الرئيسية » هاني المصري »   23 كانون الأول 2006

| | |
إسرائيل والفتنة الفلسطينية
هاني المصري

إسرائيل تضبط نفسها رغم "الخروقات الفلسطينية" وحكومة أولـمرت توافق على تشكيل لجنة فلسطينية - إسرائيلية حول الأسرى، سيكون من صلاحياتها البحث في هوية وأسماء الأسرى الذين سيفرج عنهم. وهذا يحدث للـمرّة الأولى.

أولـمرت كان من أوائل الذين أعلنوا عن دعمهم للرئيس الفلسطيني إثر إعلانه عن الدعوة لإجراء انتخابات مبكرة. الحكومة الإسرائيلية تفكر بالإفراج عن الأموال الفلسطينية الـمحتجزة على دفعات، كما أبدت إشارات أنها مستعدة أكثر للسماح بدخول "قوات بدر" التي رفضت الطلبات بإدخالها منذ تأسيس السلطة الوطنية وحتى الآن.

أولـمرت سيلتقي أبو مازن خلال أيام، ويمكن أن يفاجئ الجميع بإطلاق خطوات من شأنها تقوية أبو مازن.

 

الـمتابع لكل هذه التصريحات الكبيرة، والخطوات الصغيرة، يمكن أن يُضلّل ويستنتج أن إسرائيل هذه الـمرة تريد تقوية أبو مازن والـمعتدلين في مواجهة "حماس" والـمتطرفين، ولكن الـمدقق بالسلوك الإسرائيلي يلاحظ أن الحكومة الإسرائيلية تحاول أن تحرف أبو مازن والـمعتدلين بإظهارهم أنهم عملاء بل حلفاء لإسرائيل، هذا من شأنه إضعافهم بقوة والإساءة لهم أمام شعبهم.

للتدليل على ما سبق، يكفي أن أشير إلى التصريح الذي أدلى به أولـمرت بعيد خطاب أبو مازن وطالب فيه كافة الوزراء الإسرائيليين بعدم الحديث عن الوضع الفلسطيني لعدم إحراج أبو مازن وإضعافه، ليفاجأ الوزراء أنفسهم أن أولـمرت بعظمة لسانه صرح في اليوم الثاني بأن إسرائيل تدعم وستدعم أبو مازن بكل قوة.

حتى الآن نسمع كلـمات كبيرة ولا نرى خطوات على الأرض، بل ذكرت وكالات الأنباء أن الرئيس الفلسطيني طلب إطلاق سراح مروان البرغوثي قبل إتمام صفقة تبادل الأسرى، وكان الجواب الإسرائيلي هو الرفض. وواصلت قوات الاحتلال بتكثيف ملحوظ ملاحقة واغتيال نشطاء من كتائب شهداء الأقصى.

إن إسرائيل الرسمية، على خلاف ما صرّح به أولـمرت أثناء زيارته الـمفاجئة للأردن، معنية بإذكاء الفتنة الداخلية الفلسطينية، لأن استمرار هذه الفتنة وتفاقمها يمكن الاحتلال من استكمال مخططاته الاستيطانية والعنصرية بسرعة أكبر وبأقلّ الخسائر، ويجعل إسرائيل أكثر قدرة على ترويج سياستها بعدم وجود شريك فلسطيني، وبأن الفلسطينيين تنتشر في صفوفهم الفوضى والانقسامات وعرضة لشتى أنواع التدخّلات الإقليمية وغير جديرين بالحصول على حقهم بتقرير مصيرهم وإقامة دولة مستقلة خاصة بهم. والطريق التي تعتمدها إسرائيل لبث الفتنة في تقسيم الفلسطينيين ما بين معتدلين ومتطرفين، بدلاً عن حقيقتهم كشعب محتل واجبه دحر الاحتلال.

الجديد في السياسة الإسرائيلية هذه الـمرة، أنها تستشعر الخطورة البالغة من تداعيات الهزيمة الإسرائيلية في الحرب اللبنانية الأخيرة، ومن تداعيات الهزائم الأميركية في أفغانستان والعراق وفي منطقة الشرق الأوسط برمّتها، خصوصاً بعد تقرير لجنة بيكر - هاملتون الذي ينذر إسرائيل بأن السياسة الأميركية ستتغير عاجلاً أم آجلاً. لذا تحاول إسرائيل الاستعداد لهذا التغيير القادم في السياسة الأميركية، والسياسة الدولية، والذي يرتكز على أن حل الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي مفتاح حل أزمات الـمنطقة برمّتها، والاستعداد الإسرائيلي يمكن أن يأخذ أشكالاً متعددة، أبرزها الـمضي بسرعة في سياسة فرض الحقائق الإسرائيلية على الأرض الـمحتلة، حتى تفرض نفسها على أي حل قادم. كما ترتكز السياسة الإسرائيلية على العمل على إبقاء الخلاف الداخلي الفلسطيني، خصوصاً بين "فتح" و"حماس"، لضمان عدم وجود عنوان فلسطيني واحد، وبقاء كل الأطراف الفلسطينية ضعيفة، ويمكن أن تكون إسرائيل أكثر كرماً هذه الـمرة، ولكن من أجل تحقيق نفس الأهداف.

لو أرادت إسرائيل دعم الـمعتدلين لاستغلت قيادة ياسر عرفات، الشخص القادر أكثر من أي رئيس فلسطيني بعده على تقديم تنازلات مؤلـمة من أجل السلام والحصول على تأييد فلسطيني لها.

لو أرادت إسرائيل دعم الـمعتدلين لـما تجاوزت اتفاق أوسلو كلياً، ولـما قتلت حتى "خارطة الطريق" في مهدها، ولـما وجهت أعمالها العدوانية العسكرية بصورة مركزة ضد وزارات السلطة وأجهزتها الأمنية وأفرادها، وضد رئيسها ياسر عرفات، وصولاً إلى اغتياله بالسمّ غير الـمعروف حتى الآن، الأمر الذي أضعف السلطة وأوصلها إلى حافة الانهيار.

لو أرادت إسرائيل دعم الـمعتدلين لاستغلت نجاح أبو مازن في الانتخابات الرئاسية، وهو يطرح برنامجاً سلامياً معتدلاً، بدلاً من أن تواجهه بسياسة استمرار إسقاط الشريك الفلسطيني، والحديث أنه ضعيف وفرخ ينقصه الريش وغير قادر على الإقلاع.

إسرائيل بمقدورها أن تغير سياستها، ولكنها لـم تفعل ولن تفعل، بل تفضل أو بعض أوساطها الرسمية على الأقل، يفضل بقاء حكومة تقودها "حماس"، لأن هذا يسهّل على إسرائيل عزلها ويساعدها في تحرّكها الدولي. فإسرائيل تضرب "فتح" عندما تقوى، وتضرب "حماس" عندما تقوى فهي تريد أن تبقي كل الأطراف الفلسطينية ضعيفة.

وأخيراً، أُحذّر من سقوط بعض الـمعتدلين وبعض الـمتطرفين في وهم الاعتقاد أن إسرائيل ستساعد الـمعتدلين هذه الـمرة، لأنها مزنوقة، ولأنها تريد قطع الطريق على الـمبادرات العربية والدولية التي تعتبر غير مناسبة على الإطلاق لإسرائيل، وهذا يدفعهم لتشجيع الخطوات الانفرادية ويمهد الطريق نحو الاقتتال. إسرائيل تمارس احتلالاً ضد جميع الفلسطينيين معتدلين ومتطرفين.

إسرائيل يمكن أن تقدم بعض الفتات، مثل إزالة بعض الحواجز وإطلاق سراح بعض الـمعتقلين، وفتح الـمعابر لأيام أكثر، وتسهيل حريّة تنقّل وسفر الأفراد والبضائع، والإفراج عن الأموال الفلسطينية الـمحتجزة، و"الانسحاب من بعض الـمدن، ولكنها ستبقى خطوات مجتزأة وقابلة للارتداد عنها فوراً، بحيث نرى لاحقاً كما رأينا سابقاً، زيادة في عدد الحواجز، واعتقال أعداد أكبر من الـمفرج عنهم، وهكذا دواليك.

الفرصة لإقامة دولة فلسطينية ذات سيادة عاصمتها القدس تعود مجددا، وتلوح في الأفق وهذا بسبب هزائم إسرائيل وأميركا في منطقة الشرق الأوسط، وبسبب صعود قوة إقليمية كبرى اسمها إيران تهدد دور ونفوذ إسرائيل التي تريد أن تكون الدولة الـمهيمنة، يجب انتهاز هذه الفرصة والاستفادة من الهزائم الإسرائيلية والأميركية ومن صعود إيران من دون الاصطفاف معها، أءو مع هذا الـمحور أو ذاك. فالقضية الفلسطينية هي نقطة الارتكاز، وقادرة على توخحيد الجميع تقريباً لدعمها لأنها عادلة، ولأنها تؤثر على الـمنطقة برمّتها. تمحور الفلسطينيين يجعلهم يدفعون الثمن، وتصبح قضيتهم كرة تتقاذفها أقدام الـمحاور الإقليمية والدولية.

الشرط الرئيسي للحصول على الدولة، إدراك الـمتغيرات الحاصلة، والتي يمكن أن تحصل في السياسة الدولية، والقدرة على توحيد الفلسطينيين أو غالبيتهم على الأقل تحت راية برنامج وطني واقعي، يحفظ الحقوق وقادر على الإقلاع. برنامج يحتفظ بحق الـمقاومة الـمسلحة، ويستعد لـممارستها إذا لزم الأمر، ويواصل الـمقاومة الشعبية ما دام الاحتلال والجدار والاستيطان مستمراً، ويمدّ يده للـمفاوضات ولإطلاق عملية سلام جديدة، تكون جادة ومرجعيتها واضحة منذ البداية هي إنهاء الاحتلال على كل الأراضي الـمحتلة العام 1967، من دون إعادة إحياء "خارطة الطريق" الدولية التي مدخلها أمني ومضمونها دولة انتقالية ونهايتها تفاوض مفتوح على مساحة وحدود وعاصمة الدولة الفلسطينية، وعلى بقية قضايا الوضع النهائي، خصوصاً قضية اللاجئين.

ما سبق يوضح الدور الإسرائيلي الـمعلن، وليس هناك ما يمنع من وجود دور إسرائيلي سري، تقوم به قوات الاحتلال مباشرة أو من خلال عملائها، ببث الشائعات وإذكاء الاستقطاب والتحريض الـمتبادل، وتنفيذ عمليات ضد أفراد وكوادر من "فتح" تارة، ومن "حماس" تارة أخرى، حتى ينزلق الوضع الفلسطيني نحو الاقتتال ويصل إلى نقطة اللاعودة. هكذا لعبت "فرق الـموت" الإسرائيلية هذا الدور التخريبي في السابق، خصوصاً في الفترة من 1936-1948، كما تشير الوثائق الإسرائيلية الـمنشورة مؤخّراً، وهكذا تلعب فرق موت أخرى مثل هذا الدور مجدداً.

لا يمكن حسم الخلاف الداخلي الفلسطيني عسكرياً. وفي العادة تقتل الثورات بعد التحرير والاستقلال. الـمأساة أن عندنا من يعتقد أننا بتنا مستقلين وان السلطة دولة وإن لـم تسمَّ دولة. السلطة حكم ذاتي وإسرائيل سحبت معظم صلاحياتها الـمحدودة منها بعد اجتياح مناطقها بعد عملية "السور الواقي" في نهاية آذار العام 2002، وبعد استباحة غزة. ولا يمكن تحويل السلطة إلى دولة باستجداء إسرائيل وإرضائها وإنما بإقناعها أنها ستخسر من احتلالها أكثر مما تربح، أو ستربح من احتلالها أو الاثنين معاً.

 

 

مشاركة: