الرئيسية » هاني المصري »   18 تموز 2006

| | |
الحرب الحاسمة
هاني المصري

اليوم السادس على التوالي، لا تزال الحرب الاسرائيلية على لبنان مستمرة، وسط مؤشرات على ان هذه الحرب ستستمر لبعض الوقت، فبعد ان اصدرت الدول الثماني الكبرى بياناً تضمن كافة الشروط الاسرائيلية لوقف الحرب بما في ذلك اطلاق الجنود الاسرى، ولا يتضمن اطلاق الاسرى الفلسطينيين واللبنانيين باستثناء النواب والوزراء الذين اعتقلتهم قوات الاحتلال من اجل مبادلتهم مع الجندي الاسير، وهذا الموقف الدولي يطلق جرس انذار ولا يجب تجاهله او الاستخفاف به، اسرائيل المعتدية، استغلت عملية زرعيت التي وقع فيها ثمانية قتلى بين الجنود الاسرائيليين وواحد وعشرون جريحاً، اضافة الى اسر جنديين، لتشن حرباً شاملة ضد لبنان، وتستهدف المقاومة الوطنية، وتكرار ما حدث في حرب حزيران 1976، التي استطاعت القوات الاسرائيلية فيها هزيمة ثلاثة جيوش عربية خلال ست ساعات.

 

حزب الله، والمقاومة اللبنانية، يحاولان ان يجعلا هذه الحرب، تكراراً لمعركة الكرامة التي استعادت فيها الثورة الفلسطينية الكرامة العربية بانتصارها على جيش الاحتلال في 21 آذار العام 1968، اي بعد اقل من عام على هزيمة حزيران، ما قدم بالملموس شاهداً على ان جيش اسرائيل يمكن هزيمته، وليس جيشاً لا يقهر، وان الحرب الشعبية اقدر على التعامل معه، والانتصار عليه من الحرب النظامية.

اسرائىل، تحاول في هذه الحرب، ان تغير قواعد اللعبة التي حكمت لبنان بعد اندحار القوات الاسرائيلية المحتلة في ايار العام 2000، عبر فرض قواعد جديدة، تقضي على خيار المقاومة او سلاحها او تفيد - بالحد الادنى- بان اية عملية مقاومة ضد اسرائيل، حتى لو كانت محدودة وتستهدف اطلاق الأسرى، ستكلف من يقوم بها، ولبنان باسره ثمناً غالياً جداً، فحتى كتابة هذه السطور ارتقى الى السماء اكثر من 200 شهيد لبناني، اضافة الى اكثر من 400 جريح، فضلاً عن تدمير الكثير من مقومات البنية التحتية والمنازل والمؤسسات، ولقد بلغت الخسائر الاقتصادية في لبنان، حسب بعض الخبراء اكثر من ملياري دولار حتى اليوم الخامس، في حين افاد خبراء آخرون بان كلفة الحرب على لبنان تصل الى 100 مليون دولار يومياً، وهذا الرقم لا يشمل الخسائر غير المباشرة، وخصوصاً فيما يتعلق بضرب الموسم السياحي الصيفي الذي كان لا يزال في بدايته.

والمقاومة، تحاول بعد ان فرضت عليها هذه الحرب، التي لم تسع اليها، ان تبقي على قواعد اللعبة او تغييرها الى الافضل، بحيث تستطيع قوى المقاومة ان تحتفظ بحقها بالاحتفاظ بسلاحها واستخدام المقاومة كلما احتاج الامر، سواء لاطلاق سراح الأسرى او الرد على الاعتداءات الاسرائيلية والمتكررة، (تحليق الطيران، تنظيم خلايا تجسس تنفذ عمليات تخريب واغتيال).

المقاومة تحاول ان تبرهن لاسرائيل ان قدرتها على الردع قد تآكلت بعد ان استطاع حزب الله، الحصول على اسلحة تستطيع ان تطال العمق الاسرائيلي والمواقع الاستراتيجية في اسرائيل.

ولقد برهنت وقائع الحرب حتى الآن على مصداقية المقاومة، وقدرتها على مفاجأة اسرائيل وعلى ايقاع خسائر في صفوف الاسرائيليين. فقد سقط حتى الآن حوالي ثلاثين قتيلاً اسرائيلياً (اكثر من ثلثهم من العسكريين) واكثر من 500 جريح، واصابت بارجة اسرائيلية متقدمة تعتبر درة البحرية الاسرائيلية، وقصفت مواقع عسكرية ومدناً ومستعمرات تبعد اكثر من 50 كيلو متراً عن الحدود اللبنانية، وهي مواقع في معظمها لم تصلها اية قذيفة طوال الصراع العربي - الاسرائيلي، واصبح مليون اسرائيلي يعيشون في الملاجئ، ما يعطل الاقتصاد الاسرائيلي لدرجة ان بعض الخبراء اشاروا الى ان خسارة اسرائيل قد بلغت عدة مليارات من الدولارات حتى الآن.

ورغم ان اسرائىل الحاكمة، كانت تعرف ان لدى حزب الله صواريخ تستطيع ان تصل الى حيفا والى ما بعد حيفا، ولكنها لم تتوقع ان يجرؤ وان يسارع الى استخدامها خشية من الرد الاسرائيلي المنتظر، لذلك فوجئ الرأي العام الاسرائيلي من الرد ويشعر انه تعرض الى خداع كبير من حكومته.

ورغم ان الرأي العام الاسرائيلي والاعلام والاحزاب والمؤسسة الامنية والعسكرية في اسرائىل في حالة وحدة وراء الحرب الشاملة ضد لبنان، الا ان استمرار صمود المقاومة اللبنانية، وقدرتها على مواصلة الرد في عمق اسرائيل، وايقاعها خسائر ملموسة في الافراد والمؤسسات والحياة الاسرائيلية، وقدرتها على بلورة وحدة لبنانية داعمة لها، تجعل الرأي العام الاسرائيلي اولاً يعيد تفكيره، ويفرض ارادته على حكومته لكي توقف هذه الحرب المجنونة.

القوة مهما بلغت لا تستطيع الانتصار على ارادة شعب، ولا على ضرب خبرة شعبية ودعامات ايمانية ووطنية وايديولوجية، تستطيع القوة الاسرائيلية الاستناد الى التفوق العسكري، والاسلحة المتقدمة تكنولوجياً ان تدمر لبنان، ولكن السؤال ماذا بعد؟ لقد دمرت قوات الاحتلال فلسطين، مرة بعد اخرى، ولا يزال الشعب الفلسطيني مصمماً على النضال من اجل الحرية والاستقلال، وعلى الاحتفاظ بانجاز المقاومة.

ان وقف العدوان على لبنان وفلسطين هو المهمة العاجلة، وخصوصاً ان هذا العدوان يتم في ظروف ملائمة لاسرائيل، فاسرائيل تستغل التأييد الدولي الذي عبر عن نفسه في مواقف الادارة الاميركية التي دافعت عن حق اسرائيل بالدفاع عن نفسها، وفي بيان الدول الثماني الكبرى الذي يجعل اسرائىل كأنها قوة دولية تسعى لتنفيذ الارادة والقرارات الدولية.

واسرائيل تستغل حالة الانقسام في لبنان والعالم العربي النابعة من ارتباط ما يجري في لبنان مع الصراعات الاقليمية والدولية المتصلة بالصراع العربي - الاسرائيلي، وما يجري في العراق وافغانستان، والملف النووي الايراني، ومساعي ايران للعب دور مركزي يتعاكس مع المساعي الاميركية لرسم شرق اوسط جديد، تلعب فيه اسرائيل دوراً مهيمناً، ليس من مصلحة لبنان ولا فلسطين خلط الاوراق، لان هذا يدفع بسياسة المحاور الى اقصاها، وهذا يجعل قضية فلسطين تتراجع الى الخلف، وتصبح اكثر واكثر ملعباً يستهدفه اللاعبون لخدمة مصالحهم واهدافهم الخاصة.

لا يستطيع لبنان ان ينوب وحدة عن الأمة باسرها، رغم انه يستطيع ان يفخر بما فعله حتى الآن. ولكن مواصلة هذا الطريق تجعله معرضاً للمخاطر المحدقة، فلا بد من وضع المقاومة في سياق مشروع عربي استراتيجي متكامل، حتى تخدمه باستمرار وتخضع له، ولا تصبح فيما بعد هدفاً مقدساً بحد ذاته، ولا ورقة تستخدم في سياق الصراعات الاقليمية والدولية.

انها حرب حاسمة، اذا لم تستطع اسرائيل الانتصار بها، ولن تقدر، ستدفع لبنان الى الفوضى مثلما يحدث في العراق، ومثلما يتم العمل في فلسطين!!

 

مشاركة: