الرئيسية » هاني المصري »   26 أيار 2007

| | |
مهلاً.. مهلاً السفينة الفلسطينية لم تغرق بعد!
هاني المصري

 

 قبل ثلاثة أيام بالضبط كتب جهاد الخازن وهو صحافي فلسطيني كبير، يحمل الجنسية اللبنانية، وتربطه علاقات قوية بالقيادات العربية، خصوصاً القيادة السعودية، مقالاً طالب فيه المملكة العربية السعودية بالدعوة لعقد قمة عربية طارئة تلغي الاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الوطنية الفلسطينية، وتضع الفلسطينيين في الأراضي المحتلة تحت وصاية مصر والأردن، ويتفاوض هذان البلدان مع إسرائيل لإنهاء الاحتلال. والحجة التي يستند إليها الخازن أن الفصائل أثبتت أنها غير مؤهلة للحكم، ولا يمكن أن تُؤتمن على أرواح الفلسطينيين ومستقبلهم.

وقبل يومين كتب صالح القلاّب الصحافي الأردني الكبير، وزير الإعلام السابق، وصاحب التجربة مع الثورة الفلسطينية وحركة "فتح" تحديداً، والذي تربطه علاقات وثيقة بالقيادتين الفلسطينية والأردنية مقالاً حول فكرة وصفها هو بنفسه بأنها فكرة جنونية وتدميرية مفادها إيقاع الطلاق بين الضفة وغزة بحكم التجربة المختلفة بينهما منذ العام 1948 وحتى الآن، وذلك عن طريق قيام السلطة بإنهاء وجودها في غزة، وأن تنسحب نهائياً إلى الضفة، وتترك "حماس" وشأنها لتقيم "دوقيتها" في غزة، لأنها "مستقتلة" على السلطة، ومستعدة لإقامتها ولو على حي الشيخ رضوان وحده. وهنا يجب ألا ينسى أحد، وأولهم القلاّب، أن الاحتلال هو الذي فصل غزة عن الضفة، بمنع حرية الحركة للأفراد والبضائع بين الضفة وغزة، وبفك الارتباط عن غزة وتحويلها إلى سجن كبير، هذا الأمر الذي تنافست الفصائل بتنظيم احتفالات به باعتباره نصراً وانسحاباً!! ويجب ألا ينسى القلاّب أن "حماس" تنظيم فلسطيني له في الضفة مثلما له بغزة، وإذا أرادت "حماس" غزة الآن فخطوة على طريق طويل. ورغم أن القلاّب ينسب الفكرة المجنونة لأوساط قيادية فلسطينية، إلا أنه يدافع عنها بشكل أو بآخر بقوله: "إنها فكرة جنونية وتدميرية، لكن الذين وصلت بهم الأمور إلى هذا الحد، يتساءلون عن البديل في ظل إصرار "حماس" على ما في رأسها وفي ظل عدم وجود قوة تستطيع التدخل لحسم الأمور والقضاء على المافيات والعصابات العائلية والعشائرية، والقضاء أيضاً على كل الميليشيات، وأيضاً في ظل الخوف من انتقال أوضاع غزة المتردية والبائسة إلى الضفة الغربية" أقول للقلاّب إن ما هو موجود في غزة موجود بالضفة بشكل أصغر.

 

والبديل موجود بمراجعة التجربة واستخلاص العبر والدروس وبلورة استراتيجية واحدة تعيد الاعتبار للمقاومة ذات الجدوى وإجراء الإصلاح والتجديد والتغيير في المنظمة والسلطة.

هذا ويذكر أن القلاّب نفسه كتب مقالاً قبل شهر قال فيه إن الخيار الأردني صفحة مطوية ولن تفتح مجدداً، والهدف الأردني هو نفسه الهدف الفلسطيني وهو إقامة الدولة الفلسطينية لأن في إقامتها مصلحة استراتيجية أردنية. فماذا عدا عمّا بدا؟!

بالتأكيد أن القلاّب بخبرته ومعرفته وعلاقاته يعرف أن فكرة فصل الضفة عن غزة وإقامة دولة في غزة، وبالتالي دولة أخرى في الضفة، ليست منطقية ولا عملية، لذلك هي تمهد عملياً، جهلاً أو قصداً، عن حسن نية أو سوئها، إلى البحث عن منقذ، وهذا المنقذ يمكن أن يكون أو يقود من ضمن ما يقود إليه إلى إحياء الخيار الأردني الذي بشرنا أنه دفن إلى الأبد. وقد يكون المنقذ إسرائيلياً أو عربياً أو دولياً. أليس كذلك؟

وإذا استعرضنا شريط الأحداث والأفكار المتداولة مؤخراً، وتحديداً ما بعد تجدد الاقتتال الفلسطيني، سنجد رواجاً لفكرة إحضار قوات دولية أو عربية إلى غزة، ولفكرة الحماية أو الوصاية الدولية على الأراضي المحتلة العام 7691، وسنجد حراكاً لافتاً من أوساط فلسطينية وأردنية حول فكرة الفدرالية والكونفدرالية الثنائية والثلاثية، كما نلاحظ انتعاشاً جديداً لأفكار حل السلطة أو التخلي عن برنامج دولتين لشعبين، والدعوة للعودة لبرنامج الدولة الواحدة ثنائية القومية.

أنا أيضاً، لا ألوم من يطرح هذه الأفكار على خطورتها وضررها البالغ على القضية الفلسطينية، وإنما ألوم من أوصلنا إلى الوضع الذي أصبحت فيه السفينة الفلسطينية على وشك الغرق، وأصبح ركابها بلا ظهر ولا حماية، وبعضهم يبحث عن طوق النجاة كل بمفرده.

لا يمكن، بجرّة قلم، أو تحت تأثير نزوة غضب إعادة عقارب التاريخ إلى الوراء عشرات السنين، بحيث يتم إلغاء الإنجاز التاريخي الأبرز الذي حققه الشعب الفلسطيني بنضال مديد وتضحيات غالية، بتوحيده حركته في إطار واحد هو م.ت.ف التي اعترف بها العالم كله كممثل وحيد للفلسطينيين، وهذه المنظمة التي جسّدت الوطن المعنوي وجسّدت الشخصية الوطنية.

لقد وصلنا إلى حالة أصبحت فيها المطالبة بإلغاء الاعتراف بالمنظمة، تتم على رؤوس الأشهاد وهذا يدق كل نواقيس الخطر ويتطلب التحرك الفلسطيني للإنقاذ قبل فوات الأوان إذا كانت الفصائل قد فشلت فليتم تغييرها والشعب الذي أوجدها قادر على تغييرها. وإذا فشلت القيادة فعليها ان ترتاح وتستبدل. وفشل القيادة والفصائل لا يعود إلى أنها غير مؤهّلة للحكم، بل لأنها حاولت أن تحكم، وتصوّرت أنها تستطيع أن تحكم سلطة وهي تحت الاحتلال وبينما يواصل الاحتلال عدوانه ومخططاته الاستيطانية والعنصرية تحت غطاء زائف اسمه عملية سلام. نحن بحاجة إلى قيادة تؤمن بأن الفلسطينيين لا يزالون تحت الاحتلال ويجب أن يوحدوا جهودهم ومقاومتهم لدحر الاحتلال. النقد يجب أن يوجه إلى الأوهام التي تعششت عند القيادة الفلسطينية وروّجت لها ودفعت إليها القيادات العربية التي سارت على أساس أن السلام هو الخيار الاستراتيجي الوحيد للعرب. النتيجة الوحيدة لهذه السياسة هي تمكين إسرائيل من التقدم على طريق القضاء على الخيار الفلسطيني عَبر خلق الحقائق الاحتلالية على الأرض ساعة بساعة ويوماً بيوم، بحيث تصبح إقامة الدولة الفلسطينية أمراً مستحيل التحقق، وذلك تحت سمع وبصر العالم كله، وعلى أساس انتشار الخديعة وأن القضية الفلسطينية قد حلّت أو هي في طريقها إلى الحل، ولا يبقى سوى تفاصيل وتنازع على الحدود والأراضي! المصارحة والمكاشفة تقتضي نقد اللهاث وراء عملية سلام لا يوجد فيها من السلام شيئ، وإعادة الاعتبار للمشروع الوطني الفلسطيني والعربي بعيداً عن التفريط والمهانة والتطرف والمغامرة. وعلى أستاذنا الكبير جهاد الخازن أن يعرف أن مصر والأردن أعطتا المسؤولية للمنظمة بعد أن عجزتا عن استعادة ما كان بحوزتهما مفضلتين حل قضاياهما الخاصة، بعمل معاهدات منفردة مع إسرائيل.

إن أفكاراً مثل فصل الضفة عن غزة، أو إحياء الخيار الأردني، أو حل السلطة أو التهديد بالدولة ثنائية القومية أو سحب الاعتراف بالمنظمة والسلطة ووضع الفلسطينيين تحت وصاية مصرية وأردنية، ما هي إلا أشكال من الهروب من مواجهة ما يتطلبه الواقع، ومن تحمّل المسؤولية، وهي أفكار تعبّر عن اليأس وعن العجز، وهي محاولة لإنقاذ بعض الأفراد والجماعات التي فشلت وتريد أن تبقى في الصورة، والصدارة، رغم الهزائم واختلاف الظروف والحكام والدول.

الضفة وغزة ليستا مشاعاً بلا أصحاب فهناك صاحب دفع الثمن غالياً جداً. وهي أراضٍ غير مطروحة للبيع أو لمن يأخذها فهي أراضٍ محتلة تكاد إسرائيل تستكمل استيطانها وتقطيع أوصالها، لكي تقوم بالتفاوض لتسليم ما تبقّى منها حوالي (05%) بعد ذلك لمن يقدم أكثر من الفلسطينيين والعرب. والأرض المحتلة كانت سابقاً ولا تزال حلالاً بلالاً لمن يستطيع تحريرها سلماً أو حرباً. أما إعطاء شرعية للاحتلال فهذا ليس إنقاذاً بل خراب. إذا وجد الفلسطينيون المستعدون لإقامة دولة فلسطينية ذات حدود مؤقتة على جزء من الأراضي المحتلة، وبحيث لا تملك هذه الدولة من مقومات الدول سوى الاسم، ويمكن أن ترتبط بعلاقات كونفدرالية مع إسرائيل أو الأردن أو مع كليهما، فهذا أفضل حل لأنه يتيح الادعاء بأن القضية الفلسطينية قد حلّت بغطاء فلسطيني.

وإذا لم يتوفر الفلسطينيون الذين يمكن أن يشكّلوا مثل هذا الغطاء، سيتم البحث عن غطاء عربي عَبر إعادة ضم الضفة إلى الأردن وغزة إلى الوصاية المصرية، أو صيغة خلاّقة أخرى.

وإذا لم يوجد الغطاء العربي والفلسطيني ستعود الأمور مرة أخرى إلى طبيعتها إلى الصراع بين شعب محتل وقوة الاحتلال. فإسرائيل لا تقدم، ولن تقدم على المدى المنظور على الأقل، عرضاً يمكن أن تقبله القيادة الفلسطينية الحالية ولا أية قيادة فلسطينية تحظى بثقة الشعب الفلسطيني، والمطلوب إزاء هذه الحقيقة بناء وحدة فلسطينية مدعومة عربياً وإسلامياً ومن كل الأحرار في العالم، ومن كل الحريصين على الوصول إلى الأمن والاستقرار في المنطقة، وحدة تقوم على أساس برنامج وطني واقعي، يمد يده للسلام العادل والمتوازن، ويستعد للكفاح ولدفع ثمن الحرية والعودة والاستقلال. فالاحتلال لا يرحل طوعاً وإنما عندما يجد أنه يدفع أكثر مما يأخذ! والصورة ليست قاتمة السواد، بل إن انهيار نظرية الردع الإسرائيلية، والمأزق الأميركي في العراق، وكل المنطقة يمكن أن يشكلا رافعة للخيار الفلسطيني، إذا وجدت قيادة فلسطينية تعرف قراءة الأحداث بوطنية وواقعية، وتعرف إلى أين يمكن أن تسير الأمور في المنطقة؟ وكيف تستعد لها وتحقق من خلالها أهداف شعبها؟!

 

مشاركة: