الرئيسية » هاني المصري »   24 كانون الثاني 2009

| | |
هل تكون جولة الحوار القادمة مسك الختام؟
هاني المصري

سواء صحت الأنباء حول أن مصر هددت بوقف رعايتها للحوار، في حال لم تستجب حركتا "فتح" و"حماس"، وتقدما التنازلات المطلوبة لإنجاحه حتى نهاية شهر أيار القادم. أوإذا كان النفي الصادر عن قيادات في الحركتين صحيحاً ( مع أن الطبيعي أن تقوم مصر بالنفي لأن الخبر يتعلق بها اساساً)، فان الأجواء المخيمة على الجولة القادمة من الحوار لا تبعث على الارتياح والأمل والثقة بأنها يمكن أن تحدث اختراقاً.

فمن جهة، لا يزال كل طرف يتمترس وراء مواقفه إزاء مسألة "احترام" أو"الالتزام" بالاتفاقيات ، أوفيما يخص كيفية إدارة عملية إعادة تشكيل وإصلاح وتطوير م.ت.ف، اوبالنسبة لقانون الانتخابات وبناء الأجهزة الأمنية. كما أن وتيرة التحريض الإعلامي المتبادل عادت الى الارتفاع، وكذلك حملات الأعتقال. فقد وصلت حملات الاعتقال في الضفة الى حد اعتقال الدكتور عبد الستار قاسم على خلفية كتابته مقالات وإدلائه بآراء خلال مقابلات صحافية، والى حد إطلاق الرصاص على الشيخ النائب حامد البيتاوي، في محاولة لاغتياله أو لتهديده بالاغتيال، في حادث مدان مهما كانت الجهات او الفرد أو الأفراد الذين يقفون وراءه. فاذا فتحت بوابه الاغتيالات فانها ستفتح على الفلسطينيين بوابات جهنم على مصاريعها .

وبالمقابل قامت حركة حماس في القطاع باعتقال عشرات الكوادر والأعضاء من حركة فتح، بعد أن كانت الحكومة المقالة قد استجابت لطلب تقدم به الشيخ حامد البيتاوي بعدم الرد على اطلاق الرصاص عليه، بأية خطوات انتقامية.

ومن جهة أخرى، جاءت تصريحات هيلاري كلينتون وزيرة الخارجية الأميركية لتصب الزيت على نار الانقسام الفلسطيني وتزيدها لهيباً من خلال تأكيدها أن ادارة أوباما لن تمول أو تتعامل مع حكومة فلسطينية تشارك بها "حماس"، اذا لم تلتزم بشروط اللجنة الرباعية الدولية المتمثلة في الاعتراف باسرائيل، والتخلي عن العنف، والوفاء بالاتفاقايات والالتزامات السابقة.

وقالت كلينتون إنها تشك في إمكانية حصول اتفاق فلسطيني على حكومة وحدة، مع انها طلبت من الكونغرس عدم تكبيل يديها في حال حصول اتفاق مماثل. واستحضرت كلينتون النموذج اللبناني لتبرير هذه الصيغة، باشارتها الى ان واشنطن تقدم مساعدات الى الحكومة اللبنانية التي تضم اعضاء من حزب الله، لأن من مصلحة الولايات المتحدة الأميركية دعم حكومة تحارب انتشار التطرف. ولم تلاحظ كلينتون انها لا تطبق ما تقوم به ازاء الحكومة اللبنانية على ما ترفض القيام به بالنسبة لحكومة الوحدة الفلسطينية. ففي لبنان تتعامل الادارة الاميركية مع الحكومة اللبنانية بينما تقاطع وزراء حزب الله، بينما في فلسطين تهدد بمقاطعة الحكومة الفلسطينية اذا شارك بها وزراء من "حماس"، اذا لم تلتزم بشروط اللجنة الرباعية.

إن الادارة الاميركية من خلال تصريحات كلينتون المنحازة لأسرائيل، وغيرها من الممارسات والمواقف، مثل مقاطعة مؤتمر ديربان-2 ومطالبة الجانب العربي بتقديم خطوات تطبيعية باتجاه اسرائيل بدون مطالبة اسرائيل بالموافقة أولاً على مبادرة السلام العربية، وعلى الاتفاقيات الفلسطينية - الإسرائيلية.

فادارة أوباما لا تطالب حكومة نتنياهو بالاعتراف بالحقوق الفلسطينية ونبذ العنف والإرهاب والوفاء بالاتفاقيات السابقة، مثلما تفعل بالحكومة الفلسطينية. وهذا يدل على استمرار السياسة الاميركية المنحازة لإسرائيل وعلى أن التغيير الذي نشهده في سياساتها ازاء الصراع العربي الاسرائيلي يتعلق بالأسلوب والشكل ولم يصل بتاتا الى الجوهر، والى ان الازمة الحالية في العلاقات الأميركية - الأسرائيلية لا تعود الى تطور في الموقف الأميركي عن مواقف الإدارة الأميركية السابقة، وإنما الى تراجع موقف اسرائيل بحكم اعتلاء حكومة اسرائيلية هي الأكثر تطرفاً في تاريخ اسرائيل سدة الحكم.

ان اكتفاء الإدارة الأميركية بمطالبة الحكومة الأسرائيلية باستئناف المفاوضات على اساس حل الدولتين، يبين حدود الخلاف، ويصور موافقة اسرائيل على حل الدولتين وكأنه معجزة وتنازل كبير يجب أن يقابله العرب والفلسطينيون بتنازل كبير مماثل.

إن الموافقة على حل الدولتين بدون تحديد المرجعيات الملزمة، وحدود الدولة الفلسطينية ومساحتها وعاصمتها ومقومات السيادة فيها، يضع كل هذه الأمور الجوهرية تحت رحمة اسرائيل . فحل الدولتين ليس عصا سحرية، بل يمكن ان توافق الحكومة الإسرائيلية عليه بدون أن يؤدي ذلك الى تغيير جوهري على ارض الواقع .

في هذا السياق تسرب مصادر حكومية في اسرائيل أنباء عن شروع نتنياهو بوضع الخطوط العامة لسياسة حكومته تمهيداً لاعتمادها في الحكومة، ولعرضها على الرئيس الأميركي خلال لقائهما الشهر القادم.

إن هذه الخطوط تعطي الاولوية لمجابهة ايران، وتحسين العلاقات مع الأردن ومصر وبلورة تحالف عربي ــ اسرائيلي ــ اميركي ــ دولي في مواجهة التهديد الأيراني، والاستعداد للتفاوض مع الفلسطينيين للتوصل الى اتفاق يمكنهم من "حكم انفسهم بانفسهم"، بما لا يمس الامن الاسرائيلي، ولا بالمخططات الاستيطانية ، وذلك من خلال عدم منح الحكم الفلسطيني الموعود عناصر السيادة، وعلى أن تكون السيطرة الفلسطينية على نصف الضفة الغربية فقط، والتشديد على اسقاط حق العودة للاجئين من خلال وضع شرط الاعتراف بيهودية اسرائيل للتقدم في المفاوضات. كما تركز الخطوط العامة كذلك على اولوية الأمن، والسلام الاقتصادي، وعلى تقديم خطوات حسن نية، كبادرة اسرائيلية وليس تطبيقاً لالتزامات سابقة أو لاحقة. فحكومة نتنياهو ستتجنب التوقيع على اتفاقات جديدة كما ترفض الالتزام بالاتفاقات القديمة.

من جهة ثالثة، لا يزال الاقتراح المصري بتشكيل لجنة مشتركة للتنسيق بين الحكومتين بالضفة والقطاع مطروحاً على طاولة الحوار . فهو رغم رفضه وتعرضه لانتقادات شديدة في البداية، الا انه الآن يواجه ملاحظات واستفسارات ومحاولات لتعديله. فاذا لم يتم التوافق بالجولة الثانية من الحوار المتوقعة غداً او بعد غد، على ايجاد حلول للملفات العالقة، سيكون الاقتراح المصري هو أهون الشرور، كونه يمكن ان يخفف من حدة الاختلاف والانقسام بعد ان فشلت كافة الجهود والمحاولات لإنهاء الانقسام .

إن فشل الحوار سيؤدي الى تداعيات خطيرة على مختلف الأصعدة يمكن ان تصل الى حد تشكيل سلطتين لكل منهما رئيس وحكومة، وربما مجلس تشريعي منفصل من خلال الذهاب الى اقصى حد ممكن بعقد انتخابات منفصلة في الضفة والقطاع، فضلا عن تأثير استمرار الانقسام على تردي الأحوال الاقتصادية والمعيشية، وعدم الاتفاق على التهدئة، وصفقة تبادل الأسرى، وعلى رفع الحصار واعادة الاعمار، وعلى تمكين اسرائيل من المضي بتنفيذ مخططاتها بسرعة اكبر وتكاليف اقل.

لذا فان تشكيل لجنة مشتركة للتنسيق بين الحكومتين، ورغم أنه امر سيء، لأنه يمثل نوعاً مع التعايش مع الانقسام، الا انه افضل من لا شيء، ويمكن ان يكون حلا مؤقتا، ويمثل نوعا من الاعتراف بأن وقت انهاء الانقسام لم يحن بعد، واننا في مرحلة التعايش مع الآخر التي يمكن ان تمهد لاستعادة الوحدة اوتكريس الانقسام، وهذا يتوقف على التطورات القادمة في المنطقة والعالم .

إن أي مراقب لما يجري بالمنطقة يلاحظ انها تعيش حالة انتظار عامة . فجميع الأطراف غير متحمسة للكشف عن اوراقها حتى الآن، بانتظار انتهاء الرئيس الأميركي الجديد من بلورة سياساته ازاء المنطقة والعالم، ومعرفة ردود الأطراف المختلفة عليها. إن هذا كله بحاجة الى عدة اشهر على ابعد تقدير .

لقد لمس العالم كله تغيراً ملحوظاً في السياسة الاميركية ازاء العراق وافغانستان وباكستان وروسيا واوروبا وطالبان وسورية ولبنان وايران ودول اميركا اللاتينية المتمردة على اميركا بما فيها كوبا وفنزويلا، ولكن هذا التغيير لم يصل الى ملف الصراع العربي الاسرائيلي، وذلك يرجع الى:

أولاً : وجود حكومة متطرفة في اسرائيل، وتأثير اسرائيل واللوبي المؤيد لها على مجمل السياسة الأميركية.

ثانياً : ان العرب لم يستخدموا احدى اللغتين التي يفهمهما العالم في عصرنا الحالي، وهما لغة القوة ولغة المصلحة . بدون اتقان استخدام هاتين اللغتين اواحداهما، لن تستطيع الزيارات والتمنيات والطلبات العربية ان تجعل الادارة الأميركية او اية قوة مؤثرة بالقرار الدولي تأخذ المصالح والمطالب العربية بالحسبان !

لقد جرب العرب التوسل ولم يحصدوا سوى الذل والخيبة.

فلماذا لا يجربون أوراق القوة والضغط التي يملكونها

 

مشاركة: