الرئيسية » هاني المصري »   27 حزيران 2009

| | |
وعد فياض:حقيقة ام خيال؟
هاني المصري

منذ توارد الانباء الاولى عن عزم رئيس الحكومة الدكتور سلام فياض على الادلاء بخطاب سياسي شامل لتوضيح رؤية الحكومة وبرنامجها، والرد على خطاب بنيامين نتنياهو، وحتى الان، برزت تساؤلات كثيرة حول توقيت الخطاب وأهدافه والشخص المرسل له، والطرف أو الاطراف المرسل لها.

هل يأتي الخطاب ردا أو استباقا لخطاب خالد مشعل، حتى لا يظهر بأنه العنوان الفلسطيني وصاحب الرد الاول؟

لماذا لا يكون الرئيس ابو مازن هو العنوان الفلسطيني المخول بتقديم الرؤية الفلسطينية، والرد على خطاب نتنياهو؟ فهو يقف على رأس النظام السياسي ، ويجمع ما بين رئاسة المنظمة و السلطة ، وخصوصا أن المطروح أمر سياسي من الدرجة الاولى، والحكومة الثالثة عشر ، حكومة انتقالية ، وهي احد مظاهر الانقسام، وهناك جدلا كبير حول شرعيتها ، كما ان الحكومة وفقا للنظام السياسي الفلسطيني ، هي حكومة الرئيس .

قد يرجع الامر ، لان الرئيس لا يرغب بالادلاء بدلوه الان ، لان الوقت ليس مناسبا بعد فالصورة لم تكتمل بالنسبة للتحركات السياسية التي تشهدها المنظمة ، ووفقا لاحد المصادر ، لانه لايريد ان يلقي خطابا ، يرفع سقف الموقف الفلسطيني فيغضب الرئيس الامريكي اوباما ويخدم الحكومة الاسرائيلية ، او يكون مرنا فيغضب الشعب الفلسطيني ويؤثر سلبا على الحوار الوطني الفلسطيني .

رغم مضي أيام عديدة، ورغم اللقاء الذي عقده الدكتور سلام فياض، رئيس الوزراء، مع نخبة من الكتاب والصحافيين، يوم الأربعاء الماضي، لتوضيح مضمون وابعاد الخطاب الذي ألقاه الاسبوع الماضي في جامعة القدس ما زالت الاجتهادات تختلف حوله؛ فهناك من اعتبره ردا شافيا أو غامضا أو مهادنا أو ملتبسا أو واضحا اكثر من اللزوم، ومع ذلك لم يجد الاهتمام المتوقع.

لقد نفى فياض أن الخطاب جاء ردا على خطاب نتنياهو، وانما هو فكرة بدأت تأخذ طريقها الى النور منذ تشكيل الحكومة، الا ان العديد من التساؤلات لايزال مطروحا.

إن القراءة الدقيقة لمضمون الخطاب ودلالاته توضح ان هناك عدة اسباب وراءه:

أولا: تقديم رد فلسطيني واقعي ومرن على خطاب نتنياهو، يقلل من التأثيرات السلبية التي خلفتها الردود الفلسطينية، الرسمية وغير الرسمية، التي جاءت عاطفية ومنفعلة، وتجاهلت الجديد عند نتنياهو، حيث رأى العالم خطاب نتنياهو خطوة الى الأمام، وذلك بعد اعترافه لأول مرة بمبدأ قيام دولة فلسطينية.

إن الخطاب والتفسيرات، التي قدمها له فياض، يعكسان قلقا من أن يستطيع نتنياهو، اعتمادا على الردود الفلسطينية الغاضبة على خطابه، اجهاض حالة الاصطفاف الدولي التي بدأت مؤخرا بالتبلور، وتركز على تطبيق خارطة الطريق، واقرار حل الدولتين.

ثانيا: يحاول الخطاب، بشكل لافت للنظر، اظهار الحكومة الثانية لفياض، كحكومة سياسية قوية، وليست حكومة خبراء يترأسها خبير، وأنها برئاسة زعيم سياسي طموح يسعى لتأكيد شرعيتها وصلاحيتها وتقويتها عبر اقتراح دعوة المجلس المركزي للمنظمة للانعقاد لمناقشة رؤيتها وبرنامجها.

ثالثا: يحاول فياض من خلال خطابه حشد الطاقات الفلسطينية وراء خطة السلطة لاستكمال بناء هياكل ومؤسسات الدولة الفلسطينية العتيدة خلال مده اقصاها عامان، عبر اغتنام المتغيرات الجديدة (خطاب أوباما وتحركه السياسي، هزيمة حزب الله في لبنان، الاضطراب الايراني) حيث تلوح في الأفق فرصة لبلورة مبادرة سياسية متكاملة تهدف لتسوية الصراع خلال السنوات القليلة القادمة. يكفي للبرهنة على ما سبق الإشارة الى أن فياض من أجل اظهار ايجابيته كرر في خطابه مرتين مخاطبة الاسرائيليين المحتلين الرافضين للسلام "بالجيران" وأشار الى غموض خطاب نتنياهو وأنه يريد التحايل على الاصطفاف الدولي، معترفا بحقه في عرض الرواية الإسرائيلية، ومذكرا بوجود رواية فلسطينية بما اظهر الصراع مثلما يظهره المستشرقون والوسطاء واليسار الإسرائيلي بوصفه صراعا بين روايتين، والمطلوب لحله وضعهما جانبا والتطلع نحو المستقبل. إن الصراع هو بين الشعب المحتل والمشرد وبين المحتل. فالفلسطينيون هم الضحية، واسرائيل هي الجلاد المحتل. فلا يمكن وضع الفلسطينيين والاسرائيليين جنبا الى جنب بوصفهما اصحاب روايات مختلفة.

وحتى تكتمل الصورة من اللافت في خطاب فياض أنه رغم حديثه لمدة أكثر من أربعين دقيقة وتكرار اشارته لانهاء الاحتلال وتحديده لمعالم البرنامج الفلسطيني الرئيسية ودعوته اللافتة للنظر لمقاطعة بضائع المستوطنات، الا أنه لم يستخدم كلمة مقاومة ولا مرة واحدة، ولا حتى عندما تعرض الى المقاومة الشعبية السلمية، حيث استخدم في وصفها كلمة التحرك الشعبي المناهض للاستيطان والجدار، وهذا امر له دلالته، ويقودنا الى التوقف عند النقطة الرئيسية في خطاب فياض، وهي وعده باقامة الدولة الفلسطينية خلال عامين كحد أقصى. وعندما سئل فياض عن هذا الوعد ومدى واقعيته في ظل الانقسام الفلسطيني ووجود اكثر حكومة اسرائيلية تطرفا منذ تأسيس اسرائيل، اجاب، بأن ما تحدث حوله عن اقامة الدولة تحد أكثر منه وعدا.

واذا كان الوعد تحديا فهو مفترض ان يكون تحديا للاحتلال، واختبارا لقدرة الفلسطينيين على توفير مقومات وشروط انهاء الاحتلال.

فحتى تتم اقامة الدولة الفلسطينية الحقيقية الحرة المستقلة ذات السيادة، التي عاصمتها القدس وتقوم على جميع الأرض المحتلة عام 1967 يجب أن يكون ذلك بالاعتماد:

إما على المفاوضات وعلى وعد اميركي ودولي لإقامة الدولة خلال السقف الزمني المطروح، وهذا أمر غير ممكن لأن المفاوضات متوقفة، وهي كانت تدور حول نفسها منذ أكثر من 16 عاما بما لا يبشر بالخير اذا استؤنفت وفقا للطريقة السابقة. ان فياض نفسه قال إن خطاب نتنياهو لا يوفر اساسا مناسبا لقيام تحرك سياسي قادر على انجاز تسوية على اساس حل الدولتين.

واذا كان الرهان على اوباما، فأوباما حتى الآن لم يعد بأكثر من تجميد الاستيطان وحل على اساس الدولتين يتم التوصل له من خلال المفاوضات دون ضغوط على الطرفين ولا فرضه عليهما، ودون توضيح المرجعية اللازمة لذلك، وهذا يعني ان القضايا الاساسية متروكة للتفاوض الثنائي، اي تحت رحمة الاحتلال الاسرائيلي.

أو اذا كان الرهان على أن اقامة مؤسسات الدولة القوية تحت الاحتلال، كما يحدث حاليا بمساعدة الجنرال دايتون، وإظهار جدارة الفلسطينيين بالقيام بالتزاماتهم لجهة توفير الأمن والنظام العام والتنسيق الأمني مع اسرائيل، فان هذا لا يقود الى دولة تملك مقومات الدول، وإنما الى تحويل الواقع الحالي، أقل أو اكثر، الذي هو حكم ذاتي تحت الاحتلال، الى حكم ذاتي اسمه دولة ولكنه أقرب الى محمية اسرائيلية منه الى دولة حرة ومستقلة.

أو اذا كان الرهان على المقاومة، فالمقاومة المسلحة جربت أيضا ولم تنجح. والمعطيات المتوفرة حاليا محليا ودوليا وعربيا، لا توفر فرصة جدية لممارسة مقاومة مسلحة قادرة على تحقيق الأهداف الوطنية.

لم يبق أمام الفلسطينيين لتحقيق وعد الدولة الحرة المستقلة سوى الجمع ما بين السياسة والمقاومة الشعبية السلمية، التي تعتبر مقاطعة بضائع المستوطنات نقطة مهمة من سلسلة من النقاط في برنامج متكامل.

أين موقع المقاومة الشعبية ضمن أولويات السلطة وفي وعد فياض لإقامة دولة فلسطينية في مدى أقصاها عامان. وأين موقع الوحدة الوطنية لتحقيق هذا الوعد. فالوحدة ليست مجرد مهمة من مجموعة مهمات وانما هي ضرورة لا يمكن تحقيق وعد الدولة دونها.

هل يمكن اقامة دولة فلسطينية تحت الاحتلال، وكأن اقامة الدولة مسألة تقنية مؤسساتية أو اكاديمية او اقتصادية وليست سياسية تحتاج الى نضال طويل لتحقيقها. اذا اقمنا دولة تحت الاحتلال ستكون محكومة بشروط الاحتلال.

الا يجب أن نفكر بالثمن الغالي جدا الذي دفعناه، مقابل الإنجازات الأمنية والادارية والاقتصادية التي حققتها السلطة خصوصا خلال العامين الماضيين؟.

ان تآكل البرنامج الفلسطيني الذي تحدث عنه فياض، محقا، في ظل تراجع مرجعيات عملية السلام من مبادرة السلام الفلسطينية ومؤتمر مدريد الى خارطة الطريق ومؤتمر أنابوليس بعيدا عن القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية، يقتضي مراجعة المسيرة السابقة الفاشلة بالمحصلة، مراجعة جذرية وليس التوغل فيها أكثر وأكثر.

إن مواصلة الطريق المجرب لن يوصلنا الى الدولة التي نتمناها وانما الى "دولة البقايا" التي طالما كتب عنها الدكتور علي الجرباوي وزير التخطيط الحالي.

قد يقول قائل "لنعطِ المجتمع الدولي، وادارة اوباما الاميركية فرصة أخيرة اذا لم تنجح هذه المرة، مثلما لم تنجح المبادرات والاتفاقات السابقة، والتي سبق وحددت أعوام 1999، و2005، و2008، كمواعيد لإقامة الدولة الفلسطينية، واذا لم يتحقق وعد الدولة هذه المرة، فعندها لنعِد الصراع الى طبيعته كصراع بين شعب محتل والاحتلال، وعندها لا لزوم للسلطة وإنما الى صمود ومقاومة مستمرة حتى انهاء الاحتلال.

إن الرد على هذا القول، ان دخول الحمام ليس مثل الخروج منه. وان سنوات المفاوضات السابقة أوجدت أوضاعا تناسبها وشكلت مصالح ونفوذا لأفراد وشرائح باتت مستعدة للدفاع عنها، دفاعا مستميتا بحيث، إن اعطاء مزيد من الوقت لتجريب المجرب ينطبق عليه "اللي بجرب المجرب عقله مخرب". فلا داعي لاستئناف المفاوضات وفقا للطريقة السابقة ولا ليوم واحد. فالمفاوضات اذا لم تكن مرجعياتها واهدافها واضحة وملزمة ومتفقا عليها من الجميع منذ البداية، فانها ستتحول الى مفاوضات من أجل المفاوضات، والى عملية سلام دون سلام.

ان هذا الطريق يقود لإقامة دولة "البقايا" التي اصبحت أو يمكن أن تصبح مصلحة اسرائيلية لانها تحفظ يهودية اسرائيل وتمنع قيام دولة واحدة ستكون الاغلبية فيها، ولو بعد حين للفلسطينيين. !

 

مشاركة: