الرئيسية » هاني المصري »   07 أيلول 2010

| | |
اعتقالات جماعية بعد عملية الخليل...الحريات العامة لا تتجزأ
هاني المصري

إن اعتذار سلام فياض رئيس الحكومة عن قمع المؤتمر الوطني المناهض للمفاوضات المباشرة وتحمله المسؤولية الكاملة عما جرى، وتعهده بعدم تكراره، وعقد الاعتصام الشعبي بعد ذلك يوم الأربعاء الأول من أيلول دون تعرض الأجهزة الأمنية له، هو أمر جيد جداً يستحق الدعم والتثمين ولكنه لا يكفي ولا ينهي المسألة.

 

إن الذي قام بغزوة قاعة البروتستانت هم مئات الأفراد والضباط من جهاز امني، وهو أمر يستحق الإدانة من الجميع وتشكيل لجنة تحقيق مستقلة، ومحاسبة المسئولين عن هذا العدوان الصارخ على الحريات العامة ومن يقف وراءهم، خصوصاً أن لجنة التحقيق التي شكلها الرئيس منذ الواقعة لا يعرف حتى الآن، هل شكلت أم لا، أو ممن تتشكل، وما هي صلاحياتها، ومتى ستمارس عملها؟

إن الحريات العامة وحقوق الإنسان كل واحد لا يمكن أن تتجزأ، وإذا تم التهاون فيها مرة أو فيما يتعلق بأمور معينة، وبجهات محددة يمكن التهاون فيها دائماً، فهذا يسمح بأن يطل برأسه نظام بوليسي رويداً رويداً ويطال بإجراءاته العميقة الجميع.

أقول ما سبق بمناسبة قيام الأجهزة الأمنية بشن حملة اعتقالات طالت المئات من أعضاء وكوادر ومناصري حركة حماس، وذلك إثر العملية العسكرية التي نفذتها كتائب عز الدين القسام في الخليل والتي أدت إلى مقتل أربعة مستوطنين مساء 31/8/2010، وشكلت هذه الاعتقالات نوعا من العقاب الجماعي وانتهاكا للقانون وحقوق الإنسان والحريات، وكما عكست عدم الثقة بالنفس.

لقد طالت الحملة رجال أعمال ومعلمين وأساتذة جامعات وآباء وأبناءهم، وعدداً من إخوة وأبناء النواب، وأعضاء مجالس بلدية......إلخ.

ووفقا لما جاء في بيان صادر عن مؤسسة الحق فإن الاعتقالات شملت خلال يومين فقط مساء 31/8، ويوم 1/9- 370 شخصا، وتتم عمليات الاعتقال دون مذكرات توقيف قانونية وتحت تبرير درء الضرر عن العمليات التي حدثت ويمكن أن تحدث، وذلك بعد إعلان "حماس" وغيرها من الفصائل عن عزمها على تنفيذ المزيد من العمليات، وتحت تبرير أنها "استدعاءات وليست اعتقالات" أو "اعتقالات احترازية" بسبب "ظروف استثنائية" وعلى خلفية معلومات أمنية.

وكما جاء في بيان مؤسسة الحق أيضا: فإن الاعتقالات لم تتم على أسس قانونية تحترم فيها الضمانات القانونية للأشخاص الذين يقبض عليهم، كما جاء في نص المادة 29 من قانون الإجراءات الجزائية الفلسطينية رقم 3 لسنة 2001: " لا يجوز القبض على أحد أو حبسه إلا بأمر من الجهة المختصة بذلك قانوناً، كما يجب معاملته بما يحفظ كرامته، ولا يجوز إيذاؤه بدنياً أو معنوياً، ونصت المادة 11 من القانون الأساسي الفلسطيني على أن الحرية الشخصية حق طبيعي وهي مكفولة ولا تمس...ولا يجوز القبض على أحد أو تفتيشه أو تقييد حريته بأي قيد، أو منعه من التنقل إلا بأمر قضائي وفقاً لأحكام القانون.

لقد نفى اللواء عدنان الضميري الناطق باسم أجهزة الأمن اعتقال أي أحد على خلفية سياسية، وقال إن الأعداد الذين تتحدث عنها "حماس" هي أرقام غير صحيحة، معترفاً في الوقت نفسه باعتقال العشرات للتحقيق معهم واستدعاء آخرين لجمع المعلومات، وبدون أن يتوقف عند الأعداد التي ذكرتها مؤسسة الحق وغيرها من المؤسسات القانونية.

لقد تميزت السلطة في الضفة عن السلطة في غزة بأنها مهتمة بسيادة القانون وحقوق الإنسان والحريات العامة، ولكنها بدأت تفقد هذه الميزة رويداً رويداً، من خلال منافسة السلطة الأخرى على انتهاك الحريات العامة، وخصوصاً فيما يتعلق بالاعتقالات الجماعية والتعذيب وإغلاق المؤسسات وفصل الموظفين أو عدم تعيينهم أصلا لأسباب سياسية.

إن دفاع السلطة عن الاعتقالات الجماعية لا يصمد أمام القانون الذي لا يجيز اعتقال أحد لأن تنظيمه قام بعملية عسكرية في منطقة خاضعة للاحتلال، علماً بأن حق المقاومة مكفول في القانون الدولي وجميع الشرائع الدينية والدنيوية.

ان عدم قيام السلطة باعتقال من قام بهذه العملية أو غيرها من عمليات المقاومة، لا يبرر عمليات اعتقال جماعية انتقامية تستخدم للتغطية على عدم قدرة الاجهزة الامنية على منع عمليات المقاومة، لأنها خرق للقانون الفلسطيني ومس بالتزامات السلطة الأمنية وغير الأمنية مع إسرائيل، ولكن اعتقال اياً كان يجب أن يتم وفقا للقانون وعلى أساس أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته، وليس مداناً حتى تثبت براءته، ولا يمكن أخذ كل كوادر وعناصر ومناصري "حماس" بالجملة "فلا تزر وازرة وزر أخرى" ولا يمكن الاعتقال على خلفية سياسية، وإلا سيسمح هذا باعتقال كل من يؤيد المقاومة، وهذا يشمل غالبية الشعب الفلسطيني.

طبعاً يمكن وضع عملية الخليل في حساب العقل والربح والخسارة، وأنها لم تأت من إستراتيجية المقاومة من أجل دحر الاحتلال وإنجاز الحرية والعودة والاستقلال، وإنما هي رسالة سياسية كما صرح أحمد يوسف أحد قادة "حماس" في غزة، فهي موجهة للغرب وللجميع بأن "حماس" لا تقبل بتجاوزها في مسائل تمس جوهر الحقوق والمستقبل الفلسطيني، ولو ادى ذلك اضعاف المفاوض الفلسطيني وإلحاق الضرر بالمصلحة الوطنية الفلسطينية .

إن الانفراد بالذهاب إلى مفاوضات مباشرة بدون ضمانات ومرجعيات وبدون شرعية حتى داخل مؤسسات "م.ت.ف" عمل فئوي ويمكن أن يعزز الانفراد بالمقاومة لأسباب فئوية، وهذا وذاك مظهر من مظاهر الانقسام السياسي والجغرافي الفلسطيني المدمر، وانعكاس للصراع على القيادة والتمثيل والقرار الفلسطيني.

في هذا السياق، لا يمكن توقع أن يستطيع المفاوض الفلسطيني أن يفاوض في ظل الانقسام من موقع قوة وهو يفاوض بدون دعم فلسطيني سياسي وشعبي في داخل و خارج منظمة التحرير.

قبل فوات الأوان لا بد من إعطاء الأولوية لإنهاء الانقسام واستعادة الوحدة وبلورة إستراتيجية جديدة قادرة على إنجاز الأهداف الوطنية التي عجزت المقاومة وحدها والمفاوضات وحدها عن تحقيقها، خصوصاً بعد أن اتضح استمرار تعنت الحكومة الإسرائيلية في قمة واشنطن واستمرارها بكل أشكال العدوان والاستيطان، ذلك رغم بدء المفاوضات المباشرة، ما يجعلها غطاءً لما تقوم به الحكومة الاسرائيلية من خلق حقائق احتلالية على الارض.

إن السلطة تقوى أكثر باحترام حقوق الإنسان والحريات العامة وسيادة القانون والمؤسسات، وبإعادة الاعتبار للبرنامج الوطني وللمقاومة الخاضعة للمصلحة الوطنية والاستراتيجية الموحدة، وللشراكة الحقيقية وأسس النظام الديمقراطي!! فليتم إطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وليحرم اعتقال احد على خلفية سياسية في الضفة الغربية و قطاع غزة !!

مشاركة: