الرئيسية » هاني المصري »   24 آب 2010

| | |
إعادة النظر بقرار المشاركة بالمفاوضات المباشرة أمر ممكن وضروري
هاني المصري

سأضع جانباً الادعاءات المضللة لتبرير القرار الفلسطيني بالمشاركة بالمفاوضات المباشرة والتي روجت ان الولايات المتحدة الاميركية ستقطع علاقاتها مع السلطة، وان اوروبا والمجتمع الدولي سيوقفوا المساعدات عنها إذا لم توافق على المفاوضات المباشرة، وهذا ما نفاه ناطق باسم الإدارة الأميركية معتبراً ان هذه الاقوال منافية للعقل. كما نفاها متحدث باسم الاتحاد الأوروبي قائلا إن المساعدات غير مرتبطة بالموقف الفلسطيني من المفاوضات المباشرة. صحيح ان هناك ضغوطات اميركية ودولية ولكن جرى تهويل كبير لها لأمر في نفس يعقوب. فالسلطة الملتزمة بالاتفاقات مصلحة اميركية ودولية واسرائيلية ولا يمكن مقاطعتها ودفعها للانهيار ورمي كل الفلسطينيين تحت قيادة "حماس".

سأضع جانباً أيضا الزعم بأن القيادة الفلسطينية قبلت الدعوة الاميركية للمشاركة بعد ان ضمنت الحد الادنى من المرجعيات والضمانات من خلال بيان اللجنة الرباعية الدولية والضمانات الاميركية التي تضمنتها الرسائل التي ارسلها الرئيس الأميركي للقيادة الفلسطينية، لأنها ادعاءات غير صحيحة. فلا الرسائل الاميركية حملت اية ضمانات حقيقية وبيان اللجنة الرباعية مجرد تخريجة لتبرير المشاركة الفلسطينية، وهو تراجع ملموس عن المرجعيات الدولية، ويمثل تنازلاً مجانياً بدون مقابل، وخصوصاً ان اسرائيل لم توافق عليه، ولم تشر اليه الدعوة الاميركية التي نصت على تلبية مفاوضات مباشرة بدون شروط مسبقة،اي وفقاً للشروط الاسرائيلية.

بعد ذلك سأتوقف امام الادعاءات "الوجيهة" التي يقدمها أنصار المشاركة بالمفاوضات.

أهم حجة تظهر بالاعتراف بأن المفاوضات المباشرة خيار سيئ ولكنه اقل سوءا من عدم المشاركة، خصوصا أننا لا نملك بديلا آخر، لذلك علينا ان نستمر بالعمل في اطار الشرعية الدولية ومع القوى المؤثرة على القرار الدولي رغم انعدام الفرص بالتوصل الى الحل. فإذا توصلنا إلى حل جيد نكون قد أنجزنا، وإذا فشلت المفاوضات تتحمل إسرائيل المسؤولية.

الحجة الثانية "الوجيهة" التي يسوقها هؤلاء هي ان الاستيطان وكل ما تقوم به اسرائيل سيستمر، سواء اذا كان هناك مفاوضات او لم تكن. وبالتالي لن نخسر شيئا اضافيا اذا شاركنا في المفاوضات، بينما إذا لم نشارك سنخسر الدعم الدولي وستتأثر العلاقات الفلسطينية مع الأطراف الفاعلة دولياً.

مسألة غياب البديل حجة تبدو وجيهة ومقنعة، فلا يوجد لدى القيادة الفلسطينية بديل عن المفاوضات، والرئيس أبو مازن يردد دائما بان البديل عن المفاوضات وعن فشل المفاوضات هو المزيد من المفاوضات.

حتى عندما توقفت المفاوضات منذ نهاية عام 2008 حتى الآن، لم يكن ذلك جراء رفض هذا الطريق، ولم يؤد توقف المفاوضات الى البحث الجدي عن طريق آخر، بل كانت المحاولات لاستئناف المفاوضات مستمرة، مع السعي لتحسين شروط انطلاقها. وعندما فشلت هذه الجهود تمت الموافقة الفلسطينية على المشاركة بالمفاوضات المباشرة بدون ضمان اي شيء سوى أن يكون التفاوض سيد نفسه، أي وضع المفاوض الفلسطيني فريسة للمفاوض الإسرائيلي.

فأقصى ما كان يمكن أن يحققه المفاوض الفلسطيني كان يمكن أن يحققه قبل عودته الى طاولة المفاوضات، أما بعد موافقته على المشاركة فقد أصبح ضعيفاً أكثر.

نعم لا يوجد بديل لدى القيادة الفلسطينية، والسؤال :لماذا ؟ لأنها ألقت البديل ومقتنعة بعدم وجود بديل، فهي أحرقت أوراق البديل وكل ما من شأنه ان يبلور بديلاً.

فالبديل لا يهبط من السماء، وإنما البديل يبنى خطوة خطوة، وهو بحاجة الى توفر الإرادة السياسية اللازمة لبنائه، ومن لا يملك بديلاً فعلاً فعليه أن يوافق عاجلاً أم آجلاً على ما يطرحه عليه العدو او الخصم . فبدون بديل يكون الاستسلام هو الخيار الوحيد المتاح .

سألني صحافي ما اسوأ ما يمكن ان يحدث في المفاوضات المباشرة القادمة، قلت إن اسوأ شيء ليس ان تدور في حلقة مفرغة مثل سابقاتها، او ان تنهار، وانما ان تتوصل الى اتفاق لأنه سيكون بالضرورة سيئا ويجسد احد سيناريوهات الحل الاسرائيلي. وهذا الاحتمال بات قائما الآن، وإن لم يصبح مرجحاً، لأن إسرائيل غير جاهزة لأي حل حتى ولو كان ضمن السيناريوهات المفضلة لديها.

أن الحل السيئ، الذي ينتقص من الحقوق الفلسطينية اصبح ممكناً لأن الإدارة الأميركية الحالية مقتنعة بضرورة التوصل الى حل للصراع وعدم الاكتفاء بادارته مثلما فعلت الادارات الأميركية السابقة، ولكن هذه الرغبة الأميركية للحل لا يجب ان تفرح أحداً، بل أنها إذا لم يكن هناك بديل فلسطيني ضاغط، ستصب في مصلحة الحل الإسرائيلي مثلما حدث بعد تراجع إدارة أوباما عن وعودها وأخذت بممارسة الضغط على الرئيس ابو مازن ليقبل المشاركة بالمفاوضات المباشرة وفقا للشروط الاسرائيلية .

فالإدارة الأميركية ستفضل عندما تواجه المفاوضات القادمة أزمة ان تمارس الضغط مرة اخرى على الطرف الفلسطيني الضعيف. لقد اصبح هناك خشية من ان تتنازل القيادة الفلسطينية مثلما فعلت بالنسبة للمفاوضات المباشرة، فهي يمكن ان تقبل الحل السيئ.

وستظهر ابواق جاهزة لتبرير ذلك بحجة أن شيئاً أفضل من لا شيء، و لأنه لا يوجد بديل، "ولأن العرب خذلونا" و"العالم خذلنا" و"حركة فتح خذلت ابو مازن" مثلما صرح مسؤول فلسطيني رفيع لم يعرف عن نفسه عشية اتخاذ قرار المشاركة لتبريره!!

هناك بديل ومقدماته قائمة على الأرض تظهر بالانتقادات الدولية الواسعة لإسرائيل وبالمقاومة الشعبية القابلة للاتساع، ومقاطعة البضائع الإسرائيلية خصوصاً بضائع المستوطنات، والمقاطعة الأكاديمية الدولية، وبداية تفعيل التقارير الدولية التي تطالب بمحاكمة إسرائيل. ويمكن أن يتبلور هذا البديل ويصبح فاعلاً جداً إذا كان هناك إرادة للسير فيه، وهو يستند الى اساس قوي جداً يتمثل في ان القضية الفلسطينية عادلة، والى تفوقها الاخلاقي، والى ان الشرعية الدولية تضمن الحد الأدنى من الحقوق الفلسطينية، وان الشعب الفلسطيني رغم التضحيات الغالية وطول الزمن مصمم على انتزاع حقوقه ومتمسك بهويته وووجوده على ارضه ووطنه، وان له احتياطي استراتيجي للدعم العربي والدولي.

إن المشاركة بالمفاوضات المباشرة تضرب إمكانية إيجاد البديل القادر على إنجاز الحقوق الوطنية وتعطي لاسرائيل الغطاء والوقت اللازم لاستكمال تطبيق مشاريعها التوسعية والاستيطانية، لذلك المفاوضات في الظروف الحالية هي خسارة صافية للفلسطينيين.

وإضافة للأسباب السابقة فان الموافقة الفلسطينية على المفاوضات تمت بدون اتخاذ قرار قانوني. فالنصاب لم يتوفر في الاجتماع الأخير، فقد حضر تسعة أعضاء فقط من ثمانية عشر، والاجتماع لا يكون قانونيا وفقا لنظام المنظمة إلا بحضور الثلثين. إن هذا يمس بشرعية القرار ويضرب مصداقية مؤسسات المنظمة التي تتخذ القرارات بعيدا عنها في لجنة المتابعة تارة، واللجنة الرباعية تارة، والإدارة الأميركية دوماً ، واصبحت المنظمة مثل شاهد الزور، وهذا يهدد بالقضاء على ما تبقى من دورها، وينثر بذورا جديدة للخلاف والانقسام بين الفلسطينيين.

إن المشاركة في المفاوضات وفقا للشروط الإسرائيلية تقوي موقف حكومة نتنياهو وتجعلها تستفرد بالفلسطينيين وتستخدم المفاوضات للإيحاء بأنها تريد السلام وللتغطية على ما تقوم به من خلق حقائق احتلالية على الأرض، ولقطع الطريق على بروز الخيارات والجهود والمبادرات والبدائل الأخرى.

المفاوضات القادمة ستحيد المجتمع الدولي في وقت الفلسطينيون احوج ما يكونون لاكبر دور دولي، لأن أية مفاوضات حتى تنجح في إنهاء الاحتلال يجب أن تكون في إطار دولي وبمشاركة دولية فاعلة وبضمانات دولية وبالاستناد إلى المرجعية الدولية، وليس الى بيان أنابوليس وخارطة الطريق وبيان اللجنة الرباعية ورسالة الدعوة الأميركية .

إن قرار المشاركة لا "يبرره" ولن يحقق سوى بقاء القيادة الحالية والسلطة في ظل القيود المجحفة التي تقيدها، في حين أن القيادة والسلطة يفترض ان يكونا مجرد وسائل لخدمة القضية والحقوق.

إن المقايضة بين القضية والسلطة بداية النهاية....بداية الانهيار الكبير!!

ما زلنا على البر، ويمكن إعادة النظر بقرار المشاركة لأن إسرائيل لم تلتزم بأي شيء، حتى ببيان الرباعية، وتعلن شروطها واستمرارها بتطبيق المخططات التوسعية والاستيطانية والعنصرية رغم موافقتها على المشاركة بالمفاوضات الثنائية المباشرة !!.

مشاركة: