الرئيسية » هاني المصري »   29 نيسان 2008

| | |
الخطة ب
هاني المصري

اذا سار انسان أو حزب أو شركة أو شعب لمدة عشرين سنة أو أكثر أو أقل في طريق لتحقيق هدف ولم يتحقق، فهذا يفرض على هذا الانسان أو الحزب أو الشركة ان يتوقف لمعرفة السبب ومعالجته، فاما ان يكون الطريق خطأ، أو الهدف خطأ، أو الاثنين معاً خطأ، ويجب في هذه الحالة تغييرهما، واختيار هدف جديد وطريق جديد كفيل بتحقيقه. ان الشعب الفلسطيني منذ نشوء ما أصبح يُسمى قضية فلسطين اختار اهدافاً وطرقاً مختلفة، إلى ان استقر عبر اتجاهه المركزي، منذ مؤتمر مدريد للسلام العام 1991 على اعتماد المفاوضات كاسلوب وحيد لحل الصراع.


 وهذا الطريق رسخ ورسم عند التوقيع على اتفاق اوسلو وملحقاته وسلسلة لا تنتهي من الاحتفالات والاتفاقات والمبادرات بدون ان يتحقق الهدف الفلسطيني رغم ان الهدف تواضع وتغير من تحرير فلسطين كل فلسطين وازالة اسرائىل إلى اقامة فلسطين الديمقراطية، إلى اقامة دولة فلسطينية على حدود .1967 فهل الطريق خاطئ أم الهدف أم الاثنان؟. ان 17 عاماً مضت، منذ مدريد حتى اوسلو وصولاً إلى أنابوليس أكثر من كافية للحكم على الطريق والهدف. فما انتهينا اليه كارثة يدل عليها تعميق الاحتلال وتحويله إلى احتلال خمس نجوم، والتوسع السرطاني الاستيطاني وتقطيع الاوصال والانقسام السياسي والجغرافي الفلسطيني. وهذا يدل على اننا أصبحنا أبعد عن تحقيق هدف الدولة الفلسطينية عما كنا عليه عند عقد مؤتمر مدريد. واذا كان الهدف، من وجهة نظري، انهاء الاحتلال وتمكين الشعب الفلسطيني من تقرير مصيره بما يضمن حقه باقامة دولة فلسطينية على حدود 1967، لا يزال صالحاً، ولم يستنفد أغراضه وامكانية تحقيقه، الاّ ان هذه الامكانية مهددة بالتلاشي اذا استمر الحال على ما هو عليه. والدليل على استمرار صحة هدف اقامة الدولة ان غالبية الفلسطينيين والعالم كله، والشرعية الدولية، وكل العرب، أجمعوا على ضرورة اقامة دولة فلسطينية كعامل يساهم في تحقيق أمن واستقرار المنطقة والعالم بأسره. وما يدعم صحة التمسك بهدف الدولة انه حتى الاتجاهات المركزية في اسرائيل اصبحت، وتحديداً منذ العام 2002 بعد طرح رؤية بوش، خصوصاً منذ ورقة الضمانات الاميركية التي منحها بوش لشارون العام 2004، أصبحت تقر من حيث المبدأ بضرورة اقامة دولة فلسطينية لحل الصراع بما يحفظ يهودية اسرائيل. لقد أصبح الصراع الدائر منذ الاعتراف الاسرائيلي بمبدأ قيام الدولة هو على مضمون ومساحة وعاصمة ومقومات السيادة لهذه الدولة. فاسرائيل تريد ان تكون الدولة مسخاً تقام على جزء من الارض المحتلة العام 1967، وان يكون قيامها هو الحل القومي للفلسطينيين جميعاً، وما يعنيه ذلك من تهديد لفلسطينيي 48ومن تصفية كاملة لقضية اللاجئين (أساس القضية الفلسطينية) ومن تكريس للعنصرية الاسرائيلية ولدور اسرائيل الوظيفي كأداة استعمارية. الهروب الى الأمام والعودة الى الخلف واذا كان الهدف الفلسطيني لا يزال صالحاً، لأن الشعب الفلسطيني يريد دولة كاملة السيادة وعاصمتها القدس، ولا يرضى عبر مختلف قواه الحية بالدولة المسخ، ومتمسك بقضيته واهدافه رغم كل المعاناة، فلا يجب القاء الهدف الممكن رغم صعوبته الهائلة، والجري إلى طرق وهمية، ووضع هدف مستحيل التحقيق عبر الهروب إلى الأمام، عبر الدعوة لاستبدال هدف الدولة على حدود 1967، بهدف اقامة دولة واحدة من النهر إلى البحر، سواء دولة لكل مواطنيها أو ثنائية القومية. فالتخلي عن الممكن الصعب والجري وراء المستحيل لا يمثل حلاً كونه يتجاهل ان اسرائيل بدعم من الولايات المتحدة الاميركية هي التي منعت قيام دولة فلسطينية حتى الآن، رغم مطالبة العرب والعالم كله بها، وهي بدعم اميركي ايضاً ستكون قادرة على منع قيام دولة واحدة، لأن هذا الهدف يشكل خطراً أكبر عليها. فالبديل عن الدولة الفلسطينية ليس دولة واحدة، وانما استمرار الاحتلال، ربما، لاربعين عاماً أُخرى، او احالة الموضوع الفلسطيني الى العرب وتحويله الى مشكلة عربية - عربية، وهذا يقودنا الى الحل الآخر الزائف الذي أخذ يطرحه بعض الفلسطينيين والعرب نتيجة لليأس من الواقع الراهن، وهو دعوة للهروب إلى الخلف عن طريق الدعوة إلى الحاق الفلسطينيين بالاردن (الضفة) ومصر (غزة) مثلما كان الأمر قبل حرب حزيران العام .1967 وهذا الحل يتجاهل ان الهدف الفلسطيني لم يتحقق، ولكن اصبح هناك شيء اسمه شعب فلسطيني وهوية فلسطينية وكيان فلسطيني، ولا يمكن رمي كل ذلك في سلة المهملات. كما ان هذا الحل يتجاهل تماماً ان المشكلة ليست في من تفاوضه اسرائيل: المنظمة أم الاردن أم مصر؟ وانما في مضمون التفاوض، حيث تريد اسرائيل ان تأخذ كل احتياجاتها من أراض وغيرها وتترك البقايا للفلسطينيين أو لأي طرف عربي أو دولي يمكن ان يقبل ان يتحمل عبء المساهمة في تصفية القضية الفلسطينية لصالح اسرائيل. ان اعادة طرح المملكة المتحدة الآن يعني تحميل الاردن اذا وافق (وهو ليس بهذا الوارد) عبء المشاركة في تصفية القضية الفلسطينية، وتحويلها من قضية فلسطينية عربية - اسرائيلية إلى فلسطينية - اردنية، واردنية - عربية، وهذا يضعف أكثر وأكثر فلسطين والاردن والعرب جميعاً. اذاً الخطأ ليس في الهدف، وانما هو في الطريق التي سرنا بها لتحقيق هذا الهدف. فاعتماد المفاوضات، والمفاوضات كاسلوب وحيد، والمفاوضات حتى عندما لم تحقق شيئاً، حوّل المفاوضات إلى هدف بدلاً من ان تكون كما يجب ان تكون، كاسلوب لتحقيق الهدف. فالمفاوضات هي البديل عن المفاوضات كطريق وحيد لحل الصراع حتى عندما يتضح ان المفاوضات لا تحقق شيئاً، ولا تقود سوى إلى اضاعة الوقت، والايحاء بأن هناك شيئاً ما يمكن ان يتحقق، وإلى حد ان اسرائيل اصبحت تستخدم المفاوضات كغطاء لاستمرار العدوان وتكثيف الاستيطان وخلق الحقائق على الارض. حتى خارطة الطريق التي هي خطة أميركية أصبحت دولية لم تجد طريقها للتطبيق رغم انها مختلة لصالح اسرائىل لأن حكومة اسرائىل وضعت 14 تحفظاً عليها حولتها إلى خارطة اسرائيلية 100%. وعندما استؤنفت المفاوضات بعد توقف اكثر من 6 سنوات، استندت الى اعلان أنابوليس الذي يعتبر محطة جديدة على طريق فرض مرجعية جديدة للمفاوضات تجعل المفاوضات سيدة نفسها، الامر الذي يضع الفيتو في يد اسرائيل، ويجعلها تتحكم تماماً بها. فالمفاوضات كاسلوب وحيد طريق جُرب وفشل فشلاً ذريعاً. "واللي بيجرب المجرب عقله مخرب". كما ان اعتماد المقاومة بدون استنادها الى برنامج سياسي وطني واقعي ديمقراطي قابل للتحقيق، والى وحدة ومرجعية وطنية لا يحقق الهدف الفلسطيني. فالمقاومة حق مقدس، ولكن اية اشكال تستخدم منها، يجب ان تخضع للمصلحة الوطنية ولحساب الربح والخسارة، ولخصائص الصراع وموازين القوى والمعطيات المحلية والاقليمية والدولية. فالمقاومة المسلحة حتى تحقق أهدافها بحاجة إلى عمق عربي واقليمي ودولي بدونه تكون عملاً بطولياً، ولكنه قفزة في الهواء. ان اعتماد المقاومة المسلحة كاسلوب وحيد، وتركيزها على داخل اسرائيل او باطلاق القذائف والصواريخ عليها، يؤدي بمن يمارس هذا النوع من المقاومة، كما حصل فعلاً، للانتقال من المقاومة الهادفة للتحرير، الى استخدام المقاومة كوسيلة لتحقيق اهداف داخلية مثل المشاركة في السلطة او السيطرة عليها. ان فشل المفاوضات حتى الآن، وفشلها المتوقع حتى نهاية العام الحالي دفع الرئيس ابو مازن للانتقال خلال شهر واحد من التفاؤل والثقة بنجاحها الى التشاؤم خصوصاً بعد لقائه الرئيس الاميركي جورج بوش، وهذا يفرض على الجميع خصوصاً على القيادة الفلسطينية وعلى رأسها أبو مازن الاستعداد للخطة (ب) لان فشل وانهيار عملية السلام وانتظار المصير المحتوم لها في نهاية العام 2008 يجعل الفشل أكبر واعمق، وطريقاً قد يقود إلى الضياع، سواء عن طريق الموافقة على أي شيء (اعلان مبادئ او اعلان نوايا أو تفاهمات أو اتفاق رف) يكون هدفه الوحيد تبرير استمرار المفاوضات وضمان حماية وبقاء السلطة، أو انهيار كل شيء بلا بديل ما يفتح أبواب جهنم والفوضى والدمار والمزيد من الانقسام الداخلي. الخطة (ب) يجب ان تكون جاهزة منذ البداية وفي كل الاحوال، سواء في حال نجاح او فشل المفاوضات. فوجود الخطة (ب) يساعد على انجاح الخطة (أ) او على الأقل يساهم في التقليل من اضرارها، ويجعل فشلها لا يؤدي إلى الانهيار والضياع. فاذا اردت السلام استعد للحرب. واذا أردت المفاوضات يجب أن تتسلح بالمقاومة حتى تزرع المقاومة ما تحصده المفاوضات. واذا أردت ان يأخذك عدوك بالحسبان يجب ان تقنعه بقولك وعملك ان لديك خيارات وبدائل أخرى. فالخيار الواحد هو الخسارة الصافية المؤكدة. ان الخطة (ب) تبدأ باعادة الاعتبار للبرنامج الوطني، برنامج العودة وتقرير المصير واقامة الدولة الفلسطينية المستقلة ذات سيادة وعاصمتها القدس. الخطة (ب) تشمل وضع السلطة وكل شيء في خدمة البرنامج الوطني واداة في يد المنظمة وليس الاستمرار في جعلها الغاية وفوق أي شيء آخر. الخطة (ب) تتطلب اعطاء الاولوية لانهاء الانقسام وتحقيق المصالحة الوطنية لانه في ظل الانقسام اقصى ما يمكن ان نصل اليه حل أمني في غزة، وحل سياسي في الضفة واليد العليا هنا وهناك ستبقى في يد الاحتلال الذي سيكون قادراً على ابتزاز الطرفين. الخطة (ب) تتطلب وقف المفاوضات العبثية والنضال لاطلاق مفاوضات مثمرة تستند الى الحق الفلسطيني والقانون الدولي الذي يتضمن الحد الأدنى من الحق الفلسطيني، وتصر على دور دولي فاعل وضمانات دولية حقيقية. الخطة (ب) تسعى لاستعادة اوراق القوة والضغط الفلسطينية والعربية والاسلامية والدولية، فالقضية الفلسطينية فلسطينية الوجه عربية العمق اسلامية وانسانية الملامح. فلا يجب ان يطغى الوطني على القومي والانساني والاممي والاسلامي، ولا ان يطغى الاسلامي على كل شيء ولا القومي كذلك. الخطة (ب) بحاجة الى ابراز عدالة القضية واخلاقيتها، والى مقاومة مثمرة، مقاومة شعبية اساساً تقاطع الاستيطان عملاً وتعاملاً وتجارة وتقاوم التطبيع المجاني، وتصر على تعزيز عناصر الصمود ومقوماته البشرية والاقتصادية والسياسية والثقافية خصوصاً مقومات التواجد البشري الفلسطيني على ارض فلسطين. الخطة (ب) بحاجة إلى محاربة الفساد حرباً لا هوادة فيها، وبحاجة لإصلاح حقيقي شامل لكل النظام السياسي الفلسطيني بدءاً من المنظمة مروراً بالسلطة، وعلى أساس تفعيل وتعبئة وتنظيم الشعب الفلسطيني في جميع أماكن تواجده داخل الوطن والشتات. فالقضية بحاجة الى جهود وكفاءة وابداع وطاقات كل ابنائها. وكل ابنائها بحاجة اليها. فلا يمكن الاستمرار في الإهمال الكامل للشعب الفلسطيني في الشتات، وابقاء الشعب الفلسطيني داخل الوطن تحت سقف خارطة الطريق، وورقة الضمانات، واعلان أنابوليس. والخطة (ب) تبدأ، بألاعتراف بالواقع بانجازاته وعقباته وسلبياته وتسعى للتعامل معه من أجل تغييره عبر سياسة عقلانية واقعية وطنية ديمقراطية تؤمن بالشعب وتصميمه وقدرته على النصر بعيداً عن الحلول الزائفة التي تدعو للهرب إلى الوراء أو إلى الأمام.

 

 

مشاركة: