الرئيسية » هاني المصري »   04 حزيران 2006

| | |
الطريق المسدودة
هاني المصري

حتى كتابة هذه السطور وصلت أزمة الجندي الاسرائيلي الاسير الى طريق مسدودة، لدرجة ان مصر تفكر بإنهاء جهودها الرامية الى التوصل الى حل. فإسرائيل متعنتة ومصرة على اطلاق سراحه فوراً ودون شروط، وإلا ستواصل العدوان العسكري وتضاعفه تحت عنوان محاولة اطلاق سراحه بالقوة.

الأجنحة العسكرية التي أسرته، تريد ثمناً مقابل اطلاق سراحه، وتصر على تحقيق مبدأ المعاملة بالمثل؛ أسير مقابل أسرى.

 

لكن اسرائيل الدولة المحتلة والقوية والمتغطرسة تخشى اطلاق سراحه بثمن، لأن هذا سيفتح الباب لعمليات أسر جنود ومستوطنين اسرائيليين لا تنتهي. في المقابل اصبح أسر الجندي قضية رأي عام فلسطيني، بحيث لم يعد من قام بالعملية ويأسر الجندي حراً وحده ليقرر اطلاق سراحه بلا مقابل. فحماس بوصفها في الحكومة ولأن جناحها العسكري شارك في عملية كرم ابو سالم تخشى هي الاخرى من عواقب اطلاق سراحه بلا مقابل. مثل هذا الاجراء سيعرضها لغضبة شعبية عارمة، خصوصا من الاسرى وذويهم واصدقائهم واللجان والجماعات المعنية بإطلاق سراحهم. لو (ولو تفتح عمل الشيطان) كان هدف اسرائيل اطلاق الجندي الاسير، وليس كسر ارادة الشعب الفلسيني وتغيير وعيه وتحطيم وحدته الوطنية، فإنها عندها ستعمل كل ما يلزم لإطلاق سراحه، وسيتم ذلك خلال ساعات قليلة او ايام قليلة، وهي المدة اللازمة للاتفاق على عدد وأنواع الاسرى الذين سيتم اطلاق سراحهم مقابل اطلاق سراحه، ويمكن بسهولة الاتفاق على ذلك، من خلال وضع ذوي الاحكام العالية الذين قضوا فترات طويلة في الأسر، والمرضى وذوي العاهات، والاطفال القصر، والاسيرات، ولكن الدولة التي ستقدم على مثل هذا الإجراء، ستكون اسرائيل اخرى، يحكمها اشخاص يعطون الاولوية لإحياء المفاوضات للتوصل لاتفاق سلام. اطلاق سراح دفعة من الاسرى، يعزز الثقة بين الشعبين ويمهد الطريق لإجراء مفاوضات في ظروف افضل. ولكن اسرائيل في عهد اولمرت وحزب كاديما، وحزب العمل بعد الخروج من جلده، تفكر وهمها الاساسي منصب على تطبيق خطة الانطواء والتجميع والعزل من جانب واحد اعتماداً على القوة والعدوان. وهذه خطة لا يمكن ان يقبلها الفلسطينيون لأنها لا تحقق الحد الادنى من طموحاتهم وحقوقهم. وحتى يتم فرضها لا بد من الاعتماد على الحصار والعدوان والعزل والتدمير والقتل وشن حملات الاعتقال اليومية وليس اطلاق سراح معتقلين. حزب اولمرت، حزب كاديما، والحكومة الاسرائيلية الحالية، قاما على نقطة واحدة هي تطبيق خطة الانطواء، واذا فشلت فإنهما سيسقطان. وفي كل الاحوال، اصبح الآن اصعب على اولمرت إقناع الاسرائيليين بخطته لأنهم يرون ان خطة فك الارتباط عن قطاع غزة الاحادية الجانب لم تجلب الأمن لإسرائيل، وها هي القوات المحتلة على ابواب اقتحام قطاع غزة او مساحات واسعة منه من جديد. صحيح ان اسرائيل لن تدع قواتها ترابط في اية مناطق تحتلها لفترات طويلة، ولكن وصفة الحلول الاحادية، في كل الاحوال تلقت ضربة كبيرة، فيما يجري في قطاع غزة. ويمكن ان تكون الضربة قاتلة، اذا استمرت ازمة الجندي الاسير، عدة اسابيع اوعدة اشهر كما توقع رئيس الاستخبارات الاسرائيلية، واذا انتهت الى موجة جديدة من العنف، وعودة حماس وغيرها من الفصائل الى المقاومة وإلغاء التهدئة.

اسرائيل هي التي افشلت حتى الآن الجهود المصرية، لأن اقصى ما أبدت الاستعداد لقبوله شفوياً دون توقيع على الاتفاق الذي يتوصل اليه، هو اطلاق سراح الجندي فوراً، مقابل وقف العدوان العسكري الحالي والتعهد بإطلاق سراح الوزراء والنواب والشخصيات التي اعتقلتها مؤخرا، واطلاق سراح اسرى على دفعات، تكون الدفعة الاولى بعد شهرين. وخلال هذين الشهرين يتم البحث في عددهم والمعايير المعتمدة لاختيار من تشملهم عملية التبادل. نقطة ضعف هذه الصفقة، ان الطرف الاسرائيلي غائب، لأنه يظهر في خلفية الصورة، اي ان التعهد ستقدمه مصر، بالنيابة عن اسرائيل. وهذا يعني ان اسرائيل ستكون حرة في التهرب وعدم تطبيق هذا التعهد او ستطبقه بطريقة شكلية، مثلما كانت تفعل عندما تطبق تعهداتها بإطلاق سراح أسرى من خلال الافراج عن اسرى أنهوا مدة محكوميتهم او على وشك إنهائها بعد ايام او اسابيع او اشهر قليلة. ومن خلال التمييز ما بين الاسرى على اساس من أياديهم ملطخة بالدماء اليهودية ومن لا، ومن من القدس وأراضي 1948، ومن من بقية الاراضي الفلسطينية، ومن فلسطينيين وعرب.

اذا ارادت اسرائيل اطلاق سراح جلعاد شاليت، عليها ان توقع على اتفاق يتبين فيه موعد واعداد ونوعية الاسرى الذين سيتم الافراج عنهم. ولكن اسرائيل مصرة، حتى الآن، على املاءاتها، واسرائيل تهدد اذا لم تنفذ شروطها باستمرار العدوان وتصاعده، والوزراء والنواب والشخصيات الاخرى التي اعتقلتهم مؤخرا سيقدمون للمحاكمة، وسيتم اعتقال المزيد منهم. ما سبق، يوضح ان عملية كرم ابو سالم، وأسر الجندي، قد تكون نقطة فاصلة ما بين مرحلة ومرحلة.

فإسرائيل تتذرع بهذه العملية للاستمرار بتنفيذ مخططها العدواني الهادف الى اجبار الفلسطينيين على قبول ما تعرضه، حتى لو ادى هذا الامر الى تقويض السلطة كلياً، وبناء سلطة جديدة، سلطة خدمات وإدارة مدنية. او حتى لو ادى الى عودة الوصاية المصرية على غزة، وتطبيق خطة التقاسم الوظيفي في الضفة بحيث يشارك بها الاردن واسرائيل والسلطة الجديدة. ولكن هذا ليس سهلاً تطبيقه فلسطينياً وعربياً، ولا اسرائيلياً.

وحماس يمكن أن تعتبر عملية كرم ابو سالم وأسر الجندي، مخرجاً مشرفاً لها من الورطة التي تعيشها والمتمثلة باستلامها حكماً في شروط تجعلها عاجزة عن الحكم، بسبب العدوان الاسرائيلي والحصار الخانق أساساً، ولأنها وجدت نفسها مطالبة بأن تحكم في سلطة يترأسها رئيس منتخب له برنامج مختلف عن برنامجها وينتمي للفصيل المنافس لها. فحماس مطالبة بأن تحكم بجيش فتح، سواء من خلال الموظفين او افراد الاجهزة الأمنية الذين ينتمون بغالبيتهم الساحقة لفتح. حماس تستطيع القول انها صادقة بدعوتها للجمع ما بين السلطة والمقاومة، وبأنها اذا وضعت أمام الخيار ستختار المقاومة.

الحقيقة المرة والساطعة، والتي أكدتها تجربة الخمسة أشهر الماضية بوضوح شديد، والتي لا يزال يرفض البعض رؤيتها، ان من المستحيل الجمع ما بين السلطة والمقاومة المسلحة. والخيار ليس بين المقاومة والسلطة لأن اختيار الجميع بلا تردد سيكون نعم للمقاومة ولتذهب السلطة الى الجحيم، وانما الخيار الحقيقي هو: بين السلطة والمقاومة المسلحة. أما المقاومة فهي متعددة الاشكال، وأوسع من المقاومة المسلحة. المقاومة بكل أشكالها حق وواجب، ولكن ظروف وخصائص الصراع في هذه المرحلة، وموازين القوى والمعطيات المحلية والاقليمية والعربية والدولية، تجعل من العبث البحث عن خيار عسكري فلسطيني دون خيار عسكري عربي ودون عمق بشري واستراتيجي عربي واقليمي واسلامي ودولي. هذا لا يعني إلقاء السلاح وعدم القيام بأية عملية مسلحة، ولكنه محاولة لبلورة رؤية استراتيجية فلسطينية تجعل المقاومة الشعبية بكل اشكالها هي الاسلوب الرئيس للمقاومة، او الكفاح المسلح فهو في هذه المرحلة اسلوب ثانوي ويستخدم في مجال الدفاع عن النفس او رداً على اعتداءات ومجازر ترتكبها اسرائيل، ويستهدف قوات الاحتلال والمستوطنين المسلحين.

ولعل الادراك الصريح او المبطن لهذه الحقيقة هو الذي دفع كافة الفصائل والاجنحة العسكرية الفلسطينية الى الموافقة على التهدئة منذ آذار 2005. وكل ما نشهده من اعمال مقاومة يعتبر رداً على الخروقات الاسرائيلية المستمرة. فاسرائيل تريد ان تبقى المواجهة عسكرية، لكي تظهر أمام العالم وكأنها ما بين جيشين، او طرفين او دولتين متنازعتين على الحدود، فهي في هذه الحالة تستطيع ان تستخدم التفوق العسكري الذي تملكه بأقصى فعالية، وتتهرب من التزاماتها كدولة محتلة. لذلك الدخول في سباق تسلح، واعتماد اطلاق الصواريخ والقذائف التي لا تسبب أضراراً تساوي 1:50 من الأضرار التي تلحق بالفلسطينيين.

وفي كل الاحوال، المقاومة ليست مجرد عمليات متفرقة، يقرر بشأنها هذا الفصيل او ذاك، وانما هي نهج مدروس ومثابر وجماعي ويحدد الزمان والمكان والاهداف ويندرج في اطار رؤية استراتيجية واحدة، تجعل المقاومة والسياسة والمفاوضات وعملية بناء السلطة وكل شيء خاضعاً لها ولتحقيق اهدافها الوطنية الجامعة والمعبرة عن المصلحة الفلسطينية، واذا اخترنا بلورة هذه الاستراتيجية واعتماد مثل هذا النهج ستكون الامور كلها افضل وأقل تكلفة!.

 

مشاركة: