الرئيسية » هاني المصري »   18 تشرين الأول 2008

| | |
هل تجرؤ "فتح" وتقدر على تجاوز أزمتها؟
هاني المصري

 

تعرضت حركة فتح الى سلسلة من الضربات القوية التي بدأت باغتيال الرئيس الراحل ياسر عرفات، ثم بالهزيمة النسبية لمرشحي "فتح" بالانتخابات المحلية، الى الهزيمة الكبيرة في الانتخابات التشريعية، الى الهزيمة المدوية إثر الاندحار أمام حركة حماس في غزة، كل واحدة من هذه الهزائم شكلت زلزالا يفرض إجراء تقييم جوهري وتغييرات جذرية. تكون كفيلة بمعالجة الأخطاء والخطايا والثغرات والنواقص التي أدت إليها، ومع ذلك لم تقم حركة فتح بأي تشخيص فضلا عن المعالجة لما جرى.

أكبر شاهد على استمرار مراوحة حركة فتح مكانها، فشل المحاولات الرامية لعقد المؤتمر السادس، حيث مضى أكثر من عامين على الاستعدادات والإعلانات حول عقد المؤتمر، وفي كل مرة يتم تأجيل البت، بعقده، الى اشعار آخر.

 

ومنذ عدة أيام تشهد العاصمة الأردنية عمان، المحاولة الأخيرة للاتفاق على عقد المؤتمر، ويتوقف نجاح هذه المحاولة على مدى القدرة لحل العقبات التي تحول دون ذلك، وهي:

أولا: موعد ومكان عقد المؤتمر، وتحديدا داخل فلسطين أو في الخارج حيث هناك خلافات حول مكان عقده بين قيادات "فتح" في الخارج، وقيادات "فتح" بالداخل، وقبل نهاية العام أو بعد تحقيق إنجاز على صعيد المفاوضات أو غيره.

ثانيا: حجم المشاركة في المؤتمر، وكيفية التمثيل خصوصا لجهة العدد فهناك من يرى الاكتفاء بمشاركة 900 -1500 فتحاوي، وهناك من يطالب بمشاركة الآلاف لضمان تمثيل القيادات الجديدة والشابة التي حرمت من المشاركة في الهيئات القيادية نظرا لعدم عقد المؤتمر منذ عام 1989، وحتى الآن، وهي فترة كان يجب عقد عدة مؤتمرات فيها، كل واحد منها يمنح فرصة للتقييم والمراجعة والمحاسبة والتجديد والتغيير والإصلاح بما يضمن ضخ دماء جديدة الى الهيئات والقيادات التي تتربع على رأسها قيادات بلغ معدل العمر الزمني لها سبعين عاما ويزيد.

كما تثار في مسألة المشاركة نقطة في منتهى الأهمية هي حجم تمثيل الداخل والخارج، فهناك وجهتا نظر الأولى ترى بأن التمثيل يجب أن يكون متساويا بين ممثلي الداخل والخارج، ووجهة نظر ثانية ترى أن الكفة يجب أن تميل كثيرا لصالح ممثلي الداخل الذين عانوا من ضعف تمثيلهم منذ انطلاقة حركة فتح التي عقدت كافة مؤتمراتها في الخارج، حين كان مركز قيادة حركة فتح والحركة الوطنية الفلسطينية في الخارج.

ثالثا: الخلاف حول البرنامج السياسي، فلم يعد سرا أن أكثر من صيغة للبرنامج السياسي قد قدمت نظرا للخلافات بين من يريد تغيير برنامج "فتح" لينسجم أكثر مع مرحلة اتفاق أوسلو والالتزامات التي التزمت بها المنظمة والسلطة مع اسرائيل، بحيث يتم إسقاط المقاومة بشكل نهائي لصالح اعتماد المفاوضات كأسلوب وحيد لحل الصراع، وبين من يريد إبقاء الخيارات متعددة أمام حركة فتح، لأن المفاوضات فشلت ومرشحة للمزيد من الفشل، وحركة فتح دفعت ثمن هذا الفشل غاليا، لأنها هي التي حملت على أكتافها أعباء خيار السلام ودافعت عن المفاوضات الفاشلة.

ومن المفيد ذكره أن الرهان على إحراز المفاوضات تقدما، تتسلح به القيادة وتذهب به الى مؤتمر "فتح" أولاً والانتخابات الرئاسية والتشريعية ثانياً، هو من أهم الأسباب التي حالت دون عقد المؤتمر حتى الآن. فالذهاب الى المؤتمر بدون إنجاز وبعد الهزائم المريرة سيعرض القيادة الى انتقادات واسعة وعنيفة قد تؤدي الى انقسامات أو هزات كبيرة، حركة فتح في غنى عنها، فيكفيها ما تمر به بدون مشاكل إضافية.

رابعا: غياب القيادة الموحدة القوية المنسجمة لحركة فتح، فقد رحل ياسر عرفات وترك فراغا كبيرا، وفوضى كبيرة التي كان يعرف وحده كيف يتعامل معها، وكيف يحافظ على الإمساك بأوراق السلطة والقوة، ورغم مرور ثلاث سنوات على رحيله، لم يتم ملء هذا الفراغ، ولا معالجة هذه الفوضى، فلم يظهر قائد قوي جديد محل إجماع أو قيادة تعمل بشكل جماعي، بل أصبحت (فتح) "حارة كل من ايده إله"، كل شيء فيها ممكن وغير ممكن، وكل شخص يعمل ما يحلو له بدون الخشية من الحساب، والرسائل، كما نقل على لسان فتحاوي أصيل، ترسل ولا تصل، بينما كانت في السابق واضحة المرسل والمرسل إليه، وتصل بغض النظر عن صحتها أو خطئها.

فهناك خلافات عديدة داخل "فتح" حول توزيع الأدوار والحصص ومراكز النفوذ والمكاسب وحول دور القيادات التاريخية والقيادات الشابة، وحول تحميل المسؤولية عن الهزائم، أبرزها الخلاف بين الرئيس أبو مازن، وأبو اللطف القائد المؤسس في حركة فتح، والذي يطرح ضرورة الفصل ما بين المناصب القيادية الثلاثة: رئيس م.ت.ف، رئيس السلطة، رئيس حركة فتح. واللافت أن الخلاف على البرنامج السياسي بما في ذلك حول المفاوضات والمقاومة واستعادة البعد العربي والدولي للقضية الفلسطينية العادلة، وحول أولوية إنهاء الانقسام واستعادة الوحدة، واللجوء أو عدم اللجوء الى الأمم المتحدة والقانون الدولي والشرعية الدولية، لا يأخذ الأهمية التي يستحقها ويتراجع في أهميته ويأخذ مكانه في ذيل القضايا المختلف عليها.

إن حركة فتح صاحبة الانطلاقة، أول الرصاص وأول الحجارة، وقادت الثورة الفلسطينية و م.ت.ف طوال عشرات السنين، وهي التي رفعت لواء البرنامج الوطني، وتبنت مقولة إن الشعب الفلسطيني هو من يجب أن يتولى قضيته بنفسه، وبادرت لتحقيق ذلك ونجحت، لذا فإن دورها مهم جدا لمواجهة التحديات الجسيمة التي تهدد القضية الفلسطينية، الى الحد الذي لا نبالغ فيه القول إن مصير هذه القضية يتوقف الى حد كبير على الكيفية التي ستتعامل فيها "فتح" مع أزمتها، التي هي أزمة الحركة الوطنية الفلسطينية برمتها، فإذا اختارت إخفاء رأسها بالرمال، والتعامل، وكأن ما حدث أخطاء بسيطة، أو لا يمكن تجنبها، ولم تمسك بزمام المبادرة من خلال إحياء المشروع الوطني الغائب الأكبر عن كل ما يجري، وإعادة القضية الوطنية والكفاح من أجلها الى الصدارة والى الأولويات.

أما إذا استمرت حركة فتح تراوح في مكانها، فعليها وعلى الحركة الوطنية السلام، فبدون "فتح" لا تستطيع الحركة الوطنية أن تحلق الى الأعالي وبسرعة وبقوة، وبدون "فتح" لا يمكن بناء التيار الوطني الديمقراطي بقوة وعلى أسس سليمة، بحيث تجعله يأخذ مكانه القيادي الى جانب التيار الإسلامي، الذي صعد قبل أوانه، وحمل لواء التغيير والإصلاح ولم يستطع أن يحقق أهدافه، ولا ملء الفراغ.

فهل تجرؤ "فتح" وتقدر على تجاوز أزمتها؟

 

 

مشاركة: