الرئيسية » هاني المصري »   05 نيسان 2009

| | |
المشاركة في القمة الثلاثية أهون الشرين
هاني المصري

منذ عدة أسابيع تتضارب الأنباء حول عقد القمة الثلاثية بين اوباما وعباس ونتنياهو، والمفترض أن تعقد على هامش انعقاد الجمعية العامة للأمم المتحدة.

في لحظة من اللحظات بدا ان انعقاد القمة محسوم لدرجة ان مصدراً مسؤولاً فلسطينياً وافق على عقدها على اساس التفريق ما بين اللقاءات والمفاوضات، اي انها ستعقد بغض النظر عن الموقف الاسرائيلي من تجميد الاستيطان !!

ورحب نتنياهو في حينه بنفسه، بالموافقة الفلسطينيية على المشاركة في القمة الثلاثية.

وفي الايام الاخيرة، ظهر ان هناك تبايناً في الموقف الفلسطيني او تغيراً فيه. فهناك من يتحدث عن ضرورة التمييز ما بين المشاركة الضرورية في القمة الثلاثية لتوضيح الموقف الفلسطيني، وبين استئناف المفاوضات، الامر الذي يجب الا يحدث دون موافقة الحكومة الاسرائيلية على تجميد الاستيطان تجميداً كاملا ً والموافقة على حل الدولتين دون شروط.

الرئيس ابو مازن دخل على الخط وصرح اكثر من مرة انه لن يشارك في القمة اذا لم تكن هناك ضمانات بالتزام اسرائيل بتجميد الاستيطان وحل الدولتين، وذلك لكي يساعد ادارة اوباما على تحقيق مطلبها بتجميد الاستيطان.

ان الامر المؤكد ان الدعوة لم توجه لعقد القمة حتى الآن، وهذا ما يتفق عليه الطرفان الفلسطيني والاسرائيلي. فالإدارة الاميركية بانتظار الاتفاق مع حكومة نتنياهو على مسألة الاستيطان قبل ان توجه الدعوة، لأنه دون اتفاق اميركي ــ اسرائيلي على تجميد الاستيطان من الصعب عقد القمة الثلاثية.

ان المباحثات الاميركية ــ الاسرائيلية تسير باتجاه الاتفاق، ولكن ليس على تجميد تام للاستيطان، كما طالبت ادارة اوباما، وانما على تجميد او "ارجاء" مؤقت وجزئي للاستيطان. واذا قبلت الادارة الاميركية بهذا الحل المشوه، فهذا يدل على أنها ليست بوارد الضغط الجدي على اسرائيل ولسان حالها يقول "شيء افضل من لا شيء"، واستئناف المفاوضات لا يتطلب تجميداً كاملاً للاستيطان، وهذا يكون الخضوع الأول من ادارة اوباما لحكومة نتنياهو، وهو لا ينبئ بالخير بالنسبة لمستقبل عملية السلام.

بعد ان يتم التوصل لاتفاق ستوجه الادارة الاميركية الدعوة للقمة الثلاثية على اساس ان هذا يسمح باستئناف المفاوضات، وعندها سيكون الموقف الفلسطيني في وضع صعب.

فاذا شارك الرئيس الفلسطيني بالقمة رغم عدم تجميد الاستيطان تجميداً تاما، وعدم رفع الشروط التعجيزية على موافقة اسرائيل على قيام الدولة الفلسطينية، وفي ظل استثناء القدس والوحدات الاستيطانية قيد البناء والمرافق العامة، وبعد أن صادق نتنياهو على بناء مئات الوحدات الاستيطانية لاسترضاء المستوطنين عشية الاتفاق مع الجانب الأميركي على التجميد المؤقت والجزئي للاستيطان التي أخذت اسرائيل "جواز مرور" لاستئنافه بعد انتهاء المده المتفق عليها، سيبدو أبو مازن بصورة المتراجع عن موقفه وخصوصاً اذا كانت المشاركة في القمة ستقود الى استئناف المفاوضات دون تلبية الالتزامات الدولية المقررة على اسرائيل منذ طرح خارطة الطريق عام 2003 حتى الآن، هذه الخارطة التي وضعت اسرائيل 14 تحفظاً عليها نسفتها من الجوهر. إن التاريخ يعيد نفسه فاسرائيل تحقق جوهر ما تريد و ما على الفلسطينيين سوى الرضوخ قابلين أو رافضين.

واذا استؤنفت المفاوضات دون التزام اسرائيل بمرجعية واضحة وملزمة تقضي بإنهاء الاحتلال وتنفيذ القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة ذات الصلة، فإننا سندخل في حلقة مفرغة جديدة من المفاوضات حول المفاوضات التي توظفها اسرائيل لكسب الوقت واستكمال تطبيق المشاريع الاستعمارية الاستيطانية العنصرية التي تخلق امراً واقعاً يجعل الحل الاسرائيلي هو الحل الوحيد الممكن والمطروح عمليا.

واذا رفض الرئيس المشاركة في القمة الثلاثية سيفقد ثقة الرئيس الاميركي باراك اوباما ويمكن الحكومة الاسرائيلية من التملص من الاصطفاف الدولي الذي تبلور حول ضرورة التزام اسرائيل بتجميد الاستيطان والموافقة على حل الدولتين دون شروط تعجيرية.

هناك حل ثالث يمكن ان يقدم مخرجاً لابو مازن وهو يتمثل بالمشاركة في القمة الثلاثية اذا تم توجيه الدعوة لعقدها مع تقديم النصيحة لإدارة أوباما بعدم الحاجة لها اذا لم تلتزم اسرائيل بالتجميد التام للاستيطان، وذلك تقديراً للخطاب الاميركي الجديد في عهد اوباما ولجهوده، وتشجيعاً له لتطبيق التزامه بحل الصراع، مع طرح الموقف الفلسطيني في القمة بقوة ووضوح، وعلى اساس رفض قاطع لاستئناف المفاوضات دون التزام اسرائيل بوضوح وعلناً بتجميد الاستيطان واقامة دولة فلسطينية على حدود 1967 ووقف كافة الاجراءات احادية الجانب التي يمارسها الاحتلال وتجحف تماماً بكافة قضايا التفاوض الاساسية.

ان المشاركة في القمة الثلاثية واستئناف المفاوضات دون التزام اسرائيلي واضح ومعلن بتجميد الاستيطان تجميدا تاماً سيوجه ضربة كبيرة للسياسة الفلسطينية بشكل عام، وللرئيس ابو مازن بشكل خاص، لأنه سيظهر أمام شعبه والعالم بمظهر العاجز وغير القادر على الالتزام بما يقوله، ولا بالحد الادنى الضروري لاستئناف عملية المفاوضات لكي تكون جدية وذات مصداقية.

ان بدء مرحلة جديدة من المفاوضات العبثية دون طرح مبادرة اميركية عادلة او متوازنة، وفي ظل تجميد شكلي جزئي ومؤقت للاستيطان، كلفته أكثر من عدم تجميده، سيأكل من رصيد القيادة الفلسطينية الذي تنامى بعد مجيء باراك اوباما الى البيت الأبيض وعقد مؤتمر "فتح" السادس واستكمال النصاب القانونية في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية.

ان ما سبق يذكر ويطرح بقوة مسألة غياب استراتيجية فلسطينية قادرة على دحر الاحتلال. استراتيجية قادرة ان توظف وقف المفاوضات في سياق بناء بديل جدي عن المفاوضات العبثية يفتح طريق الامل ويساعد على استئناف المفاوضات بصورة جديدة مختلفة كلياً عن المفاوضات السابقة، التي سارت في ظل غياب المرجعية الواضحة والملزمة، والتي ادت الى تآكل الموقف الفلسطيني دون مقابل. فاسرائيل بدلاً من التجاوب مع المساعي والمبادرات الرامية للسلام تتجه اكثر واكثر نحو التطرف والعدوانية والعنصرية والتوسعية.

دون استراتيجية جديدة قادرة على توحيد الفلسطينيين على اساس البرنامج الوطني "الغائب الأكبر" لا تملك "فتح" والمنظمة سوى قبول استئناف المفاوضات في اللحظة التي تقررها ادارة اوباما. فالسلطة تعتمد بالكامل في بقائها على الدعم العربي والدولي لها، فالمفاوضات غدت شرطاً لاستمرار هذا الدعم الذي دونه ستنهار السلطة.

ان الاستراتيجية القادرة على دحر الاحتلال واقامة الدولة الفلسطينية هي التي تجمع ما بين المفاوضات المثمرة والمقاومة المثمرة، والتي تضع السلطة والمنظمة وكل شيء في خدمتها، وهي القادرة وحدها على انهاء الانقسام وتوحيد الشعب الفلسطيني وتحقيق الانتصار بإنجاز الحرية والعودة والاستقلال !!

 

مشاركة: