الرئيسية » هاني المصري »   25 آب 2007

| | |
التنمية وبناء مؤسسات الدولة تحت الاحتلال
هاني المصري

اذا كنا نستطيع اقامة تنمية اقتصادية جدية تحت الاحتلال، واصلاح للسلطة تحت الاحتلال، ايجاد ديقراطية حقيقية تحت الاحتلال، وبناء مؤسسات الدولة الفلسطينية تحت الاحتلال، فلماذا نرغب اذاً بازالة الاحتلال؟!!!

هذه العبارة اطلقها الدكتور مشتاق خان في كلمته اثناء ندوة عقدت في بيروت منذ سنوات. ومنذ أن سمعت هذه العبارة ارددها دائماً خصوصاً كلما اسمع عن الخطط والمقترحات للاصلاح والتنمية والانتخابات.... الخ، لانها عبارة تذكرنا بان الاحتلال ليس شيئاً عادياً ، بحيث يمكننا العمل وكأنه غير موجود. اذا فعلنا ذلك نكون مثل النعامة التي عندما تخفي رأسها في الرمال تعتقد ان لا أحد يراها. بينما الجميع ينظرون إليها. ولا يمكن اخفاء رأس الاحتلال بالرمال حتى لا نراه. فالاحتلال موجود وهو التحدي والخطر الاساسي والأكبر ومن دون الكفاح لدحره، ودحره فعلاً لا يمكن ان نتقدم على طريق تحقيق اهدافنا الوطنية على مختلف الاصعدة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

 

تذكرت عبارة مشتاق خان مرتين خلال هذا الاسبوع.

المرة الاولى، تذكرتها عندما قرأت عن الخطة التي قدمها راني لوفنشتاين الخبير الاسرائيلي خلال ندوة مغلقة عقدها مؤخراً "معهد واشنطن لبحوث الشرق الاوسط" وشارك فيها مسؤولون فلسطينيون واردنيون ومصريون واميركيون.

تهدف الخطة الى تمكين السلطة الفلسطينية من بسط نفوذها على الضفة وقطع الطريق على سيطرة حماس عليها من خلال بناء "شبكة امان اجتماعي" لكي تشكل بديلا للجمعيات الخيرية التي ترعاها حماس، بحيث ينعكس ذلك في تحقيق الانتصار على حماس في الانتخابات التشريعية المقبلة.

ويرى الخبير الاسرائيلي وجوب ان تركز السلطة نشاطها في مشاريع اقتصادية واجتماعية للمدى القريب، اي لمدى 09-021 يوماً، لان على الحكومة الفلسطينية ان تضع نصب عينيها كيفية التأثير السريع في الرأي العام الفلسطيني ومستوى معيشة السكان. ووفقاً للخطة فان من شأن خطوات تقيم نظاماً قوياً لرعاية الشرائح الضعيفة وتخلق نوعاً من الرفاه الاجتماعي ان تجعل الضفة نموذجاً اقتصادياً ناجحاً قياساً بقطاع غزة ما سيعزز في المدى المنظور احتمال الفوز في الانتخابات.

لوفنشتاين ينسى تماماً الاحتلال وضرورة ازالته حتى تتمكن السلطة من الانتصار في الانتخابات، وينسى كذلك كل ما ترتب على الاحتلال من عدوان عسكري واستيطان وجدار وتقطيع اوصال، وحواجز، وأهمية ايجاد افق سياسي جدي قادر على انهاء الاحتلال، ويحاول ان يركز وينظر للصراع وكأنه، اساسا، صراع فلسطيني فلسطيني، وكأن حماس هي الخطر الأكبر اما الاحتلال فحليف للسلطة. ولكن هذا الحليف المفترض ليس مطلوباً منه من وجهة نظره، سوى الاستمرار بتحويل الأموال الضريبية الفلسطينية التي تحتجزها اسرائيل والقيام بتسهيلات للسكان الفلسطينيين، والطلب من الدول العربية منع نقل أموال الى حماس.

ينسى الخبير الاسرائيلي ان الحصار والاغلاقات الداخلية والخارجية والحواجز ومنع حرية حركة الافراد والبضائع والاغتيالات والاقتحامات والاعتقالات، هي العائق الاقتصادي امام تحسين احوال الفلسطينيين، ويحاول نشر وهم بان الضفة يمكن ان تتطور وحدها. فهو ينسى ان السلطة مسؤولة عن الضفة وغزة وان واجبها يملي عليها اعطاء الاولوية لمسألة استعادة الوحدة بين الضفة وغزة، وان تكون اي خطة قصيرة او متوسطة او طويلة المدى عليها ان تلبي احتياجات المواطنين في جميع الاراضي المحتلة. فلا يوجد على الارض خيار الضفة اولاً، ولا خيار غزة اولاً، وانما هناك خيار فلسطيني يجمع ما بين الفلسطينيين او خيار اسرائيلي يفرقهم ويصادر ارضهم وحقوقهم. ان الشعب الفلسطيني لن يرحم كل من يحاول من ابناء جلدته او غيرهم تعميق الانقسام وتأبيده، لأن المستفيد الوحيد من الانقسام هو الاحتلال والاحتلال فقط.

واخيراً اذكر لوفنشتاين ان تحسين شروط الاحتلال فقط لن يقنع الفلسطينيين بانتخاب فريق فلسطيني دون آخر، والدليل ان الانتفاضتين الاولى عام 7891، والثانية عام 0002 اندلعتا في ظل وضع اقتصادي جيد. الشعب الفلسطيني تحت الاحتلال ومصدر معاناته الاساسي يكمن في الاحتلال ومن دون انهاء الاحتلال لن يتوقف عن الانتفاضات والمقاومة. ولا يمكن ان ينسى الفلسطينيون الاحتلال ويجعلوا حربهم تتحول ضد حماس رغم كل اخطاء وجرائم حماس، وذلك مقابل بعض الخدمات الانسانية وعودة الرواتب وبعض العطايا التي قدمتها او يمكن ان تقدمها سلطات الاحتلال.

المرة الثانية التي تذكرت فيها عبارة مشتاق خان عندما سمعت عن الخطة الوطنية للتنمية التي اعلن عنها الدكتور سلام فياض. وهي خطة للضفة والقطاع، وطويلة الامد، وليست للضفة فقط ولا قصيرة الامد كما نصح لوفنشتاين، وهي خطة وطنية كما صرح الدكتور علي الجرباوي رئيس الفريق الوطني لاعداد الخطة.

ما يهمني قوله بهذا الصدد، انه مع أهمية القيام بكل الخطوات الممكنة على صعيد الاصلاح والتنمية والتخفيف من معاناة الفلسطينيين، فان اي خطة للتنمية اذا لم تدرج في سياق خطة وطنية أكبر هدفها الاساسي ازالة الاحتلال لن تعدو ان تكون مسكنات تعطي مفعولاً لبعض الوقت ثم يعود المرض الى حالته الاولى. لا يمكن في فلسطين المحتلة فصل الامن عن الاقتصاد وعن السياسة.

وبعبارة اخرى اقول، لا تستطيع اي خطة ان تتجاهل الاحتلال وتتصرف وكأنه غير موجود، او تتصرف على اساس اعتقاد خاطئ بان الاصلاح والتنمية والامن الاسرائيلي شرط مسبق لتحقيق الاستقلال، وان عدم تحقيق هذا الشرط، وليس الاهداف والاطماع الاسرائيلية في الضفة، هو الذي يحول دون ازالة الاحتلال. ان الاستقلال هو الشرط لتحقيق التنمية والامن والسلام ومن دونه كل ما يجري خطوات لتضييع الوقت واخفاء الحقيقة.

اي خطة للتنمية لا بد وان تكون جزءاً من المشروع الوطني لدحر الاحتلال والسعي لانهائه باسرع وقت واقل التضحيات، وبالتالي لا بد وان تركز وتنطلق من السعي لاقامة اقتصاد صمود وطني يسعى لتعزيز عوامل ومقومات الوجود البشري الفلسطيني على ارض فلسطين، فلا بد من دعم التعليم والمساواة بين المواطنين وتكافؤ الفرص وايجاد فرص عمل وحماية المزارع والزراعة ودعمها وخوض معركة الدفاع عن الارض ومنع مصادرتها وتشجيع الفلاحين لزراعة ارضهم، ولا بد من دعم وحماية المنتجات الوطنية وتحسين نوعيتها وجودتها ومقاطعة المنتجات الاسرائيلية التي لها بديل محلي، ومقاطعة منتجات المستوطنات بصورة كاملة. ولا بد من رعاية وحماية ودعم اسر الشهداء والجرحى والاسرى والمعاقين والفئات الضعيفة والمهمشة. ويجب الحذر من المضي في التطبيع بكل اشكاله الثقافية والاكاديمية والاقتصادية خصوصا من خلال اقامة مشاريع اقتصادية كبرى خصوصاً قبل انهاء الاحتلال، وقبل حتى وجود اي افق سياسي جدي قادر على انهاء الاحتلال.

الخلاصة تكمن في ان الاستراتيجية الفلسطينية المقلوبة، عليها ان تضع السلطة والتنمية والاصلاح والمنظمة وكل شيء في خدمة الكفاح من اجل انهاء الاحتلال وتحقيق الحرية والعودة والاستقلال، لا أن تتعامل مع كل مسألة بصورة منفصلة عن البقية، الامر الذي يؤدي الى ضياع كامل للقضية والوحدة والحقوق مقابل مجرد تحسين شروط الاحتلال!!

 

 

مشاركة: