الرئيسية » هاني المصري »   14 تشرين الأول 2010

| | |
البدائل الممكنة للمفاوضات
هاني المصري

أخيرا أدرج العرب، ولو في إطار التفكير والتلويح مسألة اللجوء إلى بدائل أخرى عن المفاوضات التي اعتمدها العرب منذ سنوات كثيرة خيارا إستراتيجيا وحيدا.

فبعد أن وصلت المفاوضات الثنائية المباشرة الفلسطينية – الإسرائيلية إلى حائط مسدود، بعد عدة أسابيع على استئنافها جراء التعنت الإسرائيلي ورفض حكومة نتنياهو تمديد مسرحية التجميد الجزئي والمؤقت للاستيطان، ولو لمدة شهرين فقط؛ اضطر القادة العرب في قمة سرت إلى اتخاذ قرار يقضي بالبحث عن بدائل للمفاوضات التي تحدث عنها الرئيس الفلسطيني أمام لجنة المتابعة العربية، إذا لم تنجح الجهود الأمريكية الرامية لإيجاد مخرج لاستئناف المفاوضات خلال شهر من تاريخ انعقاد القمة العربية الاستثنائية التي عقدت في مدينة سرت الليبية.


في هذا السياق، إن طرح فكرة البدائل جاء في ظل تعليق المفاوضات؛ أي كردة فعل على أزمة وليس كنتيجة لتخطيط واعٍ ومدروس يعرف أهمية فتح ودراسة جميع الخيارات، والاستعداد عمليا ودائما للانتقال من خيار إلى آخر إذا اقتضت الحاجة، كما أن التفكير بالبدائل يهدف حتى الآن لتجنب الحرج أمام الشعوب العربية وكسب الوقت ليس أكثر، وهذا ما سيتضح عندما نتوقف أمام البدائل التي طرحها أبو مازن ووافق الزعماء العرب على مناقشتها بعد شهر من تاريخه، وذلك إذا فشلت الإدارة الأمريكية باقناع نتنياهو بتجميد الاستيطان لمدة شهرين.

جاء في خطاب أبو مازن أمام لجنة المتايعة البدائل التالية:

أولا: العمل من أجل إقناع الإدارة الأمريكية بالاعتراف بالدولة الفلسطينية على حدود 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.

ثانيا: في حال عدم تحقق البند الأول يتم الذهاب إلى مجلس الأمن لإصدار قرار يدعو الدول والمنظمات الدولية للاعتراف بالدولة الفلسطينية.

ثالثا: في حال عدم تحقق البند الثاني يتم الذهاب إلى مجلس الأمن والجمعية العامة وطلب فرض نظام وصاية دولية على الأراضي المحتلة وفقا للمادة 77 من ميثاق الأمم المتحدة.

رابعا: في حال عدم تحقق البنود الثلاثة يمكن حل أكذوبة السلطة (حسب وصف أبو مازن)ما دامت ليست قادرة على تحقيق الدولة الفلسطينية، ولا حاجة لتزيين الاحتلال عبر السلطة الفلسطينية.

وإذا توقفنا أمام البدائل المطروحة، نجد أنها غير ممكنة لأن الثلاثة الأولى منها ليست في يدنا وإنما في يد الغير، أما البديل الرابع و هو حل السلطة فهو بديل غير جدي خصوصا إذا لم يرتبط بوضع إستراتيجية جديدة متكاملة.

أن من يطرح البدائل المذكورة يقول أنها طرحت وجربت و فشلت ما يعني أنه لا يؤمن بها. فقد تمت دعوة الإدارة الأمريكية للاعتراف بدولة فلسطينية، وكذلك تم اللجوء إلى مجلس الأمن والجمعية العامة، أما التهديد بحل السلطة فلا يأخذه أحد على محمل الجد، لأنه مؤجل التنفيذ، ولأن السلطة لا تحل نفسها وهي كما قال أبو مازن في لقائه مع أعضاء المجلس الوطني الفلسطيني في عمان عشية قمة سرت؛ ثمرة اتفاق فلسطيني – إسرائيلي دولي، ولا يمكن أن يحلها طرف واحد. في هذا السياق يجيء طرح حل السلطة كتكتيك يستهدف الضغط لا أكثر؛ من أجل زيادة فرص نجاح المفاوضات أو البدائل الثلاثة المطروحة في حال فشل المفاوضات.

أخشى ما أخشاه، أننا إذا جربنا البدائل المطروحة الثلاثة، وفشلت نعود مرة أخرى للمفاوضات المباشرة ونحن نجر أذيال الخيبة وأضعف ما نحن عليه الآن،هذا إذا وصلنا إلى ذلك ، لأن الإدارة الامريكية يمكن أن تنجح خلال الفرصة الجديدة التي منحتها لها قمة سرت بالتوصل إلى تجميد جزئي ومؤقت للإستيطان مقابل إنجازات إستراتيجية لإسرائيل تمنحها إدارة أوباما لها .

إذا رفض نتنياهو هذا العرض الذي يطالب بقبوله قادة المستوطنيين يكون احمقا تماما و لا يفقه شيء بالسياسة . هو يتمنع لتحصيل عرض أفضل ، وهذا ما أرجحه .

إن الذي يريد طرح وتنفيذ بدائل عليه أن يطرح البدائل بجدية، بحيث تكون قابلة للتنفيذ، أو يضع خطة عملية للتنفيذ، أو يضع خطة إستراتيجية طويلة الأمد قادرة على تحقيق الأهداف الفلسطينية وعلى رأسها دحر الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية على حدود 1967 وعاصمتها القدس.

يمكن طرح بدائل ممهدة بدل البدائل السابقة، مثل: طرح مشروع قرار على مجلس الأمن يطالب بإدانة الاستعمار الاستيطاني والتأكيد على عدم شرعيته وقانونيته، والدعوة لوقفه وتجميده بكل أشكاله، بما في ذلك التكاثر الطبيعي مثلما ورد في تقرير ميتشل عام 2001، وخارطة الطريق 2003.

إن فرص الموافقة على مثل هذا القرار ضعيفة لكنها أكبر بالتأكيد من فرص نجاح البدائل التي طرحت في قمة سرت.

كما يمكن طرح مشروع قرار على مجلس الأمن يحدد الأسس والأهداف والمرجعية التي يجب أن تنطلق على أساسها المفاوضات الفلسطينية – الإسرائيلية، على أن تلتزم المفاوضات بها وتسعى للتوصل لاتفاق سلام على أساسها.

ويمكن تفعيل الفتوى القانونية لمحكمة لاهاي، هذا الكنز القانوني والسياسي الذي هبط إلينا من السماء، ولا يريد القادة الفلسطينيين والعرب متابعته وتوظيفه خشية من إغضاب الإدارة الأمريكية.

هناك الكثير مما يمكن عمله في هذا السياق، ولا يقتصر على متابعة سجل الأضرار من جدار الضم والتوسع والسعي لمعاقبة إسرائيل على ذلك.

كذلك يمكن متابعة تقرير غولدستون، وليس تأجيله للمرة الثانية، ومتابعة جميع التقارير الدولية التي تدين إسرائيل على جرائمها واحتلالها وعنصريتها، ويمكننا السير في هذا الطريق أن نكون قادرين على تحقيق أهدافنا الوطنية، بالتكامل مع تعاظم حركة التضامن الدولية، بكل أشكالها وخصوصا المقاطعة الاقتصادية والأكاديمية والثقافية والسياسية لإسرائيل، وعلى أساس تنظيم حركة مقاومة شعبية شاملة للاحتلال تعتمد المقاومة المثمرة وتعزيز عوامل الصمود والتواجد والتكاثر البشري الفلسطيني على أرض فلسطين، وترسيخ الهوية والثقافة الفلسطينية، وتأكيد تصميم الشعب الفلسطيني على انتزاع حقوقه بدحر الاحتلال وتقرير المصير والدولة والعودة، مهما طال الزمن وغلت التضحيات.

إن مثل هذه الخطوات يمكن أن تكون جزءا من البديل تتناسب مع ضرورة انطلاقنا من النقطة الحالية المتدنية جدا التي انتهينا إليها في علاقاتنا الدولية، بعد القاء معظم الأسلحة والأوراق والعلاقات التي كانت لدينا على مذبح الرهان على الإدارة الأمريكية والمفاوضات والحل القريب، وإهمال كل الدول الأخرى الصديقة، بحيث خسرنا الكثير من الاصدقاء، وأهملنا المؤسسات الدولية، التي سمحنا من خلال الهبوط بسقف برنامجنا، بأن تهبط بمواقفها؛ بحيث خولت مهماتها وصلاحياتها إلى اللجنة الرباعية الدولية التي أصبحت غطاء لما تريده الولايات المتحدة، وبديلا عن القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة والجمعية العامة ومجلس الأمن.

يمكن رويدا رويدا أن نستعيد فعالية المؤسسات الدولية وصلاحياتها وتحالفاتنا الدولية التي خسرناها، إذا عدنا للتركيز على إظهار قضيتنا العادلة وتفوقها الأخلاقي وحقوقنا الوطنية، وإذا أعدنا الاعتبار لبرنامجنا الوطني كما طرح عام 1988 في وثيقة الاستقلال الذي يوضح أن الصراع ليس نزاع على الحدود مثلما جاء بقرار مجلس الأمن رقم 242، وكما أدت إليه مسيرة اتفاق أوسلو وملحقاته، بل قضيتنا قضية احتلال وتحرر وطني، وأن الاستيطان ليس مجرد عقبة أمام السلام وإنما عمل لا شرعي ولا قانوني، ويجب أن يزال عن جميع الأراضي المحتلة عام 1967، هو وكل ما بني عليه من جدران واستيطان وحصار ونهب مياه وسيطرة على المقدسات وتقطيع الأوصال، لا أن يصبح تجميد الاستيطان لمدة شهرين جزئيا مقابل ضمانات أمريكية سخية جدا، مطلب فلسطيني وعربي يكفي لاستئناف المفاوضات بدون مرجعية ولا ضمانات.

إن اللجوء الناجح إلى المؤسسات الدولية يجب أن يكون جزءا من إستراتيجية متكاملة، وليس من قبيل رفع العتب أو تبرير سياسة اعتماد المفاوضات كخيار وحيد، بل إستراتيجية تركز على ضرورة تغيير موازين القوى على الأرض، وجعل الاحتلال خاسرا لإسرائيل وليس رابحا.

إن لجوءنا إلى مجلس الأمن لإصدار قرار بالدولة الفلسطينية أو من أجل الوصاية الدولية بدون إعداد؛ يمكن أن يجعلنا عاجزين عن الحصول على الأصوات اللازمة( تسعة أصوات من خمسة عشر) لكي تضطر الإدارة الأمريكية لاستخدام الفيتو لمنع صدور القرار!!

وعندما نستعيد وضعنا الدولي بعد سياسة مثابرة يمكن تفعيل بند" الاتحاد من أجل السلام " الذي يجعل الجمعية العامة للأمم المتحدة قادرة على أن تحل محل مجلس الأمن إذا عجز عن توفير حل لقضية تمس الأمن والسلام الدوليين.

إن المطلوب تغيير شكل ووظائف السلطة وليس حلها، حتى تكون في خدمة البرنامج الوطني وأداة من أدوات المنظمة، وحتى تكون مرحلة على طريق قيام الدولة الفلسطينية.

إن هذا التغير الذي يجب أن نحدثه على دور السلطة لن يلقى الترحيب من إسرائيل وستقاومه، وفي مجرى هذه المواجهة الشاملة قد تنهار السلطة، ولكنها لن تنهار حينها بقرار ذاتي، و إنما جراء معركة شاملة طويلة الأمد يجب أن نتخلى فيها عن وهم أن الحل قريب، والدولة على مرمى حجر، حينها يكون انهيار السلطة حدثا اضطراريا و ليس مطلبا، ويأتي في سياق يجعلها خطوة إلى الأمام تعيد الصراع إلى مجراه الطبيعي وتقرب لحظة الخلاص من الاحتلال.

فالسلطة مصلحة فلسطينية (لأفراد وشرائح واسعة) وإسرائيلية وعربية ودولية، ولا يمكن السماح بسهولة بحلها أو انهيارها، ولكن يمكن بصعوبة النجاح بتغيير شكلها ووظائفها.

لا يمكن لأي بديل فلسطيني وعربي أن يكون حقيقيا إذا لم يتضمن إعطاء الأولوية لإنهاء الانقسام واستعادة الوحدة الوطنية الفلسطينية على أساس أن الوحدة ضرورة لا غنى عنها وليست مجرد خيار من الخيارات.

إن الامر الحاسم هو إدراك العرب بأن العالم لا يفهم سوى لغة القوة أو لغة المصلحة. وإذا كان خيار الحرب غير مدرج على الأجندة العربية، مع أن أقرب طريق لتحقيق السلام هو الاستعداد للحرب والقدرة على خوض المعركة، فالعرب يملكون أوراقا سياسية واقتصادية وثقافية وقانونية وعسكرية، فهم في منطقة حيوية إستراتيجية للعالم، ويشكلون سوقا هاما ويملكون النفط وأرض الرسالات والأنبياء جميعا، ويستثمرون مبالغ خيالية في الولايات المتحدة الأمريكية وغيرها، ويعقدون صفقات اقتصادية وتسليحية بأرقام فلكية يستطيعوا أن يستخدموها من أجل تحقيق مصالحهم ومطالبهم وحقوقهم.

لو أن السعودية والإمارات العربية ودول الخليج الأخرى الذين عقدوا مؤخرا صفقات سلاح قيمتها 123 مليار دولار ربطوا بين إتمام هذه الصفقة واتخاذ موقف أمريكي جاد من القضية الفلسطينية، أو على الأقل فيما يخص وقف الاستيطان وليس بتجميده بشكل جزئي ومؤقت لمدة شهرين، لأخذت الإدارة الأمريكية وبقية دول العالم مطالبهم على محمل الجد، أما إذا اكتفوا بالمناشدة والتمنيات والانتظار وإعطاء الفرصة وراء الفرصة لنجاح الجهود الأمريكية، فلن يكترث بهم أحد، وسيتم تجاهل مطالبهم والدوس على كرامتهم وحقوقهم أكثر وأكثر.

إذا كان العرب غير قادرين وليسوا مستعدين للحرب، فهناك مسافة بين الحرب والسلام، يجب الوقوف فيها، أما استجداء السلام فسيقود إلى الاستسلام والتفريط بالقضايا والحقوق، بالمفرق في البداية وبالجملة في النهاية!!

 

مشاركة: