الرئيسية » هاني المصري »   15 كانون الأول 2007

| | |
هل تجرؤ القيادة الفلسطينية على ربط المشاركة في المفاوضات بوقف الاستيطان؟
هاني المصري

 

عندما بحث الرئيس أبو مازن والوفد المفاوض، وبعض المقربين من القيادة، الموقف المفروض اتخاذه، رداً على قرار حكومة اولمرت بالمضي في بناء أكثر من 300 وحدة استيطانية في "مستوطنة ابو غنيم"، رغم التهديد الفلسطيني بمقاطعة المفاوضات، ظهر رأيان: الاول طالب بتنفيذ التهديد بالمقاطعة وعدم الذهاب الى جلسة المفاوضات الاولى، حتى تلمس اسرائيل جدية الموقف الفلسطيني بمقاطعة المفاوضات اذا تواصل الاستيطان.. ويراهن أصحاب هذا الرأي على أن إحداث ازمة في المفاوضات عشية مؤتمر باريس الاقتصادي وقبيل زيارة بوش الى المنطقة، يمكن أن يحرّك العالم للضغط على إسرائيل لوقف الاستيطان..


الثاني؛ طالب بالذهاب الى جلسة المفاوضات، وحصر البحث فيها وربط مصيرها بوقف الاستيطان، على أساس أن المشاركة وحدها تضمن حشد الدعم الدولي للموقف الفلسطيني، وترفع نسبة نجاح مؤتمر باريس الاقتصادي، المؤمل ان يقدم دعما سخياً للسلطة الفلسطينية، يساعدها على تلبية احتياجاتها، والتخفيف من المعاناة الخانقة التي يعيشها الفلسطينيون.

وانتصر الرأي الثاني، وذهب الوفد المفاوض الى الاجتماع الاول، وحُصِر الاجتماع ببند واحد، هو وقف الاستيطان، وهدّد بمقاطعة المفاوضات اذا استمر الموقف الاسرائيلي على حاله.. ففوجئ بأن الوفد الاسرائيلي رفض الطلب الفلسطيني وشنّ هجوماً معاكساً عنوانه: ضرورة قيام الفلسطينيين بواجباتهم بموجب خارطة الطريق قبل التفاوض على القضايا الجوهرية، وقبل مطالبة إسرائيل بالوفاء بالتزاماتها.. فهل تجرؤ القيادة الفلسطينية على تنفيذ تهديدها بمقاطعة المفاوضات في ظل استمرار الاستيطان؟؟

خير تلخيص لما حصل في الجلسة الاولى للمفاوضات، ما صرّح به مارك ريفيف، الناطق باسم رئاسة الحكومة الاسرائيلية، حين قال: "عبَّروا عن بواعث قلقهم، وعبّرنا عن بواعث قلقنا، أثاروا مسألة استمرار بناء المستوطنات، واسرائيل قالت إن على الفلسطينيين أن يبذلوا جهوداً أكبر في المسائل الامنية، بما في ذلك غزة، وكذلك الضفة الغربية، حيث اعتقل مؤخراً ثلاثة رجال شرطة فلسطينيين بتهمة قتل اسرائيلي".

إذاً، واحدة بواحدة، وانتهى الاجتماع الى الاتفاق على جلسة أخرى بعد الأعياد، وتحديداً في الثالث والعشرين من الشهر الجاري، على امل اتضاح الموقف الاسرائيلي من المطلب الفلسطيني بوقف الاستيطان.

دون موقف فلسطيني ضد استمرار الاستيطان على مستوى التحدي، لا يكون المفاوض الفلسطيني قد تعلّم شيئاً من المفاوضات منذ اوسلو حتى الآن.

أخشى ان تذهب التهديدات الفلسطينية بمقاطعة المفاوضات، اذا استمر الاستيطان، أدراج الرياح، ويقع المحظور مرّة أخرى، وهو أن المفاوضات تسير جنباً الى جنب، مع استمرار الاستيطان والجدار والعدوان العسكري بكل اشكاله، بما في ذلك الاقتحامات اليومية والاغتيالات والمجازر، والاعتقالات والحصار وتقطيع الأوصال، وخنق غزة، وفصل القدس، وهذا يعني ان المفاوضات تتحول عملياً الى غطاء لما تقوم به إسرائيل على الأرض.

واذا اضفنا الى ما سبق ان حكومة اولمرت لا تنوي التفاوض على كافة القضايا الجوهرية، بدليل انها رفضت في أنابوليس، وفي الاعلان المشترك، تسمية هذه القضايا، وهي تصرّ على ان قضية اللاجئين غير مدرجة أصلاً على جدول الاعمال، واذا أصر الجانب الفلسطيني على إدراجها، فإن إسرائيل تصر على إدراج ضرورة الاعتراف بيهودية اسرائيل. كما اظهر رد كافة اطراف الحكومة الاسرائيلية على الرفض الفلسطيني لاستمرار الاستيطان، من المعتدلين امثال حاييم رامون الى المتطرفين امثال افيغدور ليبرمان، ان هناك موقفاً اسرائيلياً متماسكا يصرّ على استمرار الاستيطان في القدس، كانعكاس للموقف الاسرائيلي لرفض التفاوض حول القدس. فالمطروح والممكن إسرائيلياً، في احسن الاحوال، وبعد زمن غير محدد التخلي عن بعض الاحياء العربية في القدس الشرقية، حتى لا تمس، بسكانها العرب، بيهودية اسرائيل.

ولا تنحصر المشكلة في كل ما سبق فقط، في الاستمرار بتوسيع الاستيطان في القدس، بل إن حكومة أولمرت شرعت، قبل انابوليس وواصلت بعده، في تبييض ما يسمى البؤر الاستيطانية غير القانونية في القانون الاسرائيلي، وذلك من خلال توسيع مساحة المستوطنات الكبيرة، بحيث تصبح البؤر العشوائية ضعف مساحتها، وتصبح حينها شرعية.. وهذا امر لا أطلقه جزافاً، بل أكدت عليه نتائج اجتماع اللجنة الحكومية الاسرائيلية المعنية بالبؤر العشوائية، وما لم تقم به الحكومة الاسرائيلية يتولاه المستوطنون، حيث أعلنوا عن عزمهم بناء ثماني بؤر استيطانية جديدة. لا يتبقى بعد ذلك من القضايا الجوهرية سوى مسألة الحدود، والموقف الاسرائيلي منها يتعمق باستمرار، وهو أن حدود الدولة الفلسطينية العتيدة هي حدود الجدار، اما المستوطنون الذين داخل الجدار فاقترح ايهود باراك، وزير الحرب الاسرائيلي، أن يُقرّ قانون في الكنيست يقضي بتعويضهم عن إخلائهم من أماكن سكناهم الحالية.

تأسيساً على ما تقدم، الى اين يمكن أن نصل اذا استمر المسار السياسي الحالي، والذي عنوانه الابرز: مفاوضات بدون تقدم، لا في القضايا الانتقالية ولا النهائية، ومفاوضات بلا مرجعية.. على اعتبار ان مرجعيتها الوحيدة هي ما يتفق عليه وخارطة الطريق، التي تحاول إسرائيل أن تجعلها وفق القراءة الاسرائيلية لها.. أما التعويل على الطرف الاميركي كحَكم، وعلى أن الرئيس بوش سيتدخل شخصياً في المفاوضات، فلا معنى له، وهو سيتحقق، كما تحقق سابقاً في أنابوليس وقبل أنابوليس، عبر تركيز الضغط كله تقريباً على الفلسطينيين.

الجواب على سؤال اين سنصل هو: سنصل حتماً اذا استمر الحال على ما هو عليه الآن الى: إما مفاوضات تدور لسنوات، او نخضع لما تريده اسرائيل من حلول تصفوية تتم تغطيتها بإقامة دولة على جزء من الاراضي المحتلة عام 1967، دون أن تملك من مقومات الدول سوى الاسم، او تفرض إسرائيل هذه الدولة بالقوة، وعبر خطوة أحادية الجانب تُسمى "انطواء"، أو "فصل"، أو أي اسم آخر، مثلما فعلت بخطوة فك الارتباط عن قطاع غزة.. وهنا من المفيد تذكّر كيفية تدرج تحوّل الموقف الفلسطيني من خطة شارون لفك الارتباط عن غزة.. في البداية رُفِضت من الكل الفلسطيني، واعتُبِرت خطوة الى الوراء في غزة من اجل تعميق الاحتلال والاستيطان في الضفة، ومحاولة قطع الطريق على حل عادل أو متوازن للقضية الفلسطينية، ثم تحولت، بقدرة قادر، الى انتصار يتسابق الجميع، تقريباً، بنَسْبِه إليه، وفي اعتبار أنه تحقق بفضل المقاومة.. وأخذ الجانب الفلسطيني، بعد ذلك، يلهث وراء التنسيق مع إسرائيل حول هذه الخطوة. وانتهى الامر الى كارثة، بتحويل غزة الى أطول وأكبر سجن في التاريخ.

مرة أخرى؛ المفاوضات في ظل الامر الواقع الماثل لصالح الاحتلال، وموازين القوى المختلفة لصالح اسرائيل، وفي ظل التأييد الاميركي الواضح جداً لإسرائيل، وبعد بعثرة أوراق القوة والضغط، الفلسطينية والعربية، الى أين يمكن أن تفضي، ستؤدي الى خضوع للمحتل، أو الى مفاوضات عبثية، تدور حول نفسها، وتغطي على الحقائق التي تقيمها اسرائيل على الارض.

القيادة الفلسطينية بين نارين، نار الضغوط الاميركية والاسرائيلية، والى حدٍّ ما الدولية، التي تطالبها بالانخراط بالمفاوضات، رغم كل الملاحظات الجوهرية عليها، على أمل تحسين شروطها من الداخل والحصول على الدعم الدولي، خصوصاً الاقتصادي، التي هي في أمسِّ الحاجة إليه.. ونار ضغط الرأي العام الفلسطيني، الذي لا يريد أن يدخل مرّة أخرى في قصة مفاوضات، معروفة نتيجتها سلفاً، وأنها عبثية، ستقود الى انفجارات جديدة، إمّا داخل الوضع الفلسطيني، أو إلى انتفاضة ثالثة ضد الاحتلال، لأن كل الدعم الاقتصادي المطروح لن يمكّن السلطة من تجاوز أزمتها الاقتصادية، كما جاء في تقرير دولي صدر بالأمس، وذلك إذا استمرّ العدوان والحصار والإغلاق، ومنع حرية الأفراد والبضائع من الحركة، عبر إغلاق المعابر..

إن الذي يعتمد خياراً واحداً، ويرى البدائل والخيارات الأخرى، يقع ضحية، وتحت رحمة خصمه أو عدوّه، الذي سيكون مطمئناً الى سلوكه، وأنّه لا مفرّ أمامه، في النهاية، سوى القبول بما يعرضه عليه، أو الاكتفاء بالتنديد والاحتجاج، والشكوى لمَن كان الخصم والحَكَم، وهي الإدارة الأميركية..

يجب أن يكون هناك بديل عن السياسة الفلسطينية الحالية، بديل يرفض الجمع ما بين الاحتلال والمفاوضات والعدوان والاستيطان والجدار.. بديل لا يكتفي بالتهديد بمقاطعة المفاوضات، وإنما يقاطعها فعلاً، ولا يعود لها إذا استمرت المجازر والتوسع الاستيطاني وبناء الجدار.. بديل يعيد الاعتبار للمقاومة المستمرة، ومقاطعة الاستيطان، ويصرّ على عدم التطبيع، ويتمسك بالأساس القانوني والسياسي المستند للشرعية الدولية لحل القضية الفلسطينية، ولا يهبط بهذا الأساس مرحلة وراء مرحلة، من تبادل الأراضي الى قبول ضم الكتل الاستيطانية، الى الأحياء اليهودية في القدس الشرقية لإسرائيل، الى الدخول الى مفاوضات مرجعيتها خارطة الطريق، حتى دون إلزام إسرائيل بخارطة الطريق الدولية.. بديل يسعى لاستعادة البعد العربي والدولي والانساني العادل للقضية الفلسطينية..

وأخيراً؛ آمل أن يحسم الرئيس الفلسطيني والوفد المفاوض، القرار، ويكون رفض الذهاب الى الجولة الثانية من المفاوضات دون التزام إسرائيل بوقف الاستيطان وقفاً تاماً، وبإزالة البؤر العشوائية.. يجب أن تحدث أزمة جادة في المفاوضات قبل زيارة الرئيس الأميركي للمنطقة، الأمر الذي قد يجعله يمارس نوعاً من الضغوط على إسرائيل.. أما إذا جاء بوش والمفاوضات تسير، رغم كل شيء، فلن يكون أمامه سوى مباركة ودعم المفاوضات.

هل نجرؤ على رفض المشاركة في مفاوضات عبثية؟ هل نجرؤ على أن نكون بمستوى التحدّي؟

عنزة ولو طارت

كنتُ أتوقّع أن يأتي ردّ الدكتور رياض المالكي، وزير الإعلام بالأصالة، والخارجية بالوكالة، على مقالي "الوزير المتسرّع والوزير الحكيم"، وعلى المقالات الأخرى، حكيماً، بحيث يعترف بالخطأ المزدوج الذي ارتكبته الحكومة، بمنع المسيرات والاجتماعات والمؤتمرات، بما فيها المؤتمرات الصحافية من جهة، والقمع المفرط الذي واجهت فيه المسيرات بمناسبة انعقاد "مؤتمر أنابوليس" من جهة أخرى، ولكن الوزير عاند وركب رأسه، وحاول جاهداً أن يوجِد فارقاً ما بين المبدأ (قرار الحكومة)، والنتيجة (قمع المسيرات بشدّة)، دون جدوى..

لقد ركب وزير الإعلام رأسه على طريقة "عنزة ولو طارت"، رغم أن القمع طال الصحافيين، والمارّة أيضاً.. فلم يكتف بأنه حمّل المُعتَدى عليهم المسؤولية لما حصل لهم، لأنهم تحدّوا قرار الحكومة، بل يصرّ على أن الديمقراطية تقوم على احترام قرارات الحكومة، ويتجاهل أن منع وقمع المسيرات قرارات مخالفة للقانون الأساسي والقوانين المرعية، خصوصاً ما دامت السلطة لم تعلن حالة الطوارئ.. فليس من حق الحكومة تعطيل المواد في القانون الأساسي، التي تضمن الحق بالتعبير عن الرأي بكافة الأشكال الشرعية..

لو احترمت الشعوب على مدار التاريخ قرارات الحكام القمعية، التي تضرّ بمصالحها وحقوقها، وتمسّ بحقوق الانسان وحرياته الأساسية، لما تقدمت البشرية قيد أنملة، ولما كان هناك شيء اسمه الديمقراطية وحق التعبير عن الرأي والرأي الآخر، وحق التظاهر، وحق الأقلية بالتعبير عن رأيها بكل حرية، جنباً الى جنب مع حق الأغلبية بأن تحكم..

يهمني في نهاية هذا التوضيح، أن أؤكد للزميل رياض المالكي، بعدم وجود أي موقف شخصي منه، ولا يحركني في موقفي هذا سوى الدفاع عن التجربة الديمقراطية الفلسطينية، التي يكفيها ما تعرضت له من ضربات موجعة في العام الأخير.. وأظنّه يعرف أن لا مطمح شخصياً لي، فأنا اعتذرت عن المشاركة في الحكومة منذ اليوم الأول بعد انقلاب "حماس"، مع تمنياتي لها بالنجاح.. ولا أزال أتمنى لها النجاح، رغم ملاحظاتي على سياستها وبرنامجها وأدائها بشكل عام، وأداء بعض الوزراء بشكل خاص، خصوصاً الوزراء الذين يرون كل شيء من زاوية ضيقة واحدة، اسمها الحرب على "حماس"، ونسوا أو تناسوا أن فلسطين تحت الاحتلال، وأن نجاح أو فشل أية حكومة يتحدد في مدى قدرتها على توفير مقومات الصمود، وتقليل الخسائر، والتقدم على طريق إنهاء الاحتلال وتحقيق الحرية والعودة والاستقلال.

 

 

مشاركة: