الرئيسية » هاني المصري »   02 أيلول 2008

| | |
التعليم في خطر، فلنسارع الى إنقاذه!
هاني المصري

التعليم في فلسطين في خطر، ويتراجع باستمرار. وهذا أمر يمكن الاستدلال عليه بدلائل كثيرة. ولم يكن ينقص التعليم سوى الاضرابات. أو التهديد بالاضرابات، التي لا تكون دائماً، اضرابات مهنية مبررة وضرورية للدفاع عن حقوق المعلمين والعاملين في مهنة التعليم، وإنما هي كما نلاحظ في العديد من الأحيان تكون اضرابات سياسية بامتياز. فهناك اضرابات تستخدم حق الإضراب المقدس والمكفول بالتجربة الفلسطينية، وفي القانون الفلسطيني لخدمة أهداف سياسية، في وقت نحن أحوج ما نكون فيه لتحييد التعليم وإبعاده عن التجاذبات السياسية والحزبية والفصائلية خصوصاً ما بعد الانقسام السياسي والجغرافي الذي يهدد بتحويل كل قضية، وكل مشكلة صغيرة أو كبيرة الى أزمة تهدد بالإطاحة بكل شيء.

 

وإذا لم تكن بعض الاضرابات سياسية بغطاء مهني فلماذا تتدخل السلطة أو السلطات بهذا الشكل الفج والمباشر؟ لماذا يقطع راتب المعلم الذي يتقاضى راتبه من السلطة إذا لم يشارك في الإضراب في غزة؟ ولماذا يستبدل المعلم المضرب بغزة بمعلم آخر موال لسلطة "حماس" حتى لو كان البديل خريجا جديدا تنقصه الخبرة التي بدونها لا يمكن للتعليم أن يحقق وظيفته ولا أن يتقدم الى الأمام؟

إن ما حدث ويحدث في قطاع التعليم هذه الأيام، يدق أجراس الخطر، ويستدعي التحرك العاجل من الجميع خصوصا أن واقع الانقسام يفاقم كل مشكلة ويجعلها مأساة كاملة. فالإضراب رغم ضرورته أصبح سلاحاً تستخدمه كل الفصائل والسلطات المتنافرة، كل واحدة منها تستخدمه لإضعاف وإسقاط السلطة الأخرى وإظهار أن الشعب معها ولا يثق بالسلطة الثانية. وفي هذه المعركة المرشحة للاستمرار، ما دام الانقسام قائما التعليم يضيع، ويصبح أكثر وأكثر من ضحايا الانقسام المدمر.

في هذا العصر الذي نعيش فيه لم نعد بحاجة للحديث حول أهمية التعليم، ولكن إذا أردنا أكثر أن نتعرف على هذه الأهمية علينا أن نراقب ما يجري في العالم. يكفي أن نأخذ ما حدث في الهند مثالا، فالهند انتقلت خلال فترة قصيرة من مصاف الدول المتخلفة لتصل الى مستوى يقارب الدول المتقدمة. وعندما سئل مثقف ومسؤول هندي كبير عن السر وراء التقدم المذهل الذي حققته الهند خلال وقت قياسي، بحيث تقدمت بمعدلات كبيرة لتأخذ مكاناً متقدماً بين الأمم كان جوابه كلمة واحدة: التعليم. لقد أعطت الهند التعليم الأهمية التي يستحقها ووضعته على رأس الأولويات ووفرت له المناهج المتطورة والموازنات الكافية وواكبت التطور العلمي الهائل الذي يشهده العالم، فنهضت الهند نهضتها الحديثة.

إذا أردنا أن نكون صرحاء مع بعضنا، يجب أن نواجه حقيقة أن التعليم تأخر ويتأخر في فلسطين بعد أن كان متقدماً، ولم يبق محل فخر، وليس كما ندعي بأننا نتفوق في حقل التعليم، بل لقد تخلفنا في هذا الحقل عن غيرنا من الشعوب والأمم، وأصبحنا في وضع أسوأ رغم أن لدينا سلطة هي المسؤولة عن التعليم، ورغم أننا وضعنا مناهج فلسطينية وشرعنا في تطبيقها!!

لا نستطيع أن نتهرب من المسؤولية ونلقي تهمة تراجع التعليم على إسرائيل والاحتلال وكفى. فقد قامت اسرائيل منذ أكثر من 60 عاماً، واحتلت الضفة وغزة منذ أكثر من 40 عاما، وحافظ التعليم على مكانته تحت الاحتلال ورغم الاحتلال.

إن السبب الأول لتراجع التعليم يعود الى أن الفلسطيني بعد "أوسلو" دخل مرحلة جديدة متناقضة لم يعرف التاريخ مثيلا لها. فهي مرحلة تحرر وطني تتداخل فيها المهمات الوطنية مع مهمات البناء الديمقراطي. وأسست فيها سلطة ذات صلاحيات محددة تحت الاحتلال على جزء من الأراضي المحتلة عام 1967، وهذا ساهم في إضعاف العناصر التي توحد القضية بالشعب والأرض، من خلال فصل القضايا والمراحل عن بعضها البعض.

إن الفلسطينيين أعطوا التعليم داخل فلسطين وخارجها ما يستحقه من اهتمام بسبب خصوصية قضيتهم. فالمشروع الصهيوني استهدف الشعب والأرض، وأدى الى تشريد معظم الفلسطينيين، الأمر الذي أدى الى شعورهم بالخطر الجماعي وحاجتهم الى الوحدة وأدى الى سعيهم لبلورة هويتهم والى إقامة كيان وطني يوحد حركتهم.

وفي سياق هذا النهوض نهض التعليم بالترافق مع نهوض الوطنية الفلسطينية. وفي هذا السياق أيضا أعطى الفلسطينيون التعليم ما يستحقه من اهتمام. فالفلسطيني المشرد داخل وخارج وطنه، وجد أن الفلسطيني الذي كان متسلحاً بالعلم بعد النكبة استطاع أن يقف على رجليه أينما وجد نفسه، أما الجاهل، حتى لو كان من أصحاب المال والنفوذ والعقارات والأملاك لم يستطع أن يقف على قدميه بعد أن شرد وضاع المال ودمرت الأملاك والعقارات أو تمت مصادرتهما.

إن التعليم، يعتمد على بنية تحتية، (مدارس وأجهزة وإدارة) وعلى المناهج والثروة البشرية التي قوامها الأساسي المعلم، وإذا حدث اختلال في أي منها يفقد التعليم الاتجاه ويتراجع.

ونحن في فلسطين عندنا خلل في المناهج لأننا لم نجرؤ على مواصلة الطريق لبلورة وتطبيق المناهج الجديدة وتوفير متطلباتها، فلا يمكن تطبيق مناهج جديدة بعقلية وأدوات قديمة. وبالتالي لم يستطع المنهج الجديد، رغم كل ما احتواه، أن ينقل العلم من الحفظ والتلقين والاتباع، الى أعمال العقل والتحليل والاستنتاج وتشجيع الرأي الحر والمستقل والمبادرة والانتماء الوطني والبحث العلمي، بحيث يكون هناك ربط خلاق متناسب ما بين التعليم والتدريب حتى يحصل الطالب على الخبرة التي بدونها لا يمكن أن يخوض غمار الحياة، وبحيث يكون قادرا على النجاح في الحياة الذي هو أهم بكثير من النجاح بالحصول على شهادة التوجيهي والبكالوريوس و الماجستير والدكتوراه، فالشهادة تعتبر أمراً هاماً جداً، لأنها توفر سلاحاً يخوض فيه الإنسان معترك الحياة من موقع قوي، ولكن هذا السلاح إذا لم يقترن بتوفر مهارات وخبرات ومواهب ومؤهلات تجعله قادراً على المنافسة في سوق العمل الذي بات، هنا وفي كل مكان في العالم، متخماً بحملة الشهادات الذين لا يحصلون على عمل ويضافون الى جيش العاطلين عن العمل. فبدون الخبرة وربط العلم بالواقع والاحتياجات الملموسة، وبدون انفتاح دائم على ما يجري في العالم من تطور وتجديد، وبدون القدرة على التغيير الدائم لمواكبة التجديد المستمر سنتخلف عن غيرنا.

فنحن، شئنا أم أبينا، نعيش في عصر العولمة، وثورة المعلومات والاتصالات والانترنت، والتجارة الحرة، وإذا لم نفهم العالم الذي نعيش فيه، سنتخلف وتروح علينا ونبقى نتغنى بأمجاد الماضي.

إن من ضمن المسائل الهامة التي بحاجة الى علاج حتى يقف التعليم على قدميه ويتقدم الى الأمام، هو المعلم، فهو العنصر الرئيسي في التعليم، فإذا لم يكن المعلم مؤهلا وصاحب خبرة، ومؤمنا برسالة التعليم، وبشعبه ووطنه، وإذا لم يعتمد منهجاً تعليمياً صحيحاً، وإذا لم يتقاض راتباً يؤمن له ولأسرته حياة كريمة، فكيف سيعلم الطالب ما يحتاجه. فإذا كان المعلم في المدرسة وفي الجامعة يتقاضى راتباً لا يكفي لسد احتياجاته وعيشة حياة كريمة، فكيف سيطور نفسه باستمرار، وكيف يقدر على مواكبة الجديد في مجال اختصاصه. فالشغل الشاغل للمعلم هو كيفية زيادة دخله لكي يسد احتياجاته، ولذلك وجدنا معلماً يعمل سائق تاكسي، وأستاذ جامعة يعمل بائعاً أو في منظمة أهلية تأخذ معظم وقته، وبعض المعلمين والأساتذة يعملون في عدة مهن في وقت واحد، وبعضهم يشجع الدروس الخصوصية بمناسبة وبدون مناسبة، ومعظمهم راتبه لا يلبي احتياجات الأفواه الجائعة ويلعن اليوم الذي أصبح فيه معلماً.

في هذا السياق يجب إعادة النظر بكادر الرواتب للمعلمين والأساتذة في المدارس والجامعات في سياق نظرة شاملة للتعليم تلحظ الامكانات المتوفرة وتسعى الى إجراء نهضة جذرية تهدف أساساً الى تطوير التعليم بتشجيع المواهب والمبادرات والتفكير والعقل والبحث العلمي، وهنا البحث العلمي ليس إعداد أوراق أبحاث على طريقة (افتح الانترنت وقص ولزق) الشائعة جدا في هذه الأيام.

ما هي الموازنة المخصصة للتعليم في كل مستوياته في فلسطين؟

وما هي النسبة في الموازنة المخصصة للبحث العلمي؟ وهل يكفي بناء مدارس جديدة وفتح فصول دراسية جديدة على أهمية ذلك؟ مع أن المدارس القائمة لا تكفي لاستيعاب كل الطلاب بشروط مناسبة، والحاجة قائمة لمدارس جديدة.

هل الحل يكمن فقط بالإضراب أو بكيل الاتهامات للمعلمين ونقاباتهم إذا أضربوا؟ هل الحل بتسييس الاضرابات وتوظيفها في سياق الانقسام الحاصل بما يؤدي الى تعميق هذا الانقسام.

إن الحل يكمن في أن السلطة التي تخصص حوالي 30% من موازنتها للأجهزة الأمنية، تلبية لاحتياجات ليست كلها فلسطينية، فلا تحتاج السلطة الى أكثر من 80 ألف موظف في الأجهزة الأمنية، وهي تعاني أكثر شيء من غياب الأمن، وكلما دق الكوز بالجرة نقول أننا بحاجة الى قوات عربية أو دولية. وهنا يتساءل الناس باستنكار عن تقاعد رجل الأمن وتقاعد المعلم وكيف ان هناك تفاوتا كبيرا يضرب مبادئ المساواة وتكافؤ الفرص والتعامل المتساوي للمواطنين الذين يقدمون خدمة عامة. لذا فهناك حاجة ملحة لإعادة النظر بالموازنة بحيث تلبي احتياجات تطوير التعليم.

فالحل يمكن مثلا من خلال الإقدام على تخفيض متدرج لموازنة الأمن بنسبة 1% كل عام وعلى مدار 10 أعوام، من أجل زيادة الموازنة المخصصة للتعليم والصحة وغيرها من القطاعات الكفيل تطويرها بتطوير المجتمع كله.

هناك من يدفع الى تشجيع التعليم الخاص عبر المزيد من المدارس الخاصة، واعتماد سياسة خصخصة الجامعات. وهذا اتجاه مفيد ولكن بحدود ويجب عدم اعتماده أكثر مما يجب، لأن فلسطين تحت الاحتلال، والتعليم كنز استراتيجي يجب زيادة رصيده وعدم تعريضه لأي اهتزاز وجعله عرضة للعرض والطلب، وهذا يعني أن الخصخصة خصوصا للتعليم الجامعي ستقود الى المزيد من تدهور التعليم وحصره أكثر وأكثر بأبناء العائلات الميسورة. لا بد من دعم التعليم بكل أجزائه، وخصوصا التعليم الجامعي والجامعات.

دعم التعليم مسؤولية عامة

إن التعليم جزء هام من المسؤولية الاجتماعية، وعلى المجتمع أفرادا وسلطة ومؤسسات ورجال أعمال أن يتحمل مسؤولياته من أجل توفير أرقى تعليم ممكن، وذلك ممكن أيضا من خلال الأخذ بالاقتراح الذي قدمه الدكتور نبيل قسيس بعمل وقفية خاصة للجامعات، يتم توفيرها من خلال دعم من السلطة أولاً، ودعم المقتدرين ثانياً، وقيام الرئيس والقيادة بحملة تبرعات عربية ودولية لتأمين احتياجاتها ثالثاً.

إنقاذ التعليم ممكن، والفرصة لم تضع حتى الآن، ولا يمكن أن يقف الجميع وهم مكتوفو الأيدي في حالة انتظار قاتل بانتظار غودو الذي لن يأتي، فلنسارع لإنقاذ التعليم، فإنقاذه مفتاح وقف التدهور الحاصل عندنا على كل المجالات والأصعدة!!

 

 

مشاركة: