الرئيسية » محمد ياغي »   17 آب 2015

| | |
نعم لهدنة مقابل رفع الحصار ووقف الاستيطان!
محمد ياغي

لا يوجد يوم لا يطالعنا فيه الإعلام الفلسطيني أو العربي بأنباء عن تهدئة محتملة وطويلة الأمد، تطبخ على نار هادئة، بين "حماس" ودولة الاحتلال، وما من شك بأنه لا يوجد دخان دون نار.
آخر الأخبار، مثلاً، نقلتها صحيفة "الحياة" اللندنية عن موافقة إسرائيل على فتح ممر بحري بين غزة وقبرص ورفع الحصار كلياً عن القطاع مقابل هدنة تستمر سبع أو عشر سنوات، والمفاوضات بحسب الصحيفة يخوضها مبعوث الرباعية السابق توني بلير، الذي اجتمع مع خالد مشعل الثلاثاء الماضي في الدوحة.
بالطبع قد يكون للاجتماع علاقة بتبادل الأسرى بين الطرفين وقد لا يكون له صلة بموضوع التهدئة كما ذكرت الصحيفة، لكن ما هو مؤكد أن إستراتيجية التهدئة الطويلة في فكر "حماس" مطروحة منذ زمن بعيد، وبدأت القصة بتصريحات لقادة "حماس" قبل الانتخابات التشريعية العام 2006.
وقتها حاولت "حماس" أن تقترب من برنامج حل الدولتين بإعلان استعدادها لعقد هدنة طويلة قد تستمر خمسة عشر عاماً أو خمسين عاماً (الرقم الأخير من تصريح للقيادي في الحركة، محمود الزهار)، إذا ما وافقت إسرائيل على إقامة دولة فلسطينية تشمل الضفة بما فيها القدس والقطاع.
لكن الحصار والانقسام والحروب التي شنتها إسرائيل على القطاع والمحيط الإقليمي المعادي تقريباً لحركة "حماس" فرض عليها النزول من سقفها العالي- سقف الدولة مقابل الهدنة - إلى سقف رفع الحصار مقابل الهدنة. هذا هو الجديد في ما يجري اليوم بشأن التهدئة، مضافاً له بالتأكيد أن الهدنة في الحالة الأولى قد تستمر عقوداً، بينما المطروح حالياً هو هدنة في حدود العشر سنوات.
ما يهمنا هنا هو الانعكاسات المترتبة على هدنة كهذه على الساحة الفلسطينية وعلى مستقبل الصراع مع دولة الاحتلال، وإن كان يمكن الحصول على هدنة مفيدة للكل الفلسطيني وليس فقط لقطاع غزة.
دعونا نلاحظ بدايةً أن الهدنة المقترحة والتي تسعى إليها "حماس" تخص قطاع غزة ولا تتعلق بالضفة الغربية والقدس المحتلة.
يترتب على ذلك أنه وفي الوقت الذي تسعى فيه "حماس" لتعزيز سيطرتها على القطاع برفع الحصار عنه ومنع إسرائيل من الاعتداء عليه، "حماس" قد تسعى، وهو الأرجح بحسب تصريحات مسؤوليها مؤخراً بعد حادثة حرق أسرة الدوابشة، أن تنفذ عملياتها المسلحة من الضفة.
بالضرورة وفي ظل رفض السلطة الفلسطينية لبرنامج قائم على المقاومة المسلحة وفي ظل التزامها بالتنسيق الأمني وتفضيلها لخيار المفاوضات، فإنها ستسعى لمنع "حماس" من القيام بذلك.
النتيجة المباشرة هو تكريس وترسيخ الانقسام الفلسطيني الحالي، وزيادة حدته مجتمعياً.
"حماس" ستتهم السلطة بالتنسيق الأمني وبرفض المقاومة، وإعلام السلطة سيرد بالطبع لماذا المقاومة في الضفة بينما هي ممنوعة في القطاع. "حماس" ستقول، إنها تستغل الهدنة لتطوير إمكانياتها العسكرية، والسلطة ستقول، إن هذه مجرد أكاذيب وإن العمليات في الضفة هدفها تقويض السلطة.
ليس من الضروري أن يكون كلا الطرفين محقاً، وليس من الضروري أن يكون طرف محقاً والآخر غير محق.
هذه مسألة لها علاقة بالطريقة التي ينظر فيها كلا الطرفين لشكل إدارة الصراع مع دولة الاحتلال، لذلك المسألة الأهم ستكون انعكاس هذه الاتهامات مع ما يرافقها من صدام محتمل بين الطرفين على المجتمع الفلسطيني.
فلسطينياً، الجميع هنا خاسر، "حماس" قد تتمكن من تعزيز سيطرتها على القطاع إذا ما تمكنت من رفع الحصار عنه، بمساعدة قطر مالياً، وفي ظل حركة تجارية ممكنة مع الخارج قد تتمكن "حماس" من تحسين شروط الحياة في القطاع وربما تتمكن حتى من بناء بنية تحتية للقطاع، توفر خلالها عشرات الآلاف من فرص العمل، لكنها في المقابل لن تتمكن من تعزيز نفوذها في الضفة حيث ستعمل السلطة على إضعافها لسببين: الأول له علاقة بالهدنة نفسها لأن السلطة ترى في نفسها الطرف الوحيد الذي يحق له مفاوضة إسرائيل وعمل اتفاقيات معها و"حماس" هنا تعتدي في نظر السلطة على "وحدانية التمثيل"، والثاني متعلق، كما قلنا سابقاً، بفكرة أن الهدنة محصورة في القطاع ولا علاقة للضفة بها، بمعنى أن السلطة ستنظر لها من باب سعي "حماس" لإضعافها وتقويضها.
السطة، وتحديداً "فتح" قد تتمكن من إضعاف "حماس" في الضفة بطبيعة الحال، لكن خسارتها ستكون أكبر؛ لأن فرصة إعادة الوحدة بين القطاع والضفة ستختفي طيلة مدة الهدنة على الأقل؛ لأن الهدف من "الهدنة مقابل رفع الحصار" ليس إعادة الوحدة بين شطري الوطن ولكن تعزيز سيطرة "حماس" على القطاع.
وحدانية تمثيلها للشعب الفلسطيني ستبقى موضع تساؤل فلسطينياً وعربياً ودولياً، والخسارة الأكبر ربما ستكون أنه وفي الوقت الذي ستكون فيه "حماس" مرتاحة نسبياً في القطاع في حالة رفع الحصار عنه، فإن السلطة ستبقى تحت ضغط دولة الاحتلال، تتعامل مع ملفات لا قدرة لها على حلها مثل تهويد القدس ومواجهة التوسع الاستيطاني، وغلاة المستوطنين الذي يحرقون الفلسطينيون أحياء، وستواجه فوق ذلك "حرج" قيامها بالتصدي لمن "يقاوم" الاحتلال.
دولة الاحتلال تبدو الرابح الأكبر في كل ذلك، فهي لا تريد أصلاً قطاع غزة وتريده أن يختفي في البحر.
صحيح بأنها تريد إنهاء سيطرة "حماس" على القطاع، لكن تجاربها السابقة تؤكد أن هذه المهمة غير ممكنة دون استعدادها لتقديم المئات من جنودها ضحايا لهذه المهمة، لذلك فإن معادلة الهدنة طويلة الأمد نسبياً مقابل رفع الحصار يبدو خياراً مقبولاً لها ولو على مضض، هي أولاً، تحل مشكلة أمنية كبيرة على حدودها، وأيديها ستبقى طليقة في الضفة ثانياً، وهي تكرس الانقسام الفلسطيني ثالثاً.
هل من بديل يكون فيه الطرف الفلسطيني هو الرابح من مشروع الهدنة بدلاً من دولة الاحتلال؟ بالطبع يوجد هذا البديل إذا ما توفرت الإرادة والرغبة لدى قيادتي حركتي "حماس" و"فتح".
بإمكان الطرفين مثلاً أن يتفقا أن الهدنة طويلة الأمد نسبياً مشروطة ليس فقط برفع الحصار عن القطاع ولكن بوقف الاستيطان أيضاً في الضفة وبوقف إجراءات تهويد القدس وبفتح ممر آمن بين الضفة وغزة.
هذا يتطلب تفاهماً وتنسيقاً عالياً وثقة متبادلة بين الحركتين، واستعداداً لتقديم التنازلات من أجل الكل الفلسطيني، وهذا جميعه للأسف غير موجود، لأن الأيديولوجيا والمصالح الفئوية أكبر من فلسطين.

مشاركة: