الرئيسية » هاني المصري »   01 أيلول 2007

| | |
الأمن أولاً
هاني المصري

أشارت مصادر متعددة متطابقة إلى ان حكومة تسيير الاعمال اعدت خطة امنية من ثلاث مراحل لفرض النظام والقانون في الضفة الفلسطينية. فبعد تجربة الاقتصاد اولاً تتجه الانظار لتجربة الأمن اولاً. لننتظر ونرَ!

تتكون الخطة الامنية من مرحلة اولى تتعلق بانهاء ظاهرة "المطلوبين".


اما المرحلة الثانية فتقوم على تطوير اجهزة الامن ونشرها في المدن والبلدات الكبرى. علماً بأن الأجهزة تحتاج الى اعادة تسليح وتدريب لافرادها. اما المرحلة الثالثة من الخطة الامنية فتقوم على اعادة بناء اجهزة الامن وتنظيمها وتوفير دعم خارجي لاعادة بنائها وتسليحها واعادة بناء مقراتها التي هدمتها اسرائيل.

على صعيد آخر، نشرت صحيفة هآرتس الاسرائيلية نبأ مفاده ان الجنرال الاميركي كيت دايتون قدم للجانب الاسرائيلي خطة امنية تقوم على نشر خمس كتائب من رجال الامن الفلسطينيين في مدن الضفة، وهي خطة عكس فيها المنسق الامني الاميركي حصيلة المطالب الفلسطينية الكفيل تحقيقها بانجاح الخطة الامنية.

قبل الحكم على امكانية نجاح الخطة الامنية، علينا ان نتذكر ان فلسطين محتلة، والسيادة فيها سواء داخل اسرائيل او في الاراضي المحتلة عام 1967 هي بيد اسرائيل، وبسبب الاحتلال الذي بيده السيادة فان الامن والسياسة والاقتصاد في حالة ارتباط وثيق لا فكاك منه. فلا يمكن ان يتقدم الاقتصاد من دون ان تتقدم السياسة، وان يتقدم الأمن والعكس ايضاً صحيح، ومفتاح التقدم بيد اسرائيل، التي تعتبر بوصفها القوة المحتلة، اللاعب الرئيسي.

واذا اردنا الصراحة نقول: ان السياسة عالقة في الطريق المسدود التي اوصلتها اليه السياسة الاسرائيلية، ورغم كل الحراك السياسي والاتصالات والجهود والزيارات العربية والدولية والاميركية، ورغم القمم الفلسطينية-الاسرائيلية التي اصبحت عادية وخبراً روتينياً، ورغم دعوة بوش لعقد اجتماع اقليمي للسلام في الخريف القادم، الا ان المعطيات تنذر بالسوء، فحتى الآن، وكما صرح الرئيس ابو مازن، فان لا موعد المؤتمر (الاجتماع) ولا من سيشارك به، ولا مضمونه معروف، واقصى ما يمكن ان يوافق عليه اولمرت، كما قال لوفد من الكونغرس الاميركي التقاه مؤخراً "اتفاق مبادئ من صفحة واحدة" يمنح الفلسطينيين المعتدلين افقا سياسياً سيكون بعيد المدى كي لا يخسر رئيس السلطة المعتدلين" لكنه سيتفادى الخوض في التفاصيل خشية ان يتسبب ذلك في ازمة سياسية داخلية في اسرائيل، وبالتالي تفجير العملية التفاوضية، وادعى اولمرت ان اسرائيل قادرة على اتخاذ قرارات، لكنه شكك في أن يكون الوضع مماثلاً في السلطة الفلسطينية "اذ توجد منظمات متعددة، ولا ديمقراطية مستقرة بل هناك علامات استفهام تتعلق بنظام الحكم والمؤسسات". وشدد اولمرت على أن تنفيذ التفاهمات سيكون وفقاً لخارطة الطريق، اي تنفيذ الالتزامات الفلسطينية في المجال الامني اولاً، ثم المرور في مرحلة تشكيل دولة فلسطينية ذات حدود مؤقتة ثم البحث في مرحلة ثالثة في التفاوض على قضايا الوضع النهائي، اي ان الافق السياسي الذي يتحدث عنه اولمرت ما هو سوى سراب خادع، وأكثر ما يمكن ان يقود اليه هو أوسلو رقم 2 بشروط تناسب اسرائيل.

ان ما تقوم به سلطات الاحتلال على الارض ابلغ تعبير عن النوايا الحقيقية التي تبيتها حكومة اولمرت، فالعدوان العسكري بكل اشكاله مستمر، والاستيطان لا يزال يتكثف بمعدلات متزايدة، وبناء جدار الضم والتوسع يتواصل، ولم تتم ازالة البؤر الاستيطانية التي تعتبر لا شرعية بالقانون الاسرائيلي، كما لم تتم ازالة حاجز واحد رغم الوعود التي اغدقها اولمرت لابو مازن بهذا الخصوص منذ اشهر عديدة. والحكومة الاسرائيلية تبدي اشكالا عديدة من التردد والمراوغة في كل ما يتعلق بتوفير مستلزمات تطبيق الخطة الامنية، رغم انها خطة تقوم على توفير الامن لاسرائيل.

وخير مثال على ذلك الطريقة التي تعاملت بها حكومة اولمرت مع "ملف المطلوبين" فقد جزأت المطلوبين الى عدة دفعات، ووضعت شروطا مذلة تضعهم للاختبار لمدة ثلاثة اشهر، ورفضت ان تشمل القوائم اعدادا من المطلوبين من حركة فتح، كما استثنت غالبية المطلوبين من الفصائل الأخرى، وقامت وهذا له دلالة كبرى، باعتقال بعض المطلوبين الذين اعلنت انها ستكف عن ملاحقتهم. ان كل ما تقدم يجعل مصير الخطة الامنية الفلسطينية على كف عفريت. فاسرائيل لا تريد اجهزة امنية فلسطينية قوية وفاعلة لانها سبق وان اعتبرت هذه الاجهزة في بداية الانتفاضة الحالية في الصف المعادي لاسرائيل وقامت باغتيال افرادها وتدمير مقراتها واعتقال اعداد كبيرة من افرادها، ولا تريد ان تعترف بها وتسلمها المسؤولية الامنية في الضفة الا بعد فترة اختبار تثبت فيها جدارتها في محاربة "الارهاب" وتصفية بنيته التحتية وملاحقة "الارهابيين". ولا تريد اسرائيل ان تقف السلطة على قدميها لان السلطة الضعيفة اقل قدرة على رفض الشروط والاملاءات الاسرائيلية، ولانها بحاجة لاستمرار الوضع الحالي لاستكمال مشاريعها الاستيطانية والعنصرية.

واذا انتقلنا الى الاقتصاد سنجد الصورة قاتمة جداً. فكما جاء في تقرير صادر عن "اونكتاد" (مؤتمر الامم المتحدة للتجارة والتنمية) فان أكثر من نصف الفلسطينيين يعيشون تحت خطر الفقر، وأكثر من ثلث السكان ممن لديهم القدرة على العمل بلا عمل، ونصيب الفرد من الدخل القومي الاجمالي انخفض بنسبة 15%، والناتج المحلي الاجمالي تراجع بنسبة 6،6%، ونسبة كبيرة من الاسر الفلسطينية استنفدت استراتيجيات صمودها وتكيفها مع واقع الحال.

ويكفي ان نعرف ان الاقتصاد الفلسطيني خسر ما قيمته 4،8 مليار دولار بين عامي 2000-2005، وهي التكاليف التراكمية الناتجة عن خسارة الداخل والتي توازي ضعف حجم الاقتصاد الفلسطيني الحالي. اما خسارة رأس المال فتقدر بثلث القدرة الانتاجية للاراضي الفلسطينية لعام 1998. وكل هذا ادى الى نشوء جيوب حادة من الفقر والبطالة ظهرت في ان شرائح عدة من الفلسطينيين باتت تعتمد اعتماداً شبه كلي على المعونات المقدمة. والأدهي من ذلك ان 17% من موظفي الخدمات العامة باتوا يعيشون تحت خطر الفقر، و46% منهم ليس لديهم ما يكفي من الغذاء لتلبية الحاجات الاساسية. والنتيجة هي ان مليون فلسطيني يعيشون في فقر مدقع. ورغم ان تقرير اونكتاد يقول ان القطاع الخاص هو طوق النجاة الامثل بل الوحيد القادر على اعطاء الاقتصاد الفلسطيني "قبلة الحياة" لكنه في الوقت نفسه يعترف بانه في ظل القيود المشددة على حركة التنقل والعزلة الاقتصادية الراهنة، لن يحدث تغيير في سلوك القطاع الخاص الذي يعول عليه لانعاش الاقتصاد.

كيف يمكن لجائع ولمن لا يجد عملاً ومن يعاني من الاحتلال والقمع والاذلال، ولمن لا يجد أملاً او افقا سياسيا ان يساعد على تحقيق الامن والاستقرار؟ واذا خضع وأُخضع فالى متى؟

هل يمكن تحقيق الامن بتجاهل تلبية حاجة اجهزة الامن الى اعادة نظر بوظائفها، والى التجديد والتغيير والاصلاح الشامل خصوصاً بعد ان حصل ما حصل في غزة، لجهة انهاء حزبيتها وجعلها اجهزة مهنية تخضع للقانون وتعمل لصالح الوطن والمواطن لا لهذا الفصيل او ذاك، او لمركز القوة هذا او ذاك؟

هل يمكن تحقيق الامن اذا كف الفلسطينيون عن المقاومة بينما الاحتلال مستمر ويواصل عدوانه عبر الاغتيالات والاقتحامات والقصف والاعتقالات اليومية.

هل أمن المواطن والوطن المعرض للاعتداءات من الاحتلال ليس من مسؤولية السلطة؟ وما هو تأثير استمرار الحالة الراهنة التي تظهر بتوفير الامن لطرف واحد على نظرة الفلسطيني لسلطته؟

لماذا تم تجاوز ضرورة تطبيق الالتزامات الفلسطينية والاسرائيلية في المجال الامني وغيره بصورة متبادلة ومتزامنة، وكما هو منصوص عليه في خارطة الطريق الدولية؟ ولماذا لم تتم محاسبة الافراد الذين يقومون بغطاء او دون غطاء بعضويتهم في الاجهزة الامنية باعتداءات ضد مواطنين وممتلكاتهم وفرض خاوات عليهم؟

ان كل خطوة لفرض الامن والنظام العام تستحق الدعم والتشجيع، ولكن الخطة الامنية الشاملة لا يمكن ان تنجح ما لم تكن جزءاً من خطة وطنية عامة أشمل يقع في قلبها الكفاح لازالة الاحتلال والحفاظ على وحدة الشعب والارض والقضية، خصوصاً بعد الانقسام الحاصل حالياً. فالاحتلال ليس مجرد فرع او تفصيل وانما جذر الصراع. ولا يمكن تحقيق الامن قبل السلام العادل. فالسلام يقود الى الامن. اما الامن وحده فلا يقود الا لمزيد من الحروب والدماء والدموع؟

 

 

مشاركة: