الرئيسية » هاني المصري »   12 تموز 2008

| | |
العدوان الإسرائيلي ضد نابلس: إصابة عدة عصافير بحجر واحد
هاني المصري

لا يمكن فهم أبعاد و أهداف العدوان الإسرائيلي ضد المؤسسات و الجمعيات الخيرية و الاجتماعية و الاقتصادية المحسوبة على حركة حماس أو تعتقد سلطات الاحتلال أنها محسوبة عليها في نابلس، الا على أساس أنها حملة غير مسبوقة و تستهدف إصابة عدة عصافير بحجر واحد.

أولا: ان الحملة شعواء و غير مسبوقة و جزء من خطة أكبر لا تقتصر على نابلس فقط و إنما تشمل جميع المدن و القرى و المخيمات، كما تشمل منع 30 صندوق خيري منتشرين على امتداد العالم متهمين بتزويد المساعدات للفلسطينيين من إرسال أي أموال، وذلك لان إسرائيل تصنف هذه الصناديق كصناديق تتبع لأطراف معنية بمساعدة حركة حماس، بشكل مباشر أو غير مباشر. وهي حملة شبيهة بالحملة الأمريكية الإسرائيلية التي شنت ضد م.ت.ف عشية التوقيع على اتفاق اوسلو تطبيقا للشعار الأمريكي "باي باي م.ت.ف" و التي وصلت الى حد تجفيف موارد المنظمة و تضييق الخناق عليها لدرجة ان قيادتها لم تعد متأكدة انه ستبقى قادرة على التواجد في أي عاصمة عربية أو أجنبية في منطقة الشرق الأوسط. فهل هذه الإجراءات تهدف الى دفع حماس للخضوع لاتفاق شبيه باتفاق اوسلو سيء الصيت و السمعة. ثانيا: أكثر شيء ملفت في هذه الحملة هو توقيتها فهي جاءت بعد اتفاق التهدئة في غزة، و بعد أن بدأ الاتفاق يأخذ طريقه نسبيا الى حيز التطبيق: فالتهدئة اعتبرت إنجازا لحركة حماس و مثلت تراجعا إسرائيليا لأن إسرائيل اعترفت بهذا الاتفاق بدور حماس و سيطرتها على قطاع غزة، و أبدت الاستعداد للتفاوض معها بوساطة مصرية لرفع الحصار كليا و إتمام صفقة تبادل الأسرى، و هذا كله يفتح ثغرة في جدار العزلة الدولية المفروض على حماس، هذا الجدار الذي سعت اليه إسرائيل و حققته بمساعدة أمريكية. فإسرائيل عبر الحملة على مؤسسات حماس في الضفة تريد ان تقول لحماس و الفلسطينيين و للعالم بأسرة ان موقفها من حماس لم يتغير، وإن ما يجري من تهدئة في غزة لا علاقة له بما يجري في الضفة. ثالثا: ان إسرائيل في عهد حكومة اولمرت تريد ان ترسل رسالة عبر هذه الحملة شبيهة بالرسالة التي أرسلتها حكومة شارون عندما طرحت ثم عند تطبيق خطة فك الارتباط عن قطاع غزة، وهي تقول: ان التراجع خطوة الى الوراء في غزة مغزاه الأساسي انه يهدف الى التقدم عشرة خطوات الى الأمام في الضفة. هذه الرسالة التي حملتها الاغتيالات التي نفذت في الضفة الغربية بعد التهدئة، وذلك ليس لان حكومة اولمرت ضد التهدئة، كما يسارع البعض الى تقديم التفسيرات، فالتهدئة تصب في مصلحتها، ولكن من أجل تكريس الفصل ما بين الضفة و غزة، و تعميق الانقسام السياسي و الجغرافي، و المضي في السباق مع الزمن من اجل استكمال تطبيق المشاريع التوسعية العنصرية الاستيطانية الإسرائيلية في الضفة قبل ان يفرض العالم أو الولايات المتحدة الأمريكية على إسرائيل تسوية غير مرغوبة، وحتى يفرض الامر الواقع الذي تقيمه إسرائيل نفسه على أية تسوية. رابعا: أن من أهم أهداف العدوان الذي نفذته قوات الاحتلال في نابلس توجيه ضربة كبيرة للسلطة الوطنية و المساس بهيبتها و مصداقيتها، و إظهارها و كأنها لعبة في يد الاحتلال و متعاونة معه. و ان الاحتلال يبقى راضيا عنها ما دامت مشغولة بالأمن الداخلي و الاقتصاد و تقديم الخدمات، و لا علاقة لها بمقاومة الاحتلال لا من قريب و لا من بعيد. أي ان حماية امن المواطن و ممتلكاته وحرياته و حقوقه المعرضة للانتهاكات الإسرائيلية المستمرة و العدوان العسكري المتلاحق على أيدي قوات الاحتلال، التي تقتحم المدن المفترض أن تكون خاضعة لسيطرة السلطة بشكل يومي، و تقتحم المؤسسات و المنازل، و تعتقل من تشاء، و تغلق من تشاء من مؤسسات, و تغتال من تشاء، كل ذلك ليس من صلاحيات و مسؤولية السلطة، فالسلطة المطلوب منها منع المقاومة، وتقديم الخدمات و الأمن الداخلي للمواطنين.و يساعد إسرائيل على تحقيق هذا الهدف، ان السلطة ارتكبت غلطة كبيرة جدا، عندما اتفقت على صيغة مع سلطات الاحتلال عند الشروع بتطبيق الخطة الأمنية في نابلس، و عممت في بقية المدن و المناطق، تقوم على ان تدخل قوات الاحتلال المدن في الليل بينما تقوم السلطة بمهام الأمن الداخلي في النهار. وهذا أمر ضار جدا فهناك فرق جوهري وحاسم بين ان لا تستطيع السلطة ان تمنع اقتحام مناطقها من قبل قوات الاحتلال وهذا أمر يتفهمه المواطنون، وبين ان تتفق مع الاحتلال على تنظيم السير و العمل أثناء هذه الاقتحامات. و ان تتصرف أثناء الاقتحامات على أساس ان لا حول لها و لا قوة. زيارة فياض لنابلس و تصريحاته خطوة في الاتجاه الصحيح ان إدراك سلام فياض رئيس الحكومة لخطورة ما حدث في نابلس من عدوان غير مسبوق شمل إغلاق سوق تجاري ونقل ملكيته الى الاحتلال، وإغلاق مدارس و مؤسسات خيرية صحية و تعليمية و إعلامية الى حد مصادرة باصات المدارس و أجهزة الحاسوب و اقتحام بلدية نابلس و مصادرة محتويات تلفزيون آفاق، على السلطة، دفعة للقيام بزيارة المدينة و إطلاق حملة من التصريحات و اتخاذ بعض الخطوات الهامة. فقد قال فياض بان الشعب لن يسمح بتقويض جهود السلطة و مكانتها، و اعتبر أن الإجراءات الإسرائيلية بحق المؤسسات في نابلس باطلة، و خرقا لكافة الاتفاقيات المعقودة بين الجانبين الفلسطيني و الإسرائيلي، وطالب التجار و أصحاب المحال التجارية و مسئولي المؤسسات الاستمرار في أعمالهم كالمعتاد، و التزم بان الحكومة ستتعامل مع كافة الأضرار التي ترتبت على الاعتداءات الإسرائيلية. ان من الأهمية بمكان ان تبادر السلطة ومعها كافة الفصائل و القوى و الفعاليات الوطنية، الى تنظيم و تمويل حملة وطنية لكسر قرارات الإغلاق الإسرائيلية، و المضي في هذا الامر الى ابعد حد ممكن، لان التعايش مع هذه القرارات و الاكتفاء بنقدها أو مقاومتها بشكل استعراضي، سيوجه ضربة نجلاء للشعب و لسلطته، و سيجعل الاحتلال ينجح في تصويرها كدمية في يد الاحتلال. سلطه و مقاومة شعبية ان إسرائيل لم تتحمل و لا تحتمل معادلة سلطة و مقاومة مسلحة، و استطاعت، الى حد كبير، ان تنجح في ذلك، و على الفلسطينيين و سلطتهم و قواهم الحية، ان يفرضوا على الاحتلال معادلة سلطة و مقاومة شعبية على ان تكون هذه المقاومة متعددة الأشكال السياسية و القانونية و الدبلوماسية و الاقتصادية و الإعلامية و الجماهيرية. فما دامت إسرائيل تريد الجمع ما بين المفاوضات و الاتفاقات و العدوان العسكري المستمر بكافة أشكاله، و الاستيطان و الجدار و الحصار و تقطيع الأوصال، على الفلسطينيين ان يجمعوا، هذا إذا لم يستطيعوا رفض المفاوضات كليا في ظل هذه الشروط، ما بين المفاوضات و السلطة و المقاومة الشعبية، لأنهم إذا لم يفعلوا ذلك يتحولوا في أحسن الأحوال الى "جماعة تناضل" في إطار سلطة حكم ذاتي وظيفتها تحسين شروط الاحتلال و هذا يعطي الاحتلال شرعية و يمد بعمره الى فترة طويلة قادمة. وحتى نقبض السلطة جديا عليها ان تبادر الى اتخاذ خطوة بمستوى خطورة إقدام إسرائيل على تكثيف الاستيطان بمعدلات رهيبة خصوصا قي القدس، و إقدامها على إغلاق مؤسسات اجتماعية و اقتصادية توفر الخدمات و فرص العمل لأعداد كبيرة من المواطنين، و الاستمرار بالعدوان العسكري بكل أشكاله. فهل تجرؤ السلطة على اتخاذ قرار بمستوى هذه التحديات مثل وقف أو تعليق المفاوضات لحين وقف العدوان و الاستيطان وقفا تاما ؟ نأمل ذلك و هذا اضعف الأيمان!!

 

مشاركة: