الرئيسية » هاني المصري »   10 حزيران 2006

| | |
الاستفتاء أو حكومة خبراء؟
هاني المصري

من المقرر أن يصدر اليوم المرسوم الرئاسي حول تنظيم الاستفتاء، وحسب هذا المرسوم فإن الاستفتاء سيتم في 13 تموز القادم، وبغض النظر عن الخلافات حول دستورية وقانونية الاستفتاء، فإن الرئيس الذي سيصدره (أو أصدره) رئيس شرعي ومنتخب ديمقراطياً ومن يعتقد أن الاستفتاء غير دستوري ولا قانوني عليه أن يلجأ إلى القضاء إلى محكمة العدل العليا. تماماً مثلما لجأت كتلة فتح بالتشريعي إلى هذه المحكمة لنقض قرار المجلس التشريعي بإلغاء كافة القرارات التي أصدرتها الحكومة وأصدرها المجلس التشريعي عشية وبعد الانتخابات التشريعية.

أما أن يقول طرف، حتى لو كان الناطق باسم حماس سامي أبو زهري، إنه لا يقبل الاستفتاء ولن يمرره مهما كان الثمن، وعلى من يقرأ الرسالة ان يقرأ ما بين السطور، فهذا تهديد مبطن باللجوء الى كل ما يلزم لتعطيل الاستفتاء.

 

اذا افترضنا جدلاً ان الاستفتاء غير قانوني، والرئيس يرى انه قانوني، نظامنا نظام رئاسي-برلماني.

كيف يمكن حسم هذا الخلاف؟ ان الذي اعتبر الاستفتاء وهو الاحتكام للشعب، سيفاً مسلطا على رؤوس المتحاورين لا يجوز له ان يضع الاقتتال وهو دمار للشعب، سيفا مسلطا على رؤوس الجميع.

انا لست قانونياً، وارى ان نحيل مسألة الاستفتاء من الناحية القانونية الى اهل القضاء، والى المحكمة العليا ولا نجعلها ورقة في ايدي السياسيين يتلاعبون بها حسب اغراضهم السياسية.

فلو اعتقدت حماس ان الاستفتاء سيخرج لصالحها، سنراها فوراً تغير موقفها وتعتبر الاستفتاء قانونياً ويستجيب للمصلحة الوطنية، والمشاركة به واجب ديني. ولو اعتقدت فتح ان الاستفتاء يمكن او على الأرجح لن يأتي لصالحها، ستأخذ موقفاً مغايراً لموقفها الحالي، وستعتبر ان مقاطعة الاستفتاء او تعطيله تأكيد لاستقلالية القرار المستقل، وتجسيد اوحد او وحيد للمشروع الوطني.

ومن الزاوية السياسية التي ادعي انني على خبرة بها، ارى ان الاستفتاء قد يكون مخرجا ملائما للجميع في حال عدم التوصل لاتفاق خلال الفترة التي تفصلنا عن موعد الاستفتاء. اعتقد ان أكثر من خمسين يوماً، أكثر من كافية للتوصل لاتفاق او لادراك عدم امكانية التوصل لاتفاق. واذا تم التوصل لاتفاق لا داعي للاستفتاء. واذا فشل الحوار على كل واحد منا، خصوصاً اذا كان من المعارضين للاستفتاء ان يسأل نفسه ما العمل؟ وما الذي يمكن ان يحدث. إذا فشل الحوار ودون وجود اتفاق على اللجوء الى الاستفتاء؟

اذا نحينا الاستفتاء جانبا، سنكون امام احتمال واحد اذا فشل الحوار هو اللجوء الى حوار الرصاص. وهذا القول لا ينطوي على اي قدر من المبالغة فهناك حالياً ازدواجية سلطة، جوهرها الصراع على السلطة، يغذيها خلاف في البرامج وعلى الصلاحيات وحصار خانق يهدد استمراره بحدوث كوارث سياسية واقتصادية واجتماعية وامنية، كما تغذيها اجهزة امنية وقوة تنفيذية وميليشيات تقوم بأخطر وأكبر سباق تسلح تشهده الاراضي الفلسطينية المحتلة، منذ الاحتلال عام 7691 حتى الآن. والمفارقة المفزعة ان سباق التسلح هذا لا يتم مع الاحتلال او من اجل مقاومة الاحتلال وانما من أجل ان يكون وقودا للاقتتال الداخلي والحرب الاهلية.

قد يقول قائل، البديل عن الاستفتاء، استمرار الحوار مهما تطلب الامر من وقت. وهذا القول يتجاهل ان الحوار مستمر منذ سنوات، وتوصل الى وثيقة اب عام 2002، ووثيقة اذار عام 4002، واعلان القاهرة عام 5002، وهو مستمر بشكل متقطع ولكنه مستمر بأشكال متعددة. وإن الفترة من 52/5 وحتى 13/7 إذا لم تكن كافية فلن يكون مجدياً الدخول في حوار وطني مفتوح إلى الأبد وما يدعم رفض الحوار المفتوح:

أولاً: أن الفلسطينيين ليس لديهم وقت لإضاعته، فالاحتلال مستمر، وحكومة أولمرت شرعت في الإعداد وتطبيق خطة ترسيم حدود إسرائيل النهائية.

وثانياً: أن الحصار الخانق الذي يتعرض له الشعب الفلسطيني مستمر للشهر الرابع على التوالي، ومرشح للاستمرار، وفي حالة استمراره ستكون له تداعيات خطيرة يمكن أن يكون من ضمنها انهيار السلطة، ومجاعة، وزيادة كبيرة في معدلات الفقر والبطالة والجرائم، وحرب أهلية، وتزايد معدلات الهجرة، وتراجع القضية الفلسطينية على كافة المستويات وتحولها إلى قضية إنسانية وتعميق حالة الانقسام بحيث نجد تعددية في المرجعيات تساعد على عودة عهد الوصاية والإنابة والبدائل والتدخلات الإسرائيلية والإقليمية والدولية.

ثالثاً: هناك وجهة نظر عند "حماس" مفادها أن أي اتفاق وطني حالياً على وثيقة الأسرى، أو غيرها، وأي تشكيل لحكومة جديدة سواء حكومة وحدة وطنية أو حكومة خبراء وتكنوقراط، أو حكومة نفترض تشكيلها إذا نجحت وثيقة الأسرى عبر الاستفتاء ستعني فشلاً لحماس وحكومتها الأولى، سيجعل فرصها في الانتخابات الرئاسية والتشريعية القادمة أقل من السابقة. لذا ترفض "حماس" أي اتفاق أو تشكيل حكومة جديدة في الوقت الحالي مهما كان شكلها، وإلى الدرجة التي دفعت عدنان عصفور ممثل "حماس" في لجنة الحوار إلى القول: إن "حماس" تحتاج لفترة ستة أشهر بعد الاتفاق على البرنامج الموحد، حتى تقبل تشكيل حكومة وحدة وطنية، لأنها لا تريد أن يفسر هذا على انه فشل لحكومتها وانتقاص من شرعيتها التي حصلت عليها في الانتخابات السابقة.

رابعاً: هناك وجهة نظر داخل "فتح"، لا تسهل إمكانية التوصل إلى اتفاق لأن أصحابها تعاملوا مع الحوار، ثم مع الاستفتاء كوسائل لتوتير الأجواء، ولتسهيل عودة "فتح" إلى الحكم منفردة، بل إن أصحاب وجهة النظر هذه أعربوا عن خشيتهم من موافقة "حماس" على وثيقة الأسرى، لأن هذه الموافقة تمثل طوق نجاة لحماس، وستجعل حكومة الوحدة الوطنية التي تجسد شراكة حقيقية هي الخيار المرجح في مثل هذه الظروف، وهي حكومة ستكون مشلولة وغير قادرة على الإقلاع لأنها محكومة برأسين وقوتين وتطرح برنامجاً قد يقبل من العالم كله ولكنه سيرفض من إسرائيل حتماً، ومن المرجح أن يرفض من الإدارة الأميركية، وهذا سيجعل وثيقة الأسرى والحكومة التي ستشكل استناداً إليها ليست حلاً وإنما ستكون استمراراً للمأزق. ينسى أصحاب وجهة النظر هذه ان الالتزام بوثيقة الأسرى يقدم الشريك الفلسطيني بصورة موحدة وقوية ووطنية وواقعية، وهذا ينقل الصراع، خصوصاً سياسياً، إلى مستوى مختلف نوعياً، ولصالح الفلسطينيين، حيث سيبرهنون على وجود الشريك الفلسطيني والخطة الفلسطينية البديلة عن خطة أولمرت أحادية الجانب.

إنني، بكل صراحة، أجد من الصعوبة بمكان أن يتوصل الحوار إلى اتفاق ما دامت المصلحة الوطنية العليا لا تتغلب على المصالح والبرامج الخاصة، لذا أجدد اقتراحي لحركة حماس بأن تقوم بمبادرة منها، واستجابة إلى ضرورات الواقع، وما دامت غير قابلة ولا قادرة على دفع ثمن تشكيل حكومة وحدة وطنية، بدعوة الرئيس لتشكيل حكومة من الخبراء والتكنوقراط المستقلين، بحيث تكون قادرة على الحفاظ على الوحدة والحقوق والأهداف الوطنية وكسر الحصار الخانق، واختراق العزلة الدولية. صحيح أن هذا يشكل تراجعاً إلى الوراء بالنسبة لحماس، ولكنه أفضل من سقوط الحكومة نتيجة المؤامرة الخارجية ضدها وعجزها عن توفير الاحتياجات والخدمات الأساسية للمواطنين. المبادرة الذاتية تمكن "حماس" من الاحتفاظ بأوراق قوتها السياسية والبرلمانية والتحكم بالحكومة من خلال أغلبيتها البرلمانية، أما العناد فهو كفر وقد يؤدي إلى خسارة كل شيء وإذا لم توافق حماس على تشكيل حكومة خبراء وتكنوقراط عليها أن توافق على إجراء الاستفتاء، لأن نجاح وثيقة الأسرى بالاستفتاء يمكن أن يشكل سلّماً تنزل حماس عبره عن رأس الشجرة التي صعدت إليها. وذلك انصياعاً لإرادة الشعب ومع الاحتفاظ ببرنامجها الخاص. ولكن المشكلة تكبر إذا سقطت وثيقة الأسرى بالاستفتاء، ولدرء هذا الاحتمال يعتبر تشكيل حكومة الخبراء أفضل بكثير. أما التمترس بالحكم رغم اتضاح أن هذا الطريق يفضي إلى الهاوية، وعلى مقولة أنا ومن بعدي الطوفان فهذا لا يؤدي إلى العودة إلى المقاومة مثلما يطرح البعض، وإنما يساعد على وقوع الحرب الأهلية التي ستأكل الأخضر واليابس، وتستنزف الجميع، وهذا كله سيجعل وحدة الشعب وأهدافه ومكتسباته والمقاومة، هم الضحايا! والاحتلال هو الرابح الأكبر إن لم أقل الوحيد!

 

مشاركة: