الرئيسية » هاني المصري »   24 تموز 2006

| | |
الحق والحكمة
هاني المصري

من حق "حماس"، كما صرح اسماعيل هنية رئيس الحكومة ان تشكل كافة الحكومات طوال السنوات الاربع القادمة. وهذا حق لا جدال فيه، لان حماس فازت بالانتخابات التشريعية، وحصلت على أغلبية مريحة تمكنها من تشكيل الحكومة بمفردها، كما فعلت عند تشكيل الحكومة الحالية.

ولكن حماس دعت عشية تشكيل الحكومة الى مشاركة كافة الفصائل والاحزاب والفعاليات في الحكومة لتكون حكومة وحدة وطنية، لكنها لم تنجح بذلك كونها اصرت على التحاق الجميع بها على اساس "برنامجها" السياسي. وحتى الان تدعو حماس الجميع للالتحاق بالحكومة الحالية، وتسربت انباء تشير الى ان حماس اقترحت توسيع الحكومة الحالية الى 23 وزيراً، بحيث يصار الى ضم 21 وزيراً الى الوزراء الحاليين، وذلك على اساس البرنامج الذي سيتم التوصل اليه في جلسات الحوار الوطني. وحتى تكتمل الصورة اضيف ان حماس بعد ان كانت تعتبر ان مسألة تشكيل حكومة الوحدة الوطنية، المنصوص عليها في وثيقة الاسرى، ليست مشكلة، وانها ستتفق على ما يجمع عليه المتحاورون، كما جاء على لسان رئيس الحكومة في احدى الجلسات الاولى في جولات الحوار التي عقدت في غزة، الا ان ممثلي حماس اضافوا بعد ذلك وعندما اقترب الحوار من التوصل الى اتفاق، عقدة جديدة الى العقد التي لا تزال تحول دون توصل الحوار الى اتفاق، وهي مطالبتهم باضافة كلمة الدعوة او العمل على، قبل عبارة تشكيل حكومة وحدة وطنية، الامر الذي يعني ان مسألة تشكيل الحكومة الجديدة ليست عاجلة، وبمقدورها ان تنتظر بعض الوقت، وحتى ندرك مدى اهمية الامر، نشير الى ان ممثل حماس في جولات الحوار التي بدأت في رام الله قال: حتى لو تم الاتفاق على برنامج موحد فإن تشكيل حكومة وحدة وطنية، لن يتم قبل ستة اشهر.

 

فحماس، تعتبر ان الحكومة الحالية، لم تأخذ فرصتها-وهذا صحيح-ولم تختبر اختبارا كافيا، وتعرضت الى حصار ظالم، يهدف الى افشالها منذ اليوم الاول، وأن هذه الحكومة من حقها ان تأخذ فرصتها على الاقل لفترة ستة اشهر. في هذا السياق تعتقد حماس ان تشكيل اي حكومة جديدة، سواء أكانت حكومة وحدة وطنية أم ائتلافية، أم حكومة خبراء من المستقلين، أم حكومة مختلطة سياسية-خبراء، سيفسر على أساس انه فشل للحكومة الحالية، وفشل لحماس. وهذا ما لن تقبله حماس بسهولة، الا اذا تفوقت على ذاتها.

تأسيساً على ما سبق، اعتقد ان عقدة تشكيل الحكومة اصبحت في الايام الاخيرة، هي العقدة الرئيسية التي تحول دون التوصل الى اتفاق. وبعد التقدم الملموس في جولات الحوار، والذي اشار الى امكانية حقيقية بالتوصل الى اتفاق على اساس وثيقة الاسرى، اصبح تشكيل الحكومة هو الامر الحاسم، مع عدم التقليل من أهمية النقاط الخلافية الاخرى.

فما أهمية التوصل الى برنامج وطني موحد، من دون آلية تنفيذ، ومن دون قدرة على حشد كل القوى والطاقات والفعاليات والابداعات الفلسطينية من اجل تنفيذه، وذلك لمجرد ان حماس لا تريد ان تبدو وكأنها فشلت عند تشكيل اول حكومة.

كان على حماس ألا تشكل الحكومة وتترك المجال لحكومة خبراء منذ البداية، وعليها الآن ان تفكر بالامر بمسؤولية اذا ارادت كسر الحصار الخانق. واذا فعلت ذلك ستسجل نقطة كبيرة في رصيدها.

على حماس ان تنسجم مع نفسها، ومع ما تقوله بأن الحكومة لم تفشل وانما أُفشلت، وهذا صحيح طبعاً الى حد كبير. فالحكومة ومعها الشعب الفلسطيني كله، تعرضت الى حصار ظالم وخانق، اصعب من سابقه بكثير يستهدف اجبارها على قبول الشروط الاسرائيلية او الرحيل. ولكن تغيير الحكومة بمبادرة منها ولصالح حكومة وفاق وطني افضل من اسقاط تحت وطأة الانهيار الشامل الذي نسير حثيثاً اليه اذا استمر الحال على ما هو عليه الان.

لقد حاولت الحكومة جاهدة، كسر هذا الحصار، عبر اطلاق اشارات اعتدال سياسي بدأت ببرنامج الحكومة حمّال الأوجه، الى رسالة وزير الخارجية الى كوفي عنان التي اقرت بمعادلة دولتين لشعبين، الى التمسك بتمديد التهدئة، والاستعداد لهدنة لمدة خمسين الى ستين عاما اذا انسحبت اسرائيل، وهذا يعتبر اعترافاً متبادلاً كما صرح النائب المعتقل حسن يوسف في مقابلة أخيرة مع صحيفة "هآرتس"، وحاولت الحكومة اللجوء الى الدول العربية والاسلامية وإلى التبرعات من الشعب الفلسطيني، والى الشعوب العربية وأحزابها وفعالياتها، وحققت نتائج ملموسة، ولكنها اصطدمت بواقع ان كل ذلك يمثل حلولا جزئية ما دام حاجز عدم القدرة على ايصال اموال الدعم الى فلسطين قائماً، وحاولت تهريب وإدخال الاموال (وهذا من حقها)، ورفع سيف اغلاق معبر رفح في وجهها ليذكرها بمحدودية اللجوء الى هذا الطريق لكسر الحصار المالي.

ورغم كل الجهود والمحاولات المشكورة التي قامت بها الحكومة، ورغم كل الوعود التي قطعتها لتصبير شعبها، وصلت الى ان السبب الاساسي للحصار الخانق سياسي، وأن كسر هذا الحصار له ثمن سياسي، ومن دون دفع هذا الثمن، لا يمكن كسر الحصار. وإذا استمر الحصار خلال الأشهر القادمة فهذا سيؤدي بصورة شبه مؤكدة الى انهيار سياسي واقتصادي وأمني واجتماعي، لا تسعى من أجله حماس، ولكن من واجبها التفكير في كيفية تداركه. واذا كان لدى حماس او الحكومة خطة قادرة على كسر الحصار دون دفع ثمن سياسي، فهذا افضل شيء ويجب اللجوء اليها فوراً دون ابطاء. اما الرهان على الدول العربية في كسر الحصار، فهذا وهم خالص، فمحصلة الموقف الرسمي العربي تضغط على حماس والحكومة للاستجابة للشروط الدولية، ويجب ألا يكابر احد حول هذا الامر. فالمكابرة أقرب الى العناد، والعناد كفر.

واذا كانت حماس، غير مستعدة لدفع هذا الثمن السياسي، وهذا من حقها وأمر جيد، ويجب ان يقدر، وهو يمثل احتياطاً استراتيجياً للقضية الفلسطينية، عليها ان تستعد لمغادرة الحكم، والاحتفاظ بقدرة على التأثير عليه، من خلال اغلبيتها في المجلس التشريعي، وهي أغلبية كافية لسحب الثقة أو منح الثقة عن أو لـِ أية حكومة أو لـِ أو عن أي وزير فيها. ولكن على حماس في كل الاحوال ان تفرق بين المرونة السياسية المطلوبة وبين التنازل عن الثوابت الوطنية.

وحتى اذا تمت الموافقة على برنامج وطني موحد يستند الى وثيقة الأسرى، فيجب التفريق بينه، بوصفه قاسماً مشتركاً ما بين الفصائل والاحزاب الوطنية، وبين برنامج الحكومة وتشكيلتها.

فأي حكومة، لا تستطيع ان تتهرب اذا ارادت فك الحصار من تأكيد التزامها بالاتفاقات السابقة رغم ان الاحداث تجاوزت هذه الاتفاقات، ورغم ان حكومة اسرائيل من حكومة نتنياهو الى حكومة اولمرت تسير وفقا لمشاريع اسرائيلية لا تقيم وزناً للاتفاقات الدولية. لكن تأكيد الالتزام بالاتفاقات لا يعني تطبيقها من جانب واحد. ولا يمنع الحكومة من الاحتفاظ بحقها بمراجعة هذه الاتفاقيات، وحتى الغائها في الوقت المناسب، ولكن اعتقد انه ليس من الحكمة المبادرة الى دفن اتفاق اوسلو الذي قتلته اسرائيل، لأن هذه المبادرة تجعل الفلسطينيين يدفعون ثمن جريمة ارتكبها الاسرائيليون. الالتزام بالاتفاقات غير الموجودة على ارض الواقع، ظلم دون شك. ولكن السياسة هي من افضل الممكنات. وادا ارادت السلطة الفلسطينية ان تجعل من فرصة الاتفاق على برنامج وطني موحد، أكثر من اتفاق بين الفلسطينيين، فالمشكلة ليست فلسطينية-فلسطينية، وانما فلسطينية-اسرائيلية، وفلسطينية-دولية، عليها أن تقود الى تشكيل حكومة لها برنامج قادر على تحقيق ثلاث مهمات رئيسية هي: درء الحرب الاهلية، كسر الحصار الخانق، اسقاط خطة اولمرت، تمهيداً لقيام عملية سلام حقيقية قادرة على إنهاء الاحتلال.

وحتى يتم ذلك، على حكومة الوحدة الوطنية القادمة ان تشكل فوراً دون ابطاء، فلا يوجد لدينا وقت لاضاعته. وعلى هذه الحكومة ان تطرح برنامجاً قادرا على تحقيق هذه الاهداف. وحتى يتحقق ذلك من الافضل بكثير ان يترأس الحكومة شخصية وطنية مستقلة، يكون محل توافق واجماع، وان تكون حكومة خبراء مستقلين أو حكومة مختلطة سياسية-خبراء، بحيث لا يشارك بها ممثلون من الصف الاول من الفصائل، والاحزاب، حتى لا يستخدم ذلك كذريعة لاستمرار الحصار. وإذا اتفقنا على برنامج موحد، ولم نكسر الحصار ولا اخترقنا العزلة الدولية، وكأننا لم نفعل شيئاً.

من حق حماس ان تشكل الحكومات طوال الاربع سنوات القادمة، هذا صحيح، ولكن الحكمة تفرض على حماس التحلي بالمرونة، اذا كانت مصلحة الشعب والوطن والقضية تعلو عندها على مصلحتها. فكما جاء في الحديث الشريف "الضرورات تبيح المحظورات". وقال تعالى: "ولا تلقوا بأنفسكم الى التهلكة".

صدق الله العظيم

 

مشاركة: