الرئيسية » هاني المصري »   15 أيار 2008

| | |
إسرائيل والسباق المحموم بين التهدئة والتصعيد
هاني المصري

ما الذي تسير إليه المنطقة؟ السلام أم الحرب؟ التهدئة ام التصعيد؟ هذه الأسئلة وغيرها تدور في ذهن المواطنين والمحللين على حد سواء.

 لقد طرحت هذه الأسئلة نفسها بحدة بعد إقدام قوات الاحتلال على اغتيال خمسة مقاومين فلسطينيين في بيت لحم وطولكرم، وبعد تهديدات أيهود باراك بمواصلة عمليات الاغتيال لأن إسرائيل ستلاحق كل مخرب تلطخت يداه بالدماء، كما ستلاحق مرسليهم، كما هدد بان قطاع غزة سيشهد تصعيداً عسكرياً أكبر قبل التوصل إلى التهدئة، وانذر بأن المنطقة يمكن ان تشهد حروباً متعددة.

ان الاغتيالات التي نفذت، والتصريحات الحربجية التي تملأ الفضاء الإعلامي نسفت التهدئة التي استمرت أكثر من أسبوع، بعد أن بدأت اثر اتصالات مصرية غير مباشرة مع إسرائيل وحماس، وتمت بمباركة أميركية وسمحت بقدر من التفاؤل إلى حد الحديث عن تهدئة متفق عليها أصبحت على وشك الحدوث.

لقد أطاحت الاغتيالات بالتهدئة وكل التفاؤل الذي أطل برأسه يحذر خلال الأيام الماضية. ان السؤال الذي يقفز إلى الذهن هو: هل ما قامت به وحدات المستعربين بالاغتيالات ينسجم مع البحث عن تهدئة، ام ان هناك اختلافاً بين ما يجري في الضفة وما يجري في غزة، فإسرائيل تريد أن تحتفط بحرية المبادرة كاملة في الضفة، وتريد ان تكبح قواتها ومبادراتها في غزة لضمان وقف إطلاق الصواريخ والقذائف وضمان استمرار وتعميق الانقسام السياسي والجغرافي الفلسطيني، واستمرار المفاوضات المعرضة للانهيار التام إذا استمرت الحرب الهمجية ضد غزة.

ان هناك ارتباكاً في السياسة الإسرائيلية بدأ مع الهزيمة الإسرائيلية في الحرب اللبنانية الأخيرة، ويتواصل مع عدم قدرة إسرائيل على تحقيق أهدافها كاملة على الجبهة الفلسطينية، ويتواصل ومرجح ان يكبر أكثر الآن وفي المستقبل.

ان هناك ارتباكاً إسرائيليا كبيراً، ظهر هذه المرة في عدم قيام إسرائيل بالرد حتى الآن على عملية القدس، وان التهدئة على جبهة غزة بدأت بعد قرار الحكومة الإسرائيلية المصغرة، بإطلاق يد الجيش الإسرائيلي لعمل كل ما يلزم لوقف إطلاق القذائف والصواريخ على إسرائيل من غزة.

صحيح ان اولمرت، والحكومة الإسرائيلية لم يعترفا بوجود اتفاق تهدئة، ولكن التهدئة كانت امرأ واقعاً على الأرض، فلم تنفذ الطائرات الإسرائيلية أية غارة طوال أسبوع كامل، كما لم تنفذ القوات البرية أي اغتيالات. وحرص المسؤولون الإسرائيليون على القول أن أية تهدئة يجب ان تحتفظ فيها إسرائيل بحق الرد على أية عملية لإطلاق الصواريخ ضدها، وعلى أية عمليات لتهريب السلاح لقطاع غزة.

وعندما أشارت مصادر متعددة ان اتفاق التهدئة يمكن ان يتبلور ويعلن عنه خلال أيام جاءت الاغتيالات في الضفة لتعيد كل شيء إلى نقطة الصفر. فإسرائيل تريد تهدئة من جانب واحد، وفي غزة ولا تشمل الضفة لان الفلسطينيين يصرون على تهدئة متبادلة وشاملة ومتزامنة.

ان ما يفسر هذا الارتباك والتناقض الإسرائيلي هو ان إسرائيل تشهد تنافسا حاداً بين اتجاهين لهما امتدادات داخل المؤسسة السياسية والعسكرية والأمنية والإعلامية وفي مختلف أوساط المجتمع الإسرائيلي.

الاتجاه الأول: والذي تشير الأحداث إلى ان صوته لا يزال هو الأعلى، وهو ينادي بالتصعيد والاستعداد للحرب، والمبادرة إلى الحرب بأسرع وقت، قبل أن تتعاظم الأخطار التي تواجه إسرائيل الآن، وتصبح القدرة على مواجهتها اقل، والكلفة من هذه المواجهة ستكون أكبر بعد عدة سنوات.

اتجاه التصعيد يرى ان الأولوية هي لاستعادة هيبة وقوة الردع الإسرائيلية التي تضررت كثيراً في الحرب اللبنانية الأخيرة، وإذا لم تستعد إسرائيل قوة ردعها فستكون مضطرة لإعادة النظر بدورها الاستراتيجي في المنطقة وفي العالم بأسره، وتقبل بان تكون دولة صغيرة وليست الدولة المهيمنة على الإقليم بأسره.

يقول يوفال شطاينتس نائب رئيس لجنة الخارجية والأمن في إسرائيل، وهو من ابرز دعاة التصعيد "على إسرائيل ان تكف عن انتظار إجراءات دولية ضد إيران، وتبدأ بتوجيه ضربات تدريجية لها، أولها لحزب الله وسورية ولحماس إلى حين يأتي الوقت للحسم... فإذا كانت إيران عندها تغيرت او غيرت من خطتها العسكرية المعادية لإسرائيل تكون إسرائيل كسبت نفسها، وان استمرت في توجهها العدائي نوجه لها ضربة كبيرة أما بمشاركة قوى أخرى مثل الولايات المتحدة، او الحلف الأطلسي او بقدرت إسرائيل الذاتية".

وتنسجم أراء شطانيش مع ما جاء في التقرير الذي قدمه رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية في الجيش الإسرائيلي، عاموس يادلين وقال فيه "ان هنالك احتمالات عالية لوقوع حرب مع حزب الله قبل نهاية هذه السنة". ومن قام باغتيال شخص بوزن الشهيد عماد مغنية وضع ضمن حساباته ان مثل هذه العملية ستكون لها تداعيات كبرى يمكن ان تصل إلى حرب وصفها زعيم حزب الله حسن نصر الله بالحرب المفتوحة. وبالتالي إسرائيل بانتظار رد حزب الله، وتستعد للرد على الرد أيضا.

الاتجاه الثاني يرى أصحابه بان الظروف الناشئة في المنطقة، تسمح بحدوث انعطاف سياسي ايجابي. ويستند هذا الاتجاه لتدعيم وجهة نظره إلى ضرورة استفادة إسرائيل من الفترة الباقية لجورج بوش الابن في الرئاسة الأميركية بوصفة أفضل رئيس جلس على كرسي الرئاسة في البيت الأبيض، في مجال دعم إسرائيل وتأييد حتى أكثر مواقفها تطرفا وعنصرية.

كما يرى هذا الاتجاه ان العرب الآن في أسوأ أحوالهم، وهم لا يزالون يطرحون مبادرة سلام مع إسرائيل رغم رفضها من إسرائيل، كما ان العالم كله يدعم التوصل إلى معاهدة سلام او إعلان مبادئ، واستئناف ومواصلة المفاوضات الفلسطينية-الإسرائيلية استنادا إلى مرجعية خارطة الطريق، التي تبعد المرجعية الدولية عن المفاوضات، وتعطي الأولوية للأمن الإسرائيلي.

وأخيرا يرى هذا الاتجاه ضرورة الاستفادة من وجود أبو مازن كرئيس للسلطة، وسلام فياض كرئيس للحكومة، بوصفهما قيادة معتدلة فلسطينية ليس من المتوقع ظهور قيادة أكثر اعتدالا منهما، لا الآن ولا في المستقبل.

دعاة التهدئة واستنفاد "فرض السلام" في إسرائيل الذين نتحدث عنهم في هذا المجال ليسوا دعاة سلام حقيقيين بل هم يتصورون ان أمام إسرائيل فرصة تاريخية لفرض تسوية انتقالية جديدة او تسوية نهائية تحقق الشروط والأهداف والمصالح الإسرائيلية وبدون استجابة للحد الأدنى من الحقوق والمصالح الفلسطينية.

في هذا السياق الخلاف بين اتجاه التصعيد واتجاه التهدئة في إسرائيل هو خلاف حول الأساليب وخطط العمل وليس على الأهداف، لان معسكر السلام في إسرائيل ضعيف وضعيف جداً.

ان ما يقف حائلا دون تمكين اتجاه التصعيد من تحقيق أهدافه انه لم يعد واثقاً ولا مطمئناً رغم إيمانه بالقوة وقدرتها على تحقيق كل شيء، من قدرة إسرائيل على خوض حروب خاطفة وفي جبهة الأعداء بدون الاقتراب من الجبهة الداخلية الإسرائيلية، وبدون دفع ثمن بشري كبير.

لذلك يمكن ان يكتفي دعاة التصعيد الإسرائيليون بالسعي لاستعادة تدريجية لهيبة الردع مثل ما حدث من خلال قصف موقع سوري، واغتيال عماد مغنية، وتوجيه ضربات قوية للفلسطينيين، بدون دفع الأمور نحو حروب واسعة. ولكن إسرائيل لم تعد هي الطرف الوحيد القادر لوحده على تحديد قواعد اللعبة. بل أصبح هناك لاعبون جدد من حماس والجهاد الإسلامي وبقية فصائل المقاومة الفلسطينية إلى حزب الله وانتهاء بسورية وإيران.

لقد انتهت المرحلة التي كانت إسرائيل تبادر لشن الحروب وتنهيها بسرعة لصالحها بشكل حاسم، ولا تدفع ثمنا باهظاً.

فإذا خرجت الآن إسرائيل الآن إلى الحرب لن تعرف متى ستنتهي ولا كيف؟ والحرب اللبنانية الأخيرة هي الدليل، وهي حرب ستلاحقها إلى الأبد، ان اغتيال المقاومين في الضفة رسالة من إسرائيل بأنها هي من يحدد قواعد اللعبة، وان التهدئة التي يجري الحديث عنها تشمل غزة ولا تشمل الضفة، لان الضفة ظهرت حتى ما قبل عمليتي ديمونا والقدس، وكأنها منطقة مسيطر عليها إسرائيليا كلياً، حيث إسرائيل تقتحم وتغتال وتعتقل متى تشاء وتفرض الحصار والحواجز.

 

مشاركة: