الرئيسية » هاني المصري »   06 حزيران 2006

| | |
الاستفتاء أهون الشرين
هاني المصري

بعد التفاؤل الحذر الذي استبشرنا به مع افتتاح مؤتمر الحوار وتزايد امكانية توصل الحوار الوطني الى اتفاق على برنامج موحد يستند الى وثيقة الاسرى التي اشاد بها الجميع في البداية، واعتبرها مؤتمر الحوار بالاجماع ارضية صالحة للاتفاق، تتجه الاوضاع الداخلية الفلسطينية الى التوتر المتسارع بما ينذر بتجدد الاشتباكات المسلحة بحيث عاد شبح الحرب الاهلية يخيم فوق سماء فلسطين.

وثيقة الأسرى التي اشاد بها الجميع، اصبحت بقدرة قادر، وثيقة تمس الثوابت الوطنية، واقرارها مقدمة لتقديم تنازلات عن الحقوق والثوابت، والاستفتاء انقلاب ابيض وغير شرعي (وما هي سوى بضعة ايام واذا لم يتوقف التدهور الحالي) حتى تصدر فتوى تقول ان الاستفتاء حرام وان من يدعو اليه ويشارك فيه كافر. فهناك من يريد ان يفصّل الاسلام على مقاسه.

 

حماس خطابها يقول بكل بساطة ان هناك حكومة شرعية ومجلس شرعياً منتخباً ومطلوب من الجميع دعمهما والسير وراءهما في مواجهة الحصار الخانق والعزلة الدولية، وان ما دون ذلك باطل وغير مقبول.

وعندما تذكر قادة حماس ان هناك رئيساً شرعياً ومنتخباً وله برنامج انتخب على اساسه، كان برنامجا واضحاً ومختلفاً عن برنامج الحكومة، يقولون لك ان الانتخابات التشريعية جرت بعد الانتخابات الرئاسية. والانتخابات الرئاسية لم تشارك بها حماس، ثم المشاركة بها لم تصل (تارة يتحدثون عن 72% وتارة اخرى عن 04%) في حين ان هذه الانتخابات شرعية هي الاخرى، وانتخب ابو مازن فيها اكثر من نصف مليون ناخب أي عدد يزيد او يقارب عدد الاصوات التي حصل عليها نواب حماس على صعيد دائرة الوطن.

الرئيس ابو مازن انتخب لمدة 4 سنوات، وهو كان محل ثقة وتأييد حركة حماس، وكانت الحركة تتغزل به وحتى هذه اللحظة تجد من يشيد به، ولكن الكفة مالت وانقلب الحال، واصبح ابو مازن الذي كان يحترم كلمته، ويفي بتعهداته، خصوصاً بعد ان اجرى الانتخابات وسلم السلطة لحماس، متآمراً على الحكومة ويسعى لاسقاطها بصورة غير شرعية، بل اكثر من ذلك، هو المسؤول عن الازمة المالية، ويقدر على حلها ويمتنع عن ذلك.

وفتح هي الاخرى لا تقصر في توتير الاجواء، والدليل الاخير على ذلك، تشكيل القوى الامنية المساندة (والموازية بالحقيقة) للاجهزة الامنية الرسمية في غزة وجنين وطولكرم، وذلك رداً على القوة الامنية المساندة في غزة، لا يمكن الرد على خطأ بخطأ مماثل. وعلى فتح وحماس ان تحلا القوى الامنية المساندة، لصالح تفعيل وتطوير واصلاح (وحتى تغيير) الاجهزة القائمة وتوحيدها حتى تكون قادرة على القيام بمهماتها . وعلى اي مسلح، وعلى اية اجنحة عسكرية ان تنضم الى الاجهزة الامنية القائمة بصورة فردية وعلى اساس اصدار قانون (كما هو وارد في وثيقة الأسرى) يفرض على كل افراد الاجهزة الامنية الاستقالة من الفصائل والاحزاب التي ينتمون اليها، لان الاجهزة الامنية يجب ان تكون محايدة، وهي للشعب كله، لحماية الوطن والمواطن، وليست ميلشيات لصالح هذا الفصيل او ذاك. فعندما كانت فتح هي الحاكمة شكلت اجهزة تابعة لها. وعندما استلمت الحكم شرعت بتشكيل اول جهاز تابع لها، واذا فازت الجبهة الشعبية بالانتخابات المقبلة، او شكلت حكومة جديدة وكان وزير الداخلية فيها من الجبهة الشعبية، يكون مطلوباً منه ان يشكل ميلشيات جديدة تابعة للجبهة يسميها قوة امنية مساندة.

اكثر ما يقلق في الجدال القائم، ليس الخلاف. فالخلاف لا يفسد للود قضية، والخلاف دليل على التعددية، التعددية مطلوبة من اجل التنوع والمنافسة والابداع. والتعددية مصدر قوة ومناعة وتطور الشعب الفلسطيني وحركته الوطنية منذ انطلاقتها. ما يقلق هو غياب اية مرجعية موحدة. فاذا قلنا ان المنظمة هي المرجعية نجد هناك من لا يعترف بالمنظمة الا بعد اعادة بنائها واصلاحها وتفعيلها بما يضمن سيطرته عليها. واذا قلنا ان الشعب هو المرجعية ومصدر السلطات والصلاحيات. وعندما قلنا ذلك استندنا الى مشاركة الجميع تقريباً بالانتخابات التشريعية وهذا اعتراف بان الشعب مرجعية، ولكننا نفاجأ في الايام الاخيرة بتصريحات يدلي بها سامي ابو زهري الناطق باسم حماس يقول فيها لو اختار الشعب الفلسطيني كله (وشدد على كلمة كله) شيئاً تعتبره حماس مخالفاً للثوابت لن تقبل به، وكأن حماس فوق الشعب ووصية عليه.

اذاً عدنا، أو هناك خطر ان نعود، الى ما قبل مشاركة حماس بالانتخابات والى الرأي الذي يقول ان الشعب ليس مصدر الشرعية والسلطات والصلاحيات وانما اهل العقد والشرع، ومن هم هؤلاء؟ هم من حماس وانصارها. الم يقل قادة كبار في حماس ان انتصار حماس هو انتصار الاسلام. وان حماس تمثل الله. وماذا عن بقية المسلمين الذين لا ينتمون الى اي فصيل والذين ينتمون الى فتح وغيرها من الاحزاب والفصائل، يقال لك انهم كلهم علمانيون وهذا غير صحيح. وكأن العلمانيين كلهم ملحدون كفار. يجب ان تعرف حماس ان مشاركتها بالانتخابات هي موافقة على ان الشعب هو الذي يقرر وهذا يشكل خطوة كبرى نحو العلمانية، فالعلمانية هي فصل الدين عن الدولة، وهناك علمانيون كثر مؤمنون ومسلمون ويريدون نشر راية الاسلام "راية لا اله الا الله".

عندما اختارت حماس المشاركة بالانتخابات كان عليها ان تعرف ان هناك التزامات ومسؤوليات عليها اذا لم تحصل على اغلبية اهمها الموافقة على حق الاغلبية بان تحكم وتقرر وتكتفي هي بالمعارضة. واذا فازت بالاغلبية عليها التزامات ومسؤوليات اكبر. لانها مطالبة بان تحكم. ومن يحكم مطالب بتوفير الحد الأدنى من الاحتياجات والخدمات للمواطنين. فالناخب الفلسطيني اختار حماس لانه بحاجة الى تغيير واصلاح وحتى الآن حصل على التغيير ولكن اين الاصلاح؟ اين بوادر الاصلاح؟ الرد يأتي ان هناك حصار ومؤامرة على الحكومة التي شكلتها حماس. وهذا صحيح. ولكن الصحيح ايضاً هو: لماذا لم يكن هذا الحصار الظالم وتلك المؤامرة ضمن حسابات حماس؟ ومسؤولية الحكومة لا تنتهي عند وصف الحصار وتشخيصه بل جوهرها يتمثل في وضع العلاج. فلا يمكن دعوة الشعب لصمود مفتوح، فالصبر له حدود، واذا اردت ان تطاع فاطلب المستطاع. ولا يمكن تصبير الشعب بوعود فارغة ومبالغات كبيرة عن انتهاء او قرب انتهاء الحصار. هناك ثمن سياسي لفك الحصار هو اعتماد برنامج للحكومة ينسجم مع الشرعيات الفلسطينية والعربية والدولية. وهذا الثمن لا يتضمن اعترافاً صريحاً باسرائيل ولا تخلياً عن المقاومة، وانما استعداد للاعتراف باسرائيل اذا اعترفت بالحقوق الفلسطينية واذا انسحبت من الاراضي المحتلة العام 7691، هذا امر يتحقق باعتماد وثيقة الاسرى التي تشكل الحد الأدنى الوطني.

واذا عدنا لوثيقة الأسرى سنجد انها تحفظ الحقوق والاهداف الفلسطينية، وتحتفظ بكافة الخيارات والبدائل بما فيها حق المقاومة والمفاوضات، ولا يشكل اقرار وثيقة الأسرى، سواء في الحوار الوطني او عبر استفتاء، مقدمة للتنازل بل ان اقرار وثيقة الأسرى يمكن ان يشكل قيداً على كل من تسول له نفسه التنازل عن الحقوق والاهداف الوطنية، وهنا يطرح سؤال نفسه: لماذا تصور حماس منافسيها السياسيين وخصوصاً حركة فتح وكأنهم يتحرقون شوقاً ويتحينون الفرص لتقديم التنازلات، حماس لم تستلم الحكم سوى من اشهر قليلة، وفتح كانت في الحكم، وابو عمار استشهد على مذبح الدفاع عن الحقوق الوطنية، وابو عمار تنازل في اوسلو لانه اعتقد ان هذا التنازل طريق متاحة لتحقيق الحقوق والاهداف الوطنية، وهو اصاب واخطأ لكنه استشهد زعيماً وطنياً وليس خائناً. وهو عندما وجد ان اوسلو وصل الى طريق مسدودة لم يتردد بالعودة الى امتشاق السلاح والعودة الى المقاومة رغم انه التزم باعتماد المفاوضات اسلوباً وحيداً لحل النزاع.

ان الاستفتاء هو المخرج في حالة عدم الاتفاق. واذا كان هناك نية للاتفاق يمكن تمديد الحوار عشرة ايام اضافية درءاً للفتنة وصوناً للدم الفلسطيني. واذا لم تتوفر المؤشرات الى امكانية الاتفاق بالحوار، فلا غضاضة، بل المطلوب الاحتكام للشعب عبر الاستفتاء دون اهانة الشعب تارة والاسرى تارة اخرى بحجة ان الشعب سيصوت بإمعائه، وان الأسرى في محنة، وان هؤلاء واولئك لا يجوز اخذ رأيهم. فالشعب الفلسطيني كله تحت الاحتلال ويواجه ظروفاً صعبة وعدواناً عسكرياً متواصلاً لم يهدأ حتى ايام اجراء الانتخابات ومع ذلك ذهبنا معاً نحو الانتخابات رغم ان الطبيعي عدم اجراء انتخابات تحت الاحتلال لانها يمكن ان تعطي نوعاً من الشرعية للاحتلال. لكن اللجوء الى الانتخابات تحت الاحتلال اهون الشرين ومحاولة لتأكيد الارادة الفلسطينية الرافضة للاحتلال.

والاستفتاء في ظل الحصار والاحتلال شر. ولكن عدم اجرائه يسرع السير نحو الحرب الاهلية تحت الاحتلال وهذا شر أكبر، فالاستفتاء أهون الشرين.

فالاستفتاء احتكام للشعب ومن يعتقد ان الشعب معه يجب ان لا يتردد باللجوء اليه. واذا فازت وثيقة الأسرى في الاستفتاء يجب الانصياع لارادة الشعب وتشكيل حكومة تتبنى هذه الوثيقة. واذا خسرت عبر تصويت الشعب بلا للوثيقة، على الرئيس حينها تقديم الاستقالة. وعلى الجميع عندها احترام ارادة الشعب. أما القول ان هناك حكومة شرعية ولا ضرورة للاستفتاء فهو قول يقفز عن ان الغالبية العظمى من الاستفتاءات تجرى في ظل وجود حكومات شرعية وديمقراطية. فالانتخابات لا تلغي كل الخلافات. وما الذي يمنع اللجوء للشعب؟ لان عدم اللجوء للشعب سيضع القرار في يد حفنة رغم انها تعيش هي الاخرى تحت الحصار والاحتلال ولكنها تعتقد انها اوعى واخلص واكثر حكمة من الشعب كله. على الجميع ان يتذكر ان الشعب لن يستسلم حتى وهو تحت الحصار!!

 

مشاركة: