الرئيسية » هاني المصري »   04 تشرين الأول 2008

| | |
وديعة أولمرت: فرصة أم سراب؟
هاني المصري

رغم أيّامه المعدودة في الحكم، لا يزال ايهود أولمرت يسعى جاهداً للتوصل إلى اتفاق سلام مع الرئيس أبو مازن، وهو يعتقد أنّ هذا الاتفاق ممكن معه، أو مع خليفته المحتملة تسيبي ليفني، ولكنّه يحذر أن الوقت المتاح للتوصل للاتفاق محدود جداً.

ويحاول أولمرت أن يطرح أفكاراً جديدة، لإثبات جديته، وأنه تغيّر ومستعد لاتخاذ قرارات جريئة، فهو أكّد خطأ اعتماد مبدأ إسرائيل الكبرى، وانتقد نفسه بسبب أنه كان يعتقد طوال عشرات السنين أن إسرائيل تستطيع الاحتفاظ بالقدس موحّدة، لكنه الآن يطالب بتقسيمها، لأن بقاءها موحّدة يعني ضم 270 ألف فلسطيني إلى إسرائيل.

وأكثر من ذلك، يطالب أولمرت، وبالفَم الملآن، بضرورة إقدام إسرائيل على دفع ثمن السلام، وهو: الانسحاب شبه الكامل من الأراضي الفلسطينية، بما فيها القدس، والاستعداد لتبادل أراضٍ بنسبة 1:1، والانسحاب كذلك من هضبة الجولان.

 

للوهلة الأولى، يخرج المستمع أو القارئ لتصريحات أولمرت، بأنها ينطبق عليها المَثَل الدارج: "يا رايح كثِّر ملايِح"، وأنّ أولمرت يعمل على شاكلة المسؤولين الأميركيين والدوليين، الذين يتخدون مواقف متّزنة أو أكثر اتّزاناً من المواقف التي دافعوا عنها ابّان تولّيهم مواقع المسؤولية الرسمية، ولكن التدقيق في تصريحات أولمرت يجعل وصف يوسي بيلين له دقيقاً حين قال: إن أولمرت ضيّع الوقت ولم يتّخذ أيّة قرارات حاسمة تمكّن من صنع السلام.. فأولمرت عرض على أبو مازن اتفاق إطار جزئي يؤجّل قضية القدس، ويصفّي قضية اللاجئين، من خلال الاستعداد، كحد أقصى، لعودة 20- 25 ألف لاجئ، خلال فترة من 5 - 10 سنوات، وفي إطار لمّ الشمل، وليس تطبيقاً لحقّ العودة، على أن تُحلّ قضية اللاجئين من خلال خلق آلية لتعويض اللاجئين وتوطينهم في الأماكن التي يقيمون فيها، أو تمكينهم من الهجرة إلى بلدان جديدة، مع السماح لعدد منهم بالعودة إلى حدود الدولة الفلسطينية بعد قيامها..

واقترح أولمرت إجراء تعديلات حدودية بنسبة 6،7% من مساحة الضفة، تشمل الكتل الاستيطانية الكبرى، والحدود التي يرسمها جدار الضم والتوسع العنصري. والأخطر والجديد في عرض أولمرت، أنه يتعامل مع منطقة غور الأردن، بوقاحة منقطعة النظير، على أنها ليست مناطق محتلة منذ العام 1967، ويعرض مناطق منها للمبادلة بالكتل الاستيطانية، وهذا ينسجم مع السياسة الإسرائيلية المعتمَدَة إزاء الأغوار منذ الاحتلال العام 1967 وحتى الآن، حيث فصلت سلطات الاحتلال الأغوار عن الضفة ببوّابات وحواجز، وإعلانها منطقة عسكرية مغلقة يُمنَع على الفلسطينيين دخولها، ما أدى إلى عدم زيادة السكان القاطنين فيها طوال أكثر من 40 عاماً، رغم أنها منطقة تشكّل حوالي 30% من مساحة الضفة، وهي بمثابة السلّة الغذائية، لما تحتويه من أراضٍ خصبة تصلح للزراعة في عدّة مواسم طوال العام.

فوفقاً للإذاعة الإسرائيلية، فإنّ أولمرت عرض على الفلسطينيين مناطق واسعة في غور الأردن، مقابل احتفاظ إسرائيل بالكُتَل الاستيطانية الكبيرة، وإبقائها تحت السيادة الإسرائيلية، وهذا يدلّ على أن ما ستضمّه أو تسيطر عليه إسرائيل، في أيِّ حل، أكثر بكثير من 6،7% التي يتحدثون عنها!!

وما يكشف، أيضاً، زيف عرض أولمرت، أولاً: أنه يشترط وضع ترتيبات أمنية وعسكرية تُفرَض على الدولة الفلسطينية أن تكون منزوعة السلاح كلياً، وأن لا تقيم تحالفات عسكرية، وتقام فيها نقاط إنذار وقواعد عسكرية، وتواجد عسكري إسرائيلي دائم على الحدود والمعابر، وتحتفظ إسرائيل بالسيطرة على الأجواء والمواقع الحيوية والاستراتيجية، كما تحتفظ بحق تدخّل قواتها إلى عمق أراضي الدولة الفلسطينية، وهذا يعني أن الأمر بعد قيام هذه "الدولة" لن يكون مختلفاً عمّا هو قائم الآن، وهذا ينفي عن هذه الدولة كافة مقوّمات الدول، التي أهمها عنصر السيادة، الذي هو العنصر الرئيسي الذي يعطي الأهمية والمعنى لكافة العناصر الأخرى، المتعلقة بالأرض والسكان والحكم.

ثانياً: إنّ أولمرت يشترط أن يكون الاتفاق الموقّع، ليس مطروحاً للتطبيق، وإنّما "اتفاق رف" لا يُطبَّق إلاّ عند توفّر ظروف محلية واقليمية ودولية مناسبة، منها أن تفرض السلطة سيطرتها مجدداً على قطاع غزة، وأن تواصل الإصلاح والحرب على المقاومة، التي تُشَن تحت اسم مستعار هو: الحرب على العنف والإرهاب.

إنّ عرض أولمرت، لا يلبّي الحد الأدنى من الحقوق والمصالح الفلسطينية، حتى تلك المنصوص عليها في القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية، وهو محاولة إسرائيلية جديدة لفرض الحل الإسرائيلي على الفلسطينيين، إذا نجحت تكون إسرائيل قد حققت انتصاراً تاريخياً يفوق اتفاق أوسلو بكثير، وإذا فشلت يسجّل التاريخ في سجل أولمرت الذاتي، مسعىً من أجل السلام حتى اللحظات الأخيرة، وأوجد وديعة خاصة به، رغم أنه كان ضعيفاً بعد هزيمة لبنان في 2006، ومحاطاً بالفضائح من كل جانب، ورغم أنه استقال من منصبه حتى يمكّن حزبه من الاستمرار في قيادة الحكومة الإسرائيلية، بما يقطع الطريق على تولّي حزب الليكود بزعامة بنيامين نتنياهو والأحزاب اليمينية الأخرى لسدّة الحكم في إسرائيل، حيث لا تزال أغلبية الاستطلاعات ترجّح فوزه في أية انتخابات قادمة.

إنّ الرد الفلسطيني على عرض أولمرت خجول وضعيف ومتردّد، ويوحي بأنّ المسألة بحاجة إلى المزيد من الوقت، وإلى الاتفاق على بعض القضايا والتفاصيل الأخرى. وهذا غير صحيح بالمرّة.

إنّ لحظة التوصّل لاتفاق السلام لا تزال بعيدة جداً، وليس كما قال ميغيل موراتينوس وزير الخارجية الاسباني، بإنّ الخلاف انحصر على 07كم، وهو الذي يعيق التوصل لهذا الاتفاق، أو كما يقول أولمرت؛ إنّ الخلاف انحصر تماماً بحيث يمكن التوصل لاتفاق لو تمتعت القيادة الفلسطينية بالجرأة والعزيمة لاتخاذ قرار تاريخي.

إنّ إسرائيل ليست جاهزة للسلام، وتريد فرض مشروعها للسلام، الذي يصفّي القضية الفلسطينية من مختلف جوانبها، وليس كما يعتقد أو يروّج البعض، بأنّه يصفّي قضيتي القدس واللاجئين فقط، أو قضية اللاجئين وحدها، وكأنّ هناك مقايضة معروضة بين دولة فلسطينية مقابل قضية اللاجئين، دفع القيادة الفلسطينية لإبداء مرونة مفرطة بقضية اللاجئين، بينما المقايضة المعروضة فعلاً، هي التخلّي عن القضية الفلسطينية بمختلف أبعادها، بما في ذلك الحدود والقدس واللاجئين والمياه والأمن والاستيطان، وهذا يجعل من المستحيل على أيّة قيادة فلسطينية أن توافق على هكذا مقايضة.. وإذا وافقت، تكون قيادة لا تشمل شعبها، وغير قادرة على فرض إرادتها عليه.

إذا أرادت إسرائيل السلام، عليها أن تقبل حلّ قضية اللاجئين حلاً عادلاً، بما في ذلك إقرار حق العودة، والانسحاب من كافة الأراضي المحتلة العام 1967، بما في ذلك القدس، وهي لن تفعل ذلك إلاّ عندما تجد أن البدائل الأخرى أمامها أسوأ، وعندها تخسر من احتلالها أكثر مما تربح. أليس كذلك؟!

 

مشاركة: