الرئيسية » ماجد كيالي »   16 أيلول 2015

| | |
تداعيات تأجيل اجتماع المجلس الوطني الفلسطيني
ماجد كيالي

حسناً فعلت القيادة الفلسطينية بتراجعها عن دعوتها لعقد دورة عادية، أو طارئة، للمجلس الوطني والتي أثارت كثيراً من الجدل، بخصوص جدول أعمالها وتسرّعها، ومشروعيتها القانونية وضعف التحضير لها. طبعاً، هذا فضلاً عن الشبهات التي أثيرت حول الاستهدافات الحقيقية لهذه الدعوة، لا سيما أنها أتت بعد وقف اجتماعات هذا المجلس لقرابة عقدين، وثمة قضايا سياسية عدة وكبيرة يفترض مراجعتها أو التقرير في شأنها، بما يفوق في أهميته إعادة تشكيل اللجنة التنفيذية للمنظمة.

 

 

اللافت، أن أكثر الشخصيات التي تحمّست لعقد تلك الدورة، والحديث عن ضرورتها كيفما اتفق، كانت من قيادات الفصائل الهامشية، أي التي لم يعد يلحظ لها أي مكانة في مجتمعات الفلسطينيين، في الداخل والخارج، ولا أي دور في مواجهة إسرائيل، وحتى أنه لم يعد لها أي معنى سياسي أو فكري يبرّر وجودها. والمفارقة أن هذه الشخصيات ذاتها هي التي تصدّت، في ما بعد، لتبرير التأجيل، بعد أن حسمت مؤسسة الرئاسة أمرها (وهي مؤسسة القيادة في المنظمة والسلطة و»فتح»). ولعل ذلك يبيّن أن هذه الفصائل، التي بات جلّ همّها يتركز في الحفاظ على مكانتها، باتت تشكل جسماً طفيلياً يتعيّش على تكلّس وتهتّك الحياة السياسية الفلسطينية، ويشكّل عبئاً عليها، كما يبين ذلك أن نظام المحاصصة («الكوتا») بات أحد عناوين فساد النظام السياسي الفلسطيني، باعتباره بمثابة الشعرة الوحيدة التي باتت تربط هذه الفصائل بالمنظمة والسلطة.

 

 

ثمة أسباب عدة دفعت القيادة الفلسطينية إلى الرضوخ لمطلب التأجيل، يأتي ضمنها، أولاً، الضغوط الدولية (الأوروبية والأميركية خاصة)، والضغوط العربية (لا سيما من مصر والأردن). وبهذا الصدد قد يجدر التذكير بأن النظام السياسي الفلسطيني لم يعد سيد نفسه، منذ زمن بعيد، ولا سيما منذ التحول إلى سلطة في الأراضي المحتلة (1967). ومفهوم أن هذا الواقع يضغط على المؤسسة القيادية الفلسطينية في عدة مجالات، لعل أهمها يتجلى في أن السلطة باتت تعتمد في مواردها المالية على الدول المانحة (الولايات المتحدة وكندا وفرنسا وبريطانيا وألمانيا والدول العربية النفطية)، لتغطية موازناتها ورواتب منتسبيها، والحديث يدور هنا عن قرابة ربع مليون موظف، في السلكين المدني ـ الخدماتي، والأمني. بيد أن الأمر في الحقيقة لا يقتصر على الدعم المادي، فقط، إذ أن حيزاً كبيراً من الشرعية الفلسطينية (أي شرعية المنظمة والسلطة والفصائل) بات يتأتى، أيضاً، من الشرعية الخارجية، أي من العلاقة التي تربط الكيانات السياسية الفلسطينية بالأطراف الفاعلة في النظامين الدولي والعربي، وهذا يحصل حكماً على حساب الشرعية الشعبية، مع كل التبعات التي تنجم عن ذلك.

 

 

والمعنى هنا أن اعتمادية الطبقة السياسية الفلسطينية على الموارد الخارجية، وعلى الشرعية المتأتّية من الخارج، يجعلاها مستقلة، أو متحررة، أو أقل إصغاء لصوت المطالبات الشعبية أو المطالبات الداخلية، مع علمنا بضعف مكانة مجتمعات الفلسطينيين، بحكم توزّعها، وخضوعها لسيادات متعدّدة ومتباينة، ومع افتقاد النظام السياسي الفلسطيني للعلاقات القائمة على التمثيل، وضمنه افتقاد الفصائل الفلسطينية لعلاقات داخلية طبيعية، تتيح لها التجدد والتطور.

 

 

أما السبب الثاني للتأجيل فيمكن إحالته إلى الخلافات، أو إلى غياب الإجماعات، داخل حركة «فتح» ذاتها، وهي الحركة التي تقود المنظمة والسلطة، إذ بدا أن الطبقة القيادية فيها ليست على قلب واحد، إزاء مسألة عقد المجلس الوطني، لا سيما أن ذلك يأتي قبل انعقاد المؤتمر العام السابع لهذه الحركة (أواخر تشرين الثاني/ نوفمبر).

 

 

هكذا، مثلاً، ثمة فريق فتحاوي اعتبر الذهاب نحو ترتيب الإطار القيادي في المنظمة، لحساب رؤية معينة، أو لحساب فريق معين، ربما يصادر على حق المؤتمر الفتحاوي المزمع عقده، بل ربما يفرض ذلك واقعاً ضاغطاً على هذا المؤتمر، وعلى القيادة الجديدة التي قد تنشأ منه، بما يتعارض مع رؤاها أو تصوراتها. وأعتقد أن هذه المسألة كانت في الحسبان، بالنظر لحال الترهل في هذه الحركة، وبالنظر إلى الخشية من تكرار تجربة الانتخابات التشريعية (2006)، التي نجم عنها خسارة حركة «فتح» غالبية المقاعد، لمصلحة حركة «حماس»، بسبب تشتّت قوتها التصويتية، بعد أن تعددت القوائم الفتحاوية، نتيجة عدم التوافق الداخلي.

 

 

السبب الثالث للتأجيل ينبع من ضغط الرأي العام الشعبي، كما تم التعبير عنه في قائمة الألف شخصية (وإلى حد ما في موقف الجبهة الشعبية). وفي الواقع فإن أهمية هذه القائمة تكمن في أنها جمعت شخصيات معروفة من كافة مجتمعات الفلسطينيين، في فترة أيام قليلة وفي أنها المرة الأولى التي يلحظ فيها اتفاقاً شعبياً فلسطينياً بهذا الحجم على قضية وطنية، ما يؤشر إلى توق الفلسطينيين إلى إحداث تغيير سياسي وحقيقي في الساحة الفلسطينية، وهو ما تم توضيحه صراحة في البيان المصاحب لطلب التأجيل.

 

 

هكذا، وبغض النظر عن دور كل عامل من العوامل المذكورة في التأثير، وفي الدفع نحو تأجيل انعقاد المجلس الوطني، والتحضير لعقد دورة جديدة بعد عدة أشهر، فإن ما حصل يبين تخبّط القيادة الفلسطينية في خياراتها وسياساتها وطرق إدارتها لأحوالها. نتيجة ذلك فإن الساحة الفلسطينية لن تنجو من تبعات تلك القرارات غير المحسوبة، بل إن ذلك سينعكس عليها، على الأرجح، على النحو الآتي:

 

 

1 ـ ضعف مركز الرئيس في المنظمة، وفي حركته «فتح»، بالقياس للمكانة، أو القوة، التي كانت له من قبل، لأن الأطراف الداخلية، التي وضعت فيتو، وطلبت التأجيل، ستحاول تعزيز دورها على حسابه. وفي الواقع فإن القرار المتعلق باستقالة الرئيس شخصياً، ثم المتعلق بتضارب الدعوة لعقد دورة موقتة، أو دورة عادية، ثم التراجع عن ذلك، أدى إلى الإضرار بمكانة الرئيس، وبقدرته على فرض الإجماع حول تصوراته، إن في المنظمة أو في فتح ذاتها.

 

 

2 ـ إن ما حصل سينعكس سلباً، أيضاً، على إمكان عقد مؤتمر حركة «فتح» السابع، بل ربما انه أثار الشكوك حول إمكان عقده في موعده، لأنه إذا انعقد فهو، في أغلب الأحوال، لن يكون بذات الطريقة التي كان سينعقد بها من دون هذه الخضّة، أو الهفوة، التي وقع بها أبو مازن، وهو رئيس المنظمة والسلطة و»فتح».

 

 

3ـ بينت التجربة أن الساحة الفلسطينية لم تعقد تقبل الترقيع، وأنها باتت (وهي منذ زمن كذلك) إزاء وضع معقّد وصعب، وبين خيارين، فإما الاستمرار على الوضع الراهن ما يعني ضياع الكيانات السياسية، بإرادة فلسطينية، أو التوجه نحو تطوير النظام الفلسطيني، بإيجاد معادلات جديدة، تتأسس على التخلص من نظام المحاصصة («الكوتا»)، وإعادة تعريف الخريطة الفصائلية، وبالتوجه نحو تعزيز البعد التمثيلي في كياناتها السياسية، وهو بات متاحاً بإجراء انتخابات في الداخل، وفي الأردن ولبنان ومصر وفي دول الشتات في العالم. والفكرة انه لم يعد مقبولاً من الكيانات السياسية الفلسطينية تجاوز مسألة التمثيل، والاحتكام لصناديق الانتخابات، إن لتعيين التوازنات الداخلية، أو لحسم الخلافات البينية، كما لجسر الفجوة بينها وبين مجتمعات الفلسطينيين، في الداخل والخارج.

 

 

4 ـ بديهي أن ما حصل سيضع حداً للنظام الفلسطيني الذي تأسس على التماهي بين المنظمة والسلطة، لمصلحة الأخيرة، وعلى الجمع بين المناصب الثلاث، أي رئاسة المنظمة والسلطة و»فتح»، أي أنه سيعزز التوجه نحو الفصل بين هذه الكيانات، لا سيما أن النظام السائد لم يسهم في تقوية هذه الكيانات، بقدر ما أضر بها، وبمكانتها وبدورها.

 

 

5 ـ أخيراً، فإن كل ما جرى لا يصبّ في مصلحة الخيارات السياسية المعتمدة، وبالأساس منها الخيارات المتعلقة بالمفاوضات، والتنسيق الأمني، والعلاقات الاقتصادية مع إسرائيل، الأمر الذي لا بد أن يحث البحث عن خيارات أخرى بديلة.

 

 

عموماً الأشهر القليلة المقبلة ربما تكون حاسمة في الحياة السياسية للفلسطينيين، فإما الاستمرار على ذات الطريق، وبالتالي الضياع، أو تحقيق نقلة قد تمهد لتخليق حالة وطنية جديدة، وبالطبع فإن كثيراً من الأمور ستتوقف على ما تفعله أو ما لا تفعله القيادة الفلسطينية.

 

 

 

مشاركة: