الرئيسية » هاني المصري »   14 آب 2007

| | |
هناك حل ... والبديل دمار وانقسام
هاني المصري

اتصل بي أحد الاصدقاء هاتفياً من غزة هاشم، مستصرخاً التحرك العاجل لاعادة اللحمة بين الضفة وغزة قبل فوات الأوان. وعندما قلت له: آسف، ليس في اليد حيلة، وما باستطاعتي أن أقوم به، أحاول جاهداً القيام به. فما أملك سوى قلمي وفمي.

قلمي الذي اسطر به كلمات تحاول أن تكون جريئة ومفيدة وموضوعية ومستقلة، وفمي الذي اتحدث به عبر المقابلات الاعلامية على اختلاف انواعها مركزاً على اولوية الوحدة على أسس وطنية واقعية قادرة على الابحار بالسفسنة الفلسطينية الى بر الأمان. ولكن ردي لم يشف غليله، وقال: رغم كل التقدير لما تكتبه وما تقوله عليك أن تركز أكثر وتحاول أن تقدم مقترحاً للحل عله يساعد على انهاء الانقسام الذي سيأكل الاخضر واليابس ويطيح في طريقه بكل شيء، بالقضية والمشروع الوطني والوطن والارض والانسان الذي من المفترض انه هو "أغلى ما نملك"!

 

بعد إلحاحه الشديد، سأحاول أن أفي بما وعدته به، وهو تقديم مقترح للحل.

أولاً، وقبل كل شيء، لا يمكن استبعاد الحوار كأسلوب رئيسي وحضاري لحل الخلافات والنزاعات الداخلية، أو على الأقل لتنظيم هذه الخلافات والنزاعات حتى لا تتفاقم وتخرج عن السيطرة. لذلك فإن رفض الحوار من حيث المبدأ مرفوض. ولكن الحوار ليس العصا السحرية. فقد تحاور الفلسطينيون جلسات وجلسات وتوصلوا الى عدة اتفاقات من اعلان القاهرة ووثيقة الوفاق الوطني، الى اتفاق مكة، وشكلوا حكومة وحدة وطنية، ولكنها لم تصمد وانهارت قبل ان تكمل شهرها الثالث، فالحوار وحده قد يكون حوار طرشان.

اذاً، لا بد من امعان النظر والتفكير بالاسباب والجذور التي أدت إلى انهيار الاتفاقات وهل هي: بسبب الاختلافات السياسية والفكرية والايديولوجية، أم انها تعود إلى الصراع على السلطة والمراكز والمصالح والمناصب؟ أم تقود إلى أن الاسلام السياسي خصوصاً ممثلاً بحركة حماس لا يقبل بالشراكة بأي شكل من الاشكال، كما لا يؤمن بالديمقراطية الاّ كعرس ليوم واحد؟ أم أن الأمر يتعلق بأن السياسات والمخططات والاعمال الاميركية والاسرائيلية لا تتسع على الاطلاق لأي وحدة بين الفلسطينيين لانها تقوي من موقفهم التفاوضي وتقلل من امكانيات وفرص تحقيق الاهداف الاميركية - الاسرائيلية؟

أم ان استحالة الوحدة تعود إلى حالة الازدواج في القوة التي يشهدها النظام السياسي الفلسطيني وتحديداً منذ مشاركة حماس في الانتخابات التشريعية الاخيرة وفوزها باغلبية مقاعد المجلس التشريعي، ما جعلها تنتقل مرة واحدة من كونها معارضة من خارج النظام السياسي كله (المنظمة والسلطة) الى اعتلاء سدة الحكم مرة واحدة دون المرور بمراحل تمهيدية انتقالية تكون فيها معارضة داخل النظام حتى تتعرف على مسؤوليات والتزامات الحكم؟

لا شك في ان كل هذه الاسباب موجودة وتفعل فعلها، ولكنها لا تلغي فعلاً ويجب ان لا تلغي تأثير عامل آخر حاسم هو ان الاحتلال وكل ما نجم وينجم عنه من عدوان واستيطان وجدار ومصادرة اراضٍ وتقطيع اوصال وتدنيس مقدسات واذلال، ومحاولاته لتزييف التاريخ لتبرير القراءة الاسرائيلية للاحداث، ومصادرة حاضر الفلسطينيين جميعاً ومحاولة اغلاق الطريق على مستقبلهم. فالاحتلال لا يميز بين الفلسطينيين على اختلاف آرائهم واحزابهم وأديانهم، ولا بين المتطرفين والمعتدلين، وانما يستهدفهم جميعاً، ما يوفر لهم قواسم مشتركة واسعة تبقى أوسع وأكبر بكثير من كل ما يفرقهم.

كما ان الحقيقة تدل على ان الاختلافات السياسية والفكرية الفلسطينية انحسرت كثيراً في الاعوام الاخيرة، خصوصاً، بعد ان ابدت حماس مرونة واسعة من خلال الالتزام بالتهدئة والاعتراف ببرنامج اقامة دولة فلسطينية على حدود 7691، مقابل هدنة طويلة او قابلة للتكرار دورياً وبصورة تلقائية، وتفويض الرئيس والمنظمة التفاوض مع اسرائيل، ولكن هذه المرونة لم تقابل بأي شيء من اسرائيل والولايات المتحدة الاميركية، وكان الرد "أُذن من طين، وأُذن من عجين" والمطالبة بالوفاء الحمساوي بالشروط الاسرائيلية الثلاثة التي غدت شروطاً دولية من دون مطالبة اسرائيل بشروط مقابلة مماثلة متزامنة.

كما ان استحالة قدرة طرف فلسطيني وحده على حسم الصراع الداخلي بالقوة لصالحه عن طريق الانقلاب والعنف وإلغاء الاطراف الاخرى بدليل ما يحدث حالياً في غزة، تفرض ويمكن ان تفرض على الجميع الاعتراف بهذه الحقيقة التي نأمل ان تتحقق قبل فوات الأوان، وقبل خراب البصرة!

إن المطلوب ارادة سياسية تطلب المصلحة الوطنية، وتعطي الاولوية للتخلص من الاحتلال، وتقبل ببلورة رؤية استراتيجية وطنية واقعية تحفظ الحقوق والاهداف الوطنية وتمكن الطائر الفلسطيني من الاقلاع فلسطينياً وعربياً ودولياً. وهذا يشترط الاتفاق على برنامج سياسي واضح وليس حمّال أوجه، بحيث يفسره كل طرف كما يحلو له، كما حصل مع اتفاق مكة. كما يقتضي الحل المقترح من قبلي الاتفاق على اعادة بناء الاجهزة الامنية على أسس مهنية بعيداً عن الحزبية، وعلى اعتماد شراكة وطنية حقيقية شاملة بعيداً عن المحاصصة الفصائلية الثنائية او الخماسية او الشاملة.

واذا تعذر الاتفاق على رؤية استراتيجية واحدة خلال مدة محددة يتفق عليها، يتم التنافس والاختلاف والتنوع في اطارها، فلا بديل عن الاحتكام للشعب وتنظيم انتخابات للمجلسين الوطني والتشريعي، وفق قانون التمثيل النسبي الكامل. وفي هذه الحالة، تشكل حكومة من الكفاءات الوطنية المستقلة مهمتها التحضير للانتخابات وضمان سيرها بنزاهة ووفقاً للقانون.

الاتفاق صعب وصعب جداً، ولكن استمرار الانقسام مدمر. ولا يمكن ان تحقق حماس شيئاً من السيطرة على غزة بل ستبقى مكبلة بأغلال انتصارها. ولا يمكن ان يحقق الرئيس وفتح شيئاً من الرهان على فتح مسار سياسي عربونه عدم فتح الحوار وعدم تحقيق الوحدة الوطنية. والشيء الذي عربونه مكلف الى هذا الحد، كم سيبلغ ثمنه الكامل؟

 

 

مشاركة: