياً، ولكنها ستحدث خروقات كبيرة فيه.

وهذا لن يحدث لان الادارة الاميركية، كانت على علم، وموافقة على المبادرة السعودية وما انتهت اليه. بل ان ادارة بوش غاضبة على العاهل السعودي وعلى الرئيس الفلسطيني لانهما لم يصرا على تضمين شروط اللجنة الرباعية الدولية في اي اتفاق يعقد مع حركة حماس. لقد حدث ذلك، لان الادارة الاميركية في ظل مأزقها الحالي داخلياً وخارجياً، عاجزة عن فرض ارادتها على القيادتين الفلسطينية والسعودية. وهذا يظهر من خلال الموقف الحذر الذي عبرت عنه الادارة الاميركية من اتفاق مكة. فهي من جهة تؤكد انها لن تتعامل مع اية حكومة لا تعترف باسرائيل ولا تنبذ العنف وتلتزم بالاتفاقات الموقعة مع اسرائيل، ومن جهة اخرى تتحدث عن انها ستدرس الاتفاق ويمكن ان تتعامل مع الرئيس والوزراء في الحكومة المقبلة الذين لا ينضوون في حركة حماس.

وحتى نفسر الموقف الاميركي اكثر نضيف ان ادارة بوش وجدت نفسها تحت ضغط واقع ان السعودية حليفتها الرئيسية في المنطقة وزعيمة الدول المعتدلة هي التي رعت الاتفاق وتقوم بتسويقه لاعتبارات ليست فلسطينية فقط وانما لاعتبارات تتعلق بموقعها ودورها في المنطقة خصوصاً بصفتها "دولة سنية" تخشى من تصاعد نفوذ ودور ايران التي تعتبر عند السعودية "دولة شيعية"، ولا بد من جذب "حماس السنية" من التحالف مع "ايران الشيعية" حتى تتأكد زعامة السعودية في المنطقة بدلاً من ان تواصل التراجع كما حدث في السنوات الماضية.

على هذه الخلفية فضلت ادارة بوش حتى الان، عدم تخريب اتفاق مكة. ولكن هذا ليس بالضرورة ان يفضي الى التعامل معه ايجابياً، بل على الارجح ان يؤدي في احسن الاحوال الى التعامل معه بشكل انتقائى بحيث يتم الالتقاء والتعاون مع الرئيس ووزراء حركة فتح والوزراء غير المنتمين لحركة حماس او لأي فصيل لا يقر بالشروط الثلاثة.

ان مثل هذا الموقف اذا استقرت عليه السياسة الاميركية سيشكل مدخلاً يجعل الحكومة الفلسطينية، حكومتين في حكومة واحدة. وهذا امر سيئ، خصوصاً اذا ما ترافقت مع استمرار الثنائية والاستقطاب الحاد والمحاصصة التي ظهرت في معظم جولات الحوار، وتجسدت في اتفاق مكة، الذي عقد في ظل غياب القوى والفصائل الاخرى والمجتمع المدني والقطاع الخاص والفعاليات الوطنية المستقلة، الذين تركت لهم حصة محددة عليهم ان يقبلوها كما هي أم يرفضوها ويتحملوا تبعات ذلك.

ان الحذر المطلوب يجب ان يقود الى معالجة امكانية نشوء ظاهرة حكومتين في حكومة واحدة قبل ان تظهر، لانها ستعني ان الوزارة ستكون اقطاعية للفصيل الذي ينتمي وزيرها اليه. كما تؤدي الى سباق في التوظيف والصرف على اساس المحاصصة وليس على اساس الاحتياجات والاولويات التي تستجيب للمصلحة الوطنية.

ان اتفاق مكة، خطوة كبيرة الى الامام، ولكنها خطوة ناقصة اذا لم يتم البناء عليها والتعامل معها كمقدمة لبلورة رؤية استراتيجية مشتركة وبرنامج واحد، يعمل الجميع على تنفيذه. اما اذا رأى الوزراء من "حماس" العبارة التي تتحدث في اتفاق مكة عن "احترام" الاتفاقات فقط، ورأى الوزراء من "فتح" العبارة التي تتحدث عن "الالتزام" بالاتفاقات فقط، سنصل بسرعة الى وضع حكومتين في حكومة واحدة بدلاً من الوضع الذي كنا ولا نزال فيه. وضع سلطة برأسين. وسيكون اتفاق مكة في هذه الحالة ليس اكثر من هدنة مؤقتة وقد تطول بسبب عدم القدرة على حسم الصراع الداخلي عسكرياً أو سياسياً. لا عبر الانتخابات المبكرة ولا عبر الحرب الاهلية.

ازالة الحصار مطلوبة. ولكن اذا اصبحت شرطاً لاقامة حكومة الوحدة، تصبح ازالة الحصار هي الهدف، وهذا يجعل الفلسطينيين جميعاً رهائن عند من يفرضون الحصار. والهدف كان ولا يزال، ويجب ان يبقى ازالة الاحتلال والتقدم على طريق ازالة الاحتلال، وازالة الاحتلال تتطلب عدم الموافقة على الشروط الدولية كما هي وبلا مقابل. على الاقل من المفترض وضع نفس الشروط على اسرائيل تقبلها بشكل متبادل ومتزامن مع قبول الفلسطينيين. فعلى اسرائيل ان تعترف بحق الفلسطينيين بإقامة دولة على حدود 7691، وتلتزم بالاتفاقات الموقعة، وتنبذ العنف الذي يمثله الاحتلال وكل ما بني على الاحتلال من عدوان عسكري وحصار واستيطان جديد وتهويد القدس والمقدسات.

الخلاصة ان اتفاق مكة قد لا يكون قادراً على ازالة الحصار كله مرة واحدة، ولكن على الجميع ان يتذكر ان ازالة الحصار وسيلة وليست الهدف، وان اهمية اتفاق مكة تكون اعظم اذا كان او ادى الى بلورة قناعة بإننا بحاجة الى استراتيجية جديدة وسياسة جديدة، وربما ادوات جديدة، تتجسد بشخصيات جديدة تطعم وتغني وتقوي، القيادات التي قادتنا في كل المراحل وفي الصيف والشتاء، وفي السلم والحرب، ولم تقف مرة واحدة امام التجارب لتحديد الاخطار واستخلاص العبر والدروس!!

مشاركة: