الرئيسية » هاني المصري »   20 كانون الثاني 2007

| | |
منع الاقتتال وحفظ السلم الأهلي هدف قابل للتحقيق
هاني المصري

 

هناك آراء موجودة عند العديد من الفلسطينيين، تستبعد إلى حد كبير أو حتى كلياً، احتمال اندلاع حرب أهلية فلسطينية، وهي آراء ترجع إلى نوع من التفكير الرغبي الذي يسقط الأمنيات على الواقع، وتستند في ذلك إلى عدم وجود قضية طبقية أو طائفية أو مذهبية تبرر الحرب الأهلية، وإلى أن الثورات تقتتل وتخوض حروباً أهلية بعد التحرير والاستقلال، رغم أن التاريخ يبين أن العديد من الثورات اقتتلت أيضاً قبل التحرير.

وهناك آراء ترفض وصف ما يجري من تجاوز للخط الأحمر عَبر سقوط عشرات القتلى خلال العام الماضي وحده، بالاقتتال، بل هو قتال أو مجرد فلتان وأحداث عارضة لا يمكن أن تتحول إلى اقتتال أو حرب أهلية. وطبعاً أصحاب رأي استحالة أو استبعاد اندلاع الحرب الأهلية يستشهدون كذلك لتبرير رأيهم بأن العادات والأخلاق والقيم والتجربة الفلسطينية السابقة تمثل كوابح مانعة لاندلاع الحرب الأهلية.

 

هذا المقال يستهدف إبراز وجود خطر باندلاع الحرب الأهلية، رغم صحة وجود الكوابح المذكورة، إضافة إليها هناك كابح كبير هو أن الاحتلال ليس بوارد الانسحاب ولا تقديم عرض يرضى عنه أكثر الفلسطينيين اعتدالاً، بل يخطط الاحتلال لتعميق الاحتلال والاستيطان واستكمال الجدار وفصل القدس وتهويدها، ومواصلة العدوان العسكري بكل أشكاله من اغتيالات واعتقالات وحصار وحواجز قطعت الأراضي المحتلة ليس إلى أربعة كانتونات فقط، بل أوجدت داخل كل كانتون كبير في الضفة عشرات الكانتونات الصغيرة. وما يعزز المخاوف من الاقتتال وتحوله إلى حرب أهلية أن 473 مواطناً قتلوا خلال العام الماضي بسبب الفلتان الأمني، منهم 56 مواطناً قتلوا على خلفية سياسية.

السر الكامن وراء إبراز خطر الحرب الأهلية، أن التشخيص الخاطئ للمرض يؤدي إلى علاج خاطئ، الأمر الذي يفاقم المرض ويجعله يتحول إلى مرضٍ مستعصٍ وغير قابل للعلاج. وأنا شخصياً مقتنع بقوة أن الفلسطينيين بمقدورهم أن يمنعوا الاقتتال ويقطعوا الطريق على اندلاع الحرب الأهلية، رغم أنها خطر ممكن وزاحف ومحتمل. يمكن ويمكن جداً منع الاقتتال وحماية السلم الأهلي. كيف ذلك؟ لنرَ؟

أولاً: يظهر خطر الاقتتال والحرب الأهلية جرّاء ظهور ازدواجية سلطة بعد الانتخابات التشريعية الأخيرة، التي رغم نزاهتها، إلا انها أوجدت قوتين متقاربتين بالقوة الجماهيرية والعسكرية، ولكل قوة منهما شرعية وبرنامج مختلف عن البرنامج الآخر. وإذا استمر هذا الواقع لا بد أن يؤدي إلى الحرب، فلا يمكن قيادة أسرة أو مزرعة أو شركة أو حزب أو اتحاد إذا كان هناك رأسان أو أكثر، فكيف الأمر إذا كانت هناك سلطتان أو أكثر، خصوصاً إذا تسلحت كل قوة منهما بالشرعية وبتأييد قطاع واسع من الجماهير وتحالفات إقليمية ودولية، وإذا كان لكل منهما أجهزة أمنية تخضع بالولاء لهما لا للوطن ولا لسيادة القانون. المسار الحتمي إذا استمر هذا الواقع هو الحرب الأهلية عاجلاً أم آجلاً. وإذا أضفنا إلى ما تقدم أن هناك ما يستحق الصراع حوله. فعلى خلاف ما نقوله ونكتبه عن لو توفرت الإرادة والعقل وتغليب المصلحة العامة، فلو تفتح عمل الشيطان، وما نقوله عن عدم وجود أسباب للحرب أقول إن وجود سلطة حتى لو كانت وهمية وتحت الاحتلال ومنتهكة صباح مساء من الاحتلال، فهي سلطة موازنتها هذا العام ملياران ونصف المليار دولار، وهي تتحكم بحيز ما لا بأس به، من شؤون وحياة الفلسطينيين بما في ذلك من تعيينات وترقيات والاستئجار والامتيازات ومشاريع البنية التحتية والتنموية وأشكال متعددة للنفوذ والثراء وما سبق كله مغرٍ. فعلى سبيل المثال استطاعت الحكومة الحالية تعيين وتوظيف أكثر من ستة آلاف موظف ورجل أمن خلال الأشهر العشرة الماضية، رغم خواء الخزينة والحصار المالي والعزلة الدولية، كما استطاعت الحكومة التي سبقتها أن تعين 00091 موظف ورجل أمن خلال العام الأخير الذي سبق الانتخابات، رغم عجز الموازنة والتضخم الوظيفي الهائل، وهذه السلطة على ضعفها ووقوفها على حافة الانهيار منذ العام 2002 على الأقل، هي الجهة التي يتركز فيها القرار الفلسطيني.

والقوة الفلسطينية، لأنها هي من يتلقى الدعم العربي والدولي، اما المنظمة فهي رمز وكيان معنوي، وإطار مفرغ من دوره الى حد كبير. لذا في هذا السياق يكتسب الصراع على السلطة اهمية مضاعفة عن اهمية السلطة بحد ذاتها، فهو يحدد مصير الصراع الاكبر والاهم والاعظم، وهو الصراع على التمثيل الفلسطيني، وعلى من هو صاحب القرار الفلسطيني.

فالطرف الذي سيفوز بالسلطة، سيفوز على الأغلب وبسهولة بالمنظمة، وبالقرار الفلسطيني.

إذاً هناك ما يستحق الصراع حوله. وهذا الصراع له أسباب ودوافع عديدة جداً، فهو يتغذى من أسباب داخلية كما لاحظنا ومن أسباب وعوامل خارجية تبدأ بإسرائيل، التي تغذيه لأن الاقتتال الداخلي يصبّ في مصلحتها، كما صرح السفير الأميركي في إسرائيل مؤخراً لصحيفة "جروزاليم بوست" الإسرائيلية، ولا تنتهي بالأطراف العربية والإقليمية والدولية، خصوصاً الولايات المتحدة الأميركية، التي تحاول أن تستخدم القضية الفلسطينية كورقة في خدمة مصالحها الكونية والإقليمية، دون الاقتراب من حلها لأن الشرط الرئيس لذلك هو إنهاء الاحتلال وهذا ما لا تريد إدارة البوش الاقتراب منه.

رغم كل ما تقدم، هناك إمكانية لمنع تجدد الاقتتال الفلسطيني وتحوله إلى حرب أهلية. وهذا الهدف يمكن أن يتحقق إذا شخصنا الوضع بشكل سليم وبدقة، وإذا وضعنا العلاج المناسب له، والتشخيص المناسب أن هناك خطر حرب أهلية بملامح وخصائص فلسطينية يلوح في الأفق، وهذا الخطر يتراجع ولا ينتهي، حتى إذا تم الاتفاق على حكومة وحدة وطنية، فمثل هذه الحكومة إذا رأت النور، سيكون ذلك لأسباب اضطرارية، ولتجنب مخاطر الحرب الأهلية ولعدم وجود تفوق في القوى والتأييد الشعبي يسمح لطرف بالانتصار على الطرف الآخر.

أكثر ما يقلق في الحوارات التي دارت لتشكيل حكومة وحدة وطنية، أنها تمت بالغالب بشكل ثنائي، بحيث يتم حسم نقاط الخلاف، بما فيها توزيع الوزارات والأجهزة الأمنية والسفراء والمحافظين بالمحاصصة الفصائلية. وهذا لا يبني سلطة واحدة وسلاحاً شرعياً واحداً، وإنما يبني حتى في حالة الاتفاق على حكومة وحدة، نظاماً من "الطائفية السياسية"، بحيث تصبح الوزارة الفلانية تابعة للفصيل الذي ينتمي إليه وزيرها، أو تابعة للفصيل الذي اختار الوزير "المستقل". فمن البدع التي ظهرت أن الوزراء المستقلين سيتم اختيارهم من "فتح" و"حماس" على أساس 2:3 أو بالتوافق. وإحدى الأفكار الألمعية التي طرحت في دمشق في جولة الحوار الأخيرة، أن يعطى جهاز المخابرات لـ "حماس"، إضافة إلى الإبقاء على "القوة التنفيذية" حتى تطمئن وترضى بالتنازل عن وزارة الداخلية لشخصية مستقلة ترضى عنها "حماس". وهذا إن حدث فهو يعني العجب العجاب.

منع الحرب الأهلية ممكن من خلال اعتماد الشعب الفلسطيني على نفسه، فالغالبية الساحقة من أفراد هذا الشعب ستتضرر من الحرب الأهلية ضرراً مميتاً، مهما كانت نتيجتها. فعلى الشعب أن يتدخل أكثر وأن يعاظم تدخله وينظمه حتى يستطيع أن يمنع الحرب الأهلية. فالمبادرات الشعبية التي ظهرت في غزة والضفة، خصوصاً خلال الأسابيع الماضية، والتي أخذت أشكالاً عدة (تظاهرات، اجتماعات، ندوات، مؤتمرات، خيمات، اعتصامات، إضرابات عن الطعام)، يجب أن تتواصل وتتوحد وتصبح ظاهرة كبيرة لا تكتفي بالوساطة والمناشدة وإطفاء الحرائق وإعادة المخطوفين، وإنما تتحول الى عمل يومي متراكم وأن ينظم من تحت لفوق، وصولاً لعقد مؤتمرات شعبية ذات تمثيل واسع. فالأعمال الفوقية النخبوية الموسمية والتي تأتي كردة فعل على الأحداث وحدوث اقتتال لا تكفي، بل يجب تشكيل لجان شعبية في كل الأحياء في المدن والمخيمات والقرى، مهمتها آولاً: تحريم الاقتتال والتحريض وكل أشكال العنف والإقصاء والإلغاء والانقلاب والتخوين والتكفير، لأن لغة الاغتيال تكون قاسية وأقسى أحياناً من الاغتيال نفسه.

ثانياً: خلق رأي عام يعرف الحقيقة، أو أكبر قدر من الحقيقة، لأن احدى المسائل المقلقة جداً، أن هناك روايات متعددة ومتناقضة، بحيث لا يعرف المواطن من يصدق ومن يكذب، ولا يستطيع أن يحسم هل الأنفاق المحفورة في غزة من أجل المقاومة أو من أجل الاغتيالات. وفي ظل حالة الاستقطاب الحاد والتحريض المتبادل، وضعف دور وسائل الإعلام في نقل الحقيقة كاملة لأنها مستقطبة أو تتعرض للتهديدات والاعتداءات التي وصلت إلى حد إحراق سيارات بث، وتهديد كتّاب وصحافيين، ومحاصرة مسلحين لبيوت "قناة العربية"، وفي ظل شلل القضاء وانحياز الأجهزة الأمنية، وغياب القيادة الواحدة الفاعلة، إلى من يلجأ المواطن لمعرفة حقيقة ما يجري، ليحمل الطرف المسؤول عن الجرائم التي ترتكب بحق الوطن والمواطن باسم الوطن والدين ولكنها لخدمة الفصيل أو إذا شئنا الدقة لمصلحة أفراد في التنظيمات تشكل مراكز قوى ونفوذ وتهدف إلى الاستئثار بأكبر عدد ممكن من السلطة والمصالح والشركات والاحتكارات حتى تزداد غنى ويزداد الشعب فقراً. وجود رأي عام قوي يساعد على نشوء إعلام مستقل وحر وقضاء مستقل. وهذا يجعلنا أقدر على كشف ومحاسبة الذين يبادرون لإشاعة الفتنة والفساد والاقتتال والتحريض.

ثالثاً: إذا استطاع شعبنا أن يبدع مبادرة الحماية الشعبية لكل بيت يتعرض للتهديد بالهدم من سلطات الاحتلال، والتي أدت إلى منع تنفيذ قرارات القصف والهدف، لأن تنفيذها يعني تنفيذ مجازر بحق المئات من المواطنين عند هدم أي منزل، يستطيع أن يعاظم إبداعاته، بحيث ينزل المواطنون إلى الشوارع ويقفون بين المتقاتلين، بحيث يصبح استمرار قتالهم، مجزرة بحق شعبهم وأهلهم وإخوتهم.

لا نستطيع الاتفاق على كل شيء، ولكن يمكن الاتفاق من الغالبية الساحقة على نقطة واحدة هي: وقف ومنع الاقتتال وحماية السلم الأهلي وجعل الحوار والأساليب السلمية القانونية هي الطريق الوحيد لحل وحسم خلافاتنا.

وإذا استطعنا منع الاقتتال والحرب الأهلية، كمهمة مركزية مباشرة، لا بد من الانشغال في التركيز على بناء نظام سياسي ديمقراطي يحقق وحدة الشعب على رؤية استراتيجية واحدة تنطلق من احتياجات الشعب بوصفه يمر بمرحلة تحرر وطني، وتضع السلطة في خدمة هذه الاستراتيجية، وتعيد بناءها على أساس أنها وسيلة ومجرد مرحلة، وسلطة للوطن لا للفصائل، تبنى على أساس معايير الكفاءة والنزاهة والإنتاجية والوطنية، ووضع الشخص المناسب في المكان المناسب، وترسيخ استقلال القضاء وحمايته وحرية الإعلام والمساواة وتكافؤ الفرص، وتحييد أجهزة الأمن ووضعها في خدمة المواطن والوطن وتحت سيادة القانون وواجبها حفظ الأمن والنظام العام، بدلاً من أن تكون طرفاً من أطراف الصراع. عندها لن يكون عندنا خطر حرب أهلية حتى لو بلغ الخلاف أشدّه!

 

مشاركة: