الرئيسية » هاني المصري »   01 حزيران 2009

| | |
"نداء الوحدة" بروفة قابلة للتطبيق
هاني المصري

 

"لم يكن التوصل "لنداء الوحدة" الذي شاركت به عشرات الشخصيات الوطنية من مختلف المشارب والوان الطيف السياسي الفلسطيني بالأمر السهل. فكل شخص اراد ان يتضمن النداء اكبر قدر ممكن من وجهة نظره الشخصية، او من برنامج الحزب او الفصيل الذي ينتمي اليه، ولكن الهدف تحقق بعد اجتماعات صعبة كادت تفشل اكثر من مرة. لقد تم التوصل الى وثيقة مشتركة اهميتها الاساسية انها بروفة تبرهن وبالملموس، عن امكانية الاتفاق، اذا توفرت الارادة اللازمة. وجاءت الوثيقة لتشكل برنامجا واضحا بعيدا عن الصيغ التوفيقية التي تجمع ما بين المواقف والبرامج والمصالح المتضاربة بصورة فضفاضة حمّالة أوجه، يفسرها كل طرف كما يشاء. فالنداء وثيقة تجسد القواسم الوطنية المشتركة، والمصلحة العليا للشعب الفلسطيني.

في اول الاجتماعات التمهيدية التي سبقت التوصل الى "نداء الوحدة" طرحت آراء تقول ان المطلوب من المجتمعين فقط هو: "الدعوة والمناشدة، وفي اقصى الحالات الضغط على حركتي فتح وحماس من اجل الشروع بالحوار" ومن اجل دعوتهما الى "تهيئة الاجواء للبدء بالحوار وانجاحه من خلال اطلاق سراح المعتقلين ووقف الحملات الاعلامية التحريضية". الا ان الاغلبية الساحقة من المجتمعين انحازت الى ضرورة تقديم مبادرة متكاملة واضحة المعالم تجسد المصالح الوطنية العليا، التي من المفترض ان ترقى فوق المصالح الفردية والفئوية والجهوية والعائلية والفصائلية.

ان الاكتفاء بدعوة "فتح" و"حماس" للحوار تحول الفصائل والفعاليات الوطنية الاخرى، بل الشعب كله، الى "كومبارس" او مجرد "مستشارين"، في حين ان القضية المثارة، تخص الجميع، وعلى كل فرد وكل فصيل ان يقوم بعمل كل ما يستطيعه من اجل انهاء الانقسام واستعادة الوحدة. فالانقسام مدمر للقضية الفلسطينية، ومضر بالمشروع الوطني، ويضاعف معاناة الانسان الفلسطيني.

في هذا السياق اكد النداء في النقطة الاولى من عناصره على انه ينطلق من اهمية قيام دور فلسطيني ضاغط، ويستند الى اعلان القاهرة، ووثيقة الوفاق الوطني، ويشكل استمرارا وتطويرا لجميع الجهود والمبادرات الفلسطينية والعربية والدولية. فلا يعقل ان يقف الفلسطينيون مكتوفي الايدي، وفي حالة انتظار لما ستؤول اليه حالة الانقسام، او لما ستنتهي اليه الجهود العربية والدولية، بينما هم المتضررون من استمرار وتفاقم الانقسام، وهم الأوْلى بالتحرك العاجل والمستمر، والمطلوب منهم امساك زمام المبادرة من اجل انهاء الانقسام، بأسرع وقت ممكن، وبالطرق الديمقراطية وبصورة تحقق المصالح والاهداف الفلسطينية.

البرنامج الوطني والشراكة حجر الزاوية

ان النقطة الثانية التي تميز "نداء الوحدة" عن غيره من المبادرات الفلسطينية والعربية والدولية انه لم يغرق في الاجراءات مثل تشكيل الحكومة، واصلاح الاجهزة الامنية، ...الخ وانما ركز على مسألتين بمنتهى الوضوح واعتبرهما حجر الاساس الذي يجب ان يستند اليه البناء القادم للوحدة الوطنية وهما: البرنامج الوطني والشراكة الوطنية. فأي قارئ مدقق للنداء يرى انه لم يكتف بترديد بعض العبارات العامة الفضفاضة التي حفلت بها البيانات والوثائق والمبادرات السابقة، وانما قطع خطوات كافية للتدليل على ان الاتفاق على البرنامج السياسي هو الامر الحاسم الذي بدونه لا يمكن الانتقال الى تشكيل الحكومة واصلاح الاجهزة الامنية ..الخ وبدون البرنامج لا يمكن قيام وحدة صلبة قادرة على البقاء، ولا تكون مجرد صلح عشائري سرعان ما ينهار. لذلك اكد النداء في المبادئ التي اوردها على ان الكفاح لانهاء الاحتلال وتحقيق الاهداف الوطنية هو الاساس، والنبراس الذي يجب ان يقود عمل القوى والفعاليات الوطنية. واكد "على ان الضفة الغربية وقطاع غزة وحدة جغرافية واحدة ترزح حاليا تحت الاحتلال، الذي لا يزول عن اي جزء منها الا بزواله عنها كلها" وعلى ضرورة كسر الحصار وفتح المعابر والاسراع بالاعمار، وعلى فتح ممر آمن حرّ بين الضفة وغزة، حتى لا يتعمق الانقسام ويتحول الى انفصال دائم.

واكد النداء على ان العدوان على شعبنا في غزة هو عدوان على الشعب الفلسطيني كله، ما يستدعي سياسة فلسطينية تتناسب مع متطلبات افشال اهداف العدوان، ودعا الى توافق وطني يرتكز على ركائز المصلحة الوطنية العليا، التي من المفترض ان تجمع الفلسطينيين، وتتجاوز كل ما هو فئوي وجهوي. وطالب القيادة بعمل كل ما يلزم لمحاسبة قادة وجنرالات اسرائيل على ما ارتكبوه من جرائم حرب وتعويض الشعب الفلسطيني.

كما اكد النداء في مبادئه الاساسية على ان المحافظة على الاساس الديمقراطي للنظام السياسي ركيزة اساسية للعمل الوطني. لذا دعا الى التوقف فورا عن جميع اشكال القمع والاعتقال السياسي، والى الافراج عن جميع المعتقلين السياسيين، والاقلاع عن التعذيب والقتل، ووقف الحملات الاعلامية التحريضية، والامتناع عن اصدار قرارات او مراسيم من شأنها تكريس وتعميق الانقسام.

الحوار الفوري بدون شروط

كما اكد النداء على ضرورة الشروع في حوار وطني شامل بمشاركة جميع الفصائل والاحزاب والفعاليات الوطنية (المغيبة دائما وكان شعبنا يضم فصائل فقط)، وعلى ان هذا الحوار يجب ان يتم فورا وبدون شروط من اجل التوصل الى توافق وطني على ان يكون رزمة واحدة، يتم تطبيقها بالتوازي وضمن جدول زمني متفق عليه. وهذا يعني ان النداء انحاز الى ما يحقق المصالح والتطلعات الفلسطينية، ولم يوفق بين الاراء المختلفة بصورة اعتباطية. فالنداء دعا الى حوار فوري رغم ان هناك من يدعو الى تحقيق شروط قبل البدء بالحوار. وهناك من يريد حوارا ينتهي بسرعة الى الاتفاق على تشكيل حكومة والذهاب الى انتخابات رغم ان ذلك لا يحل المشاكل الاساسية التي تستوجب اتفاقا عليها بحيث يكون رزمة واحدة تطبق بالتوازي والتزامن.

ان النداء انحاز الى ضرورة الاتفاق الكامل على اساس سياسي واضح، وبما يضمن الشراكه الوطنية وليس المحاصصة الفصائلية، وتحديد جدول زمني متفق عليه للتطبيق. ومن النقاط الهامة جدا في البيان، انه اكد على حق الشعب الفلسطيني وواجبه في مقاومة الاحتلال، على ان يمارس هذا الحق في اطار التوافق الوطني والقانون الدولي، وبما يخدم القضية الوطنية وهدف الاستقلال.

كما انه طالب بوضوح كامل، بايقاف المفاوضات الثنائية على اساس مسار انابوليس وخارطة الطريق، وايجاد مقاربة جديدة للمفاوضات تضمن وقف الاستيطان والعدوان والحصار، وتستند الى القانون الدولي وقرارات الامم المتحدة، وتهدف لتطبيقها وليس التفاوض حولها، والى انجاز حقوقنا الوطنية. فالنداء ليس ضد المفاوضات من حيث المبدأ، وانما ضد المفاوضات التي بدون مرجعية وغير القادرة على تحقيق الاهداف الوطنية، والتي استخدمتها اسرائيل للتغطية على سياستها بخلق الحقائق على الارض التي تفرض الحل الاسرائيلي تدريجيا وبدون انتظار نتيجة المفاوضات.

فالنداء يدعو الى استراتيجية تجمع ما بين المفاوضات المثمرة والمقاومة المثمرة.

ومن اهم عناصر النداء انه دعا الى تشكيل حكومة وطنية فلسطينية متفق عليها، مع انه لم يحدد شكلها (حكومة وحدة وطنية او وفاق وطني) لان الاهم هو ان تلتزم ببرنامج يجسد الحقوق الوطنية الفلسطينية، وبالقانون الدولي وقرارت الامم المتحدة، بعيدا عن شروط اللجنة الرباعية الدولية المجحفة للتعامل مع هذه الحكومة، على ان تكون حكومة قوية وقادرة على توحيد شطري الوطن في الضفة وغزة، تحضر لاجراء انتخابات تشريعية ورئاسية، توقف التنسيق الامني، وتقوم باصلاح الاجهزة الامنية لكي تكون اجهزة امنية تخدم الوطن والمواطن وتخضع لسيادة القانون بعيدا عن الحزبية.

فالحكومة يجب ان تلبي اساسا المصالح الفلسطينية وتحظى بثقة الشعب الفلسطيني، لا ان ترضى عنها اللجنة الرباعية الدولية. ثم عليها ان تلتزم بالقانون الدولي وقرارات الامم المتحدة كونها تلبي الحد الادنى من الحقوق الفلسطينية بما فيها حق العودة وحق الشعب الفلسطيني بتقرير المصير واقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس.

الحفاظ على وحدانية تمثيل المنظمة

ولم يسقط النداء اهمية الحفاظ على م.ت.ف ووحدانية تمثيلها، وفاء لنضال شعبنا وتضحياته، بدون وضع شروط على ذلك، ولكن بما يوجب ضرورة تأكيد وتطبيق الالتزام بالعمل من اجل اصلاح وتفعيل واعادة تشكيل المنظمة بحيث تضم وتشمل وتعبر عن مصالح وتطلعات الشعب الفلسطيني بمختلف شرائحه وفئاته، كما يتطلب اجراء انتخابات للمجلس الوطني على كافة المستويات الشعبية والنقابية على اساس التمثيل النسبي الكامل، حيثما امكن في كافة تجمعات الشعب الفلسطيني لتشكيل مجلس وطني جديد، يعبر عن الشعب الفلسطيني بمختلف شرائحه واطيافه واحزابه.

كما تطرق النداء الى ضرورة وضع السلطة الوطنية في مكانها الطبيعي، كترتيب انتقالي نحو انشاء الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس كاملة السيادة، بحيث تكون خاضعة للبرنامج الوطني ولمرجعيتها م.ت.ف الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني والتي تقود نضاله نحو العودة وممارسة حق تقرير المصير والحرية والسيادة والاستقلال.

حتى لا يكون النداء مجرد صرخة

واخيرا ان اهم ما يميز النداء، انه لم يبدأ ولن ينتهي في لحظة الاعلان عنه، وانما تم تشكيل لجنة للمتابعة كخطوة في سياق متكامل، يهدف اساسا الى بلورة تيار سياسي جماهيري ضاغط متصاعد من اجل العمل على انهاء الانقسام واستعادة الوحدة خلال سقف زمني.

فالنداء مبادرة، كما تنص الخطوط العامه لخطة العمل، مفتوحة لمشاركة كل من يوافق عليها، وسيجري العمل لتحقيق اهدافه من خلال ممارسة كل الاشكال السياسية والجماهيرية، من الاعتصام الى المظاهرة الى الاجتماعات الموسعة والمؤتمرات الشعبية ...الخ الى عقد الاجتماعات مع جميع المعنيين مثل الاخ الرئيس وقادة "فتح"، وقادة "حماس"، وقادة كافة الفصائل والاحزاب والفعاليات الوطنية، من اجل اقناعها بالمساهمة الايجابية في الجهود الرامية لتحقيق اهداف "نداء الوحدة".

كما لم يسقط النداء اهمية الاتصال بالاطراف العربية والدولية المعنية والمؤثرة على الوضع الفلسطيني من اجل اقناعها ودفعها لبذل كل ما تستطيعه لانهاء الانقسام المدمر للقضية الفلسطينية، التي لا تزال حية، رغم كل شيء، وعادت بعد العدوان الاسرائيلي الهمجي على قطاع غزة، الى الصدارة مجددا. فهل نغتنم الفرصة أم نبددها ؟؟!

 

مشاركة: