الرئيسية » هاني المصري »   14 آذار 2009

| | |
من كواليس الحوار: هل تدفع الفصائل ثمن الوحدة ؟ هاني المصري- القاهرة
هاني المصري

 

عندما وافقت الفصائل والشخصيات الوطنية على الشروع في الحوار، واتفقت في 26 شباط على تشكيل لجان الحوار، وحددت مهماتها والسقف الزمني للتوصل لاتفاق، تكون قد قطعت شوطا ملموسا، نحو الاستعداد لإنهاء الانقسام واستعادة الوحدة.

من لمس الأجواء الإيجابية، التي تظلل الحوار، وشاهد اللقاءات الحميمة ومظاهر الود المتبادل وتبادل النكات والمجاملات والضحكات من قبل رموز وقيادات الحروب الإعلامية والسياسية، وبعضها العسكرية، يدرك ان هناك شيئا قد حدث، وان صفحة جديدة قد فُتحت رغم التباعد الكبير في المواقف.

 

فأن يحل الحوار محل العداء، فهذا شيء هام لا يمكن الاستهانة به على الإطلاق. صحيح ان جلسات الحوار في اللجان، شهدت أحيانا مناقشات حادة وصاخبة لدرجة تبادل الاتهامات والشتائم، ولكن الطابع العام الذي يحرص عليه المضيف المصري بقي إيجابيا وموضوعيا وهادئا، بحيث يتبادل المتحاورون الرأي والرأي الآخر، بعيدا عن العنف والإقصاء والتكفير والتخوين، ويحشد كل طرف الحجج ليقارع الحجة بالحجة، والبرهان بالدليل، ما خلق قوة دفع ليس من السهل وقفها وإعادتها إلى الوراء. فكل طرف سيفكر مليا قبل أن يتسبب بفشل الحوار، لأن التاريخ سيلعنه، وسيلفظه الشعب الفلسطيني الذي لم يعد قادرا على تحمل استمرار الانقسام، ولن يرضى بفشل الحوار. فالنجاح والنجاح وحده، هو النتيجة المطلوبة من الحوار.

كل أعضاء الوفود في فندق واحد، يأكلون معا، ويسهرون معا، ويذهبون كل يوم معا في تمام العاشرة صباحا في الحافلات إلى مقر المخابرات المصرية، حيث المداولات والاجتماعات، حتى الساعة السابعة دون مغادرة ولا انقطاع، فما يقومون به هو الحوار والحوار فقط، وعندما تعلق جلسات الحوار يُستأنف في الردهات وأثناء الاستراحة، وكذلك بينما يتناول الجميع الطعام.

مضى ثلاثة أيام على بدء عمل اللجان حتى كتابة هذه السطور، ورغم عدم حدوث اختراق في القضايا الأساسية، ورغم أن التقدم الذي حصل لم يشمل حل العُقد الكبرى، إلا أن ما حصل مهم جدا، لأنه يعكس حقيقة ساطعة بأن كل الأطراف دون استثناء، بدأت بالبحث الجدي عن اتفاق ينهي الانقسام، ويستعيد الوحدة. والصراع الآن بات يدور على شروط الاتفاق وليس على مبدأ الاتفاق. ومصير الحوار الآن يتوقف على مدى استعداد حركتي فتح وحماس، لدفع الثمن المطلوب للاتفاق. فلا يمكن أن يخرج كل طرف بكل مطالبه واهدافه، بل حتى يتحقق الاتفاق، مطلوب أن يخرج الجميع وهو رابح دون منتصر ولا مهزوم.

فلا يمكن أن تفرض "فتح" على "حماس" شروطها، فيما يتعلق بالبرنامج السياسي والحكومة، والمنظمة والأجهزة الأمنية والانتخابات والمصالحة الوطنية، فـ"حماس" أصبحت بحاجة ماسة للاتفاق من اجل كسر الحصار، وفتح الحدود والمعابر، وإعادة الإعمار والحصول على شرعيتها العربية والدولية وقطع الطريق على حرب إسرائيلية جديدة ضد غزة، ولكنها لم تُهزم ولن تقبل الاتفاق بأي ثمن.

ولا يمكن أن تفرض "حماس" على "فتح" شروطها، فـ"فتح" أصبحت بحاجة ماسة للاتفاق بعد أن فشلت المفاوضات فشلا ذريعا، وبعد أن فازت الأحزاب اليمينية المتطرفة في إسرائيل بالانتخابات، وتتجه لتشكيل حكومة إسرائيلية جديدة، ستكون أكثر تطرفا وعدوانية وتوسعية من أية حكومة إسرائيلية سابقة. كما أن الرئيس أبو مازن بحاجة إلى تعزيز شرعيته، من خلال الظهور مجددا بمظهر الممثل للفلسطينيين جميعا. بيد أن "فتح" لاتزال حركة كبيرة لا يمكن القفز عنها.

المطلوب الآن من "فتح" و"حماس" أن تدركا أن الشراكة باتت طريقا اجباريا، وأن الوحدة ضرورة وليست خيارا من ضمن خيارات.

ما زال الحوار في بدايته، وفي ذروة محاولات متبادلة لجس النبض واستكشاف إمكانيات كل طرف، لتحقيق أكبر عدد ممكن من شروطه، لذا بدأ كل طرف بعرض موقفه، بأقصى ما يمكن حتى يعصر الطرف الآخر. وعندما تدرك "حماس" أنها بحاجة للاتفاق بصورة لا تقل عن حاجة "فتح" له، وتدرك "فتح" أنها بحاجة إلى الاتفاق بصورة لا تقل عن حاجة "حماس" له، سيتم التوصل اليه بسرعة. وهذه اللحظة آتية لأن الجميع يدرك على الأقل عواقب عدم الاتفاق، عليه وعلى القضية الوطنية، وعلى الانسان الفلسطيني.

إن العقدة الرئيسية التي تحول دون الاتفاق، وحالت دون اتفاق لجنة الحكومة، وألقت بظلالها على كافة اللجان الأخرى، تتعلق بالموقف من برنامج الحكومة وطبيعتها. فهل ستكون حكومة وحدة وطنية، تشارك بها الفصائل والشخصيات الوطنية؟ أم حكومة توافق وطني تُشكل من الشخصيات الوطنية وحدها، أو مطعمة ببعض ممثلي الفصائل شرط أن يكونوا مهنيين وغير فاقعين سياسيا !

فالمطلوب من وجهة نظر الرئيس أبو مازن وحركة فتح، تشكيل حكومة من الشخصيات الوطنية، تلتزم بالتزامات منظمة التحرير حتى تكون قادرة على فك الحصار.

ما وافقت عليه "حماس"، في مساء اليوم الثاني، سقفه برنامج حكومة الوحدة الوطنية، الذي تحدث عن احترام الاتفاقيات دون الالتزام بها. فـ"حماس" قالت إن هذا أقصى ما يمكن أن تذهب إليه، لأنها إذا وافقت على تشكيل حكومة تلتزم بالتزامات المنظمة، فهذا يعني هزيمة واستسلاما، وتراجعا عن المواقف التي طالما دافعت عنها. ولكي تعزز "حماس" وجهة نظرها، تضيف أنها إذا وافقت على التزامات المنظمة، فعندها لن تكون بحاجة إلى حوار، ولا إلى حكومة وحدة وطنية، أو إلى حكومة توافق وطني لا تشارك بها، وإنما تستطيع حينها تشكيل حكومة بمفردها ستحظى بالاعتراف الأميركي والدولي والإسرائيلي الفوري. فـ"حماس" التي رفضت أوسلو، والالتزامات المترتبة عليه، ودفعت ثمنا غاليا لهذا الموقف، قبل وبعد دخولها السلطة، وصل إلى حد إسقاط حكومتها وحكومة الوحدة الوطنية، وإلى شن حرب غزة التي استهدفتها بشكل خاص، لن تتخلى عن موقفها الآن وبلا ثمن.

الآن؛ "حماس" تبالغ في الحديث عن المتغيرات العربية والدولية، بعد حرب غزة، ورحيل إدارة جورج بوش، وظهور بوادر تغيير في الموقف العربي والأوروبي من الاعتراف بها أو بحكومة تشارك فيها، لذلك لا يمكن أن توافق على حكومة تلتزم بالتزامات المنظمة، وتعتقد أن حكومة وحدة وطنية جديدة، تلتزم ببرنامج حكومة الوحدة الوطنية السابق، يمكن أن تقلع إذا وافقت "فتح" والرئيس أبو مازن على ذلك، وكأن المسألة تتعلق أساسا بالأطراف الفلسطينية، وليس بالموقف الدولي الخاضع للإرادة الأميركية الإسرائيلية.

إن العقدة كبيرة جدا، وتحتاج لحلها لإيجاد صيغة إبداعية، تنطلق من أن الحكومة يجب أن تحظى بثقة الشعب الفلسطيني أساسا وأولا، وتكون قادرة على العمل على فك الحصار ثانيا، وهذا يمكن أن يتحقق دون الإشارة ببرنامجها لالتزامات المنظمة أو إلى الاتفاقات أو إلى شروط اللجنة الرباعية الدولية.

إن حكومة وفاق وطني، تلتزم بالقانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة، يمكن أن تقلع وتحصل على اعتراف عربي، وتُحدث اختراقا كبيرا في الموقف الأوروبي، ثم تحصل على الاعتراف الدولي والأميركي ولو بعد حين. فإدارة باراك أوباما المختلفة عن سابقتها لا يمكن أن تقاطع حكومة فلسطينية، تنسجم مع الشرعية الدولية، خصوصا أن هذه الحكومة انتقالية مؤقتة ومهماتها محددة. وحتى نزيد من فرصة نجاحها يمكن أن تلتزم بالتزامات الحكومات السابقة، دون أن تلتزم بالتزامات م.ت.ف، مع تأكيد اعترافها بأن المنظمة هي مرجعيتها، وأنها تتعهد بعدم القيام بما يتعارض مع التزامات المنظمة.

إن الحكومات الإسرائيلية تجاوزت اتفاق أوسلو بعد أن أعادت احتلال الضفة، واغتالت الرئيس الراحل ياسر عرفات، وفرضت الحصار الخانق على قطاع غزة، وشنت حربا همجية ضده. كما أن الحكومة الإسرائيلية المتوقعة، لن تلتزم حتما بالتزامات إسرائيل إزاء الفلسطينيين، بل ستصعد حربها ضدهم. في ظل هذا الواقع القائم والمحتمل، ما معنى استمرار التزام الطرف الفلسطيني من جانب واحد بالاتفاقات وتقيده بالالتزامات؟

المعتقلون قنبلة قابلة للانفجار ...

إن عدم الإفراج عن المعتقلين من "حماس" في الضفة، والاستمرار باعتقال المزيد منهم حتى الآن، رغم الاتفاق على الإفراج عنهم يهدد الحوار بالانفجار، ما يستدعي الامتناع عن أية اعتقالات جديدة، وتأكيد الالتزام بالإفراج عن كافة المعتقلين الذين لم تثبت عليهم أية تهمة جنائية، وتقديم كل من ثبتت عليه تهمة إلى المحاكم.

أنصح حركة حماس، أن تتروى ولا تقدم على قطع الحوار، على خلفية عدم الإفراج عن المعتقلين، لأن ذلك لن يؤدي إلى الإفراج عنهم، كما أن إنهاء الانقسام هو أقصر طريق لطي ملف المعتقلين.

ولاية الرئيس ...

بدت "حماس" مترددة حول مسألة الطعن بشرعية التمديد لولاية الرئيس. فرغم عدم إثارتها للمسألة في اليوم الأول للحوار، إلا أنها لوحت بها، بشكل واضح في اليوم الثاني، وهذه قضية توتر الأجواء كثيرا، وتجعل الحوار مهددا بالفشل.

إن "حماس" ترهن الاعتراف بشرعية الرئيس، بالتوصل إلى اتفاق متكامل، وتعبر عن موقفها هذا من خلال رفض التزامن ما بين الانتخابات الرئاسية والتشريعية، ورفض تحديد موعد لها، لأنها تخشى لو فعلت ذلك، بأنها تكون قد مررت مسألة التمديد للرئيس.

إن ما يقلق في هذا الموضوع، أن هناك علاقة ما بين ما تردد عن أنباء (نفتها فتح) عن رغبة "حماس" أو بعض اوساطها على الأقل، على عقد صفقة مع "فتح"، تقضي بالتمديد للرئيس والمجلس التشريعي لمدة عام على الأقل، تحت حجج متعددة، أبرزها أن الرئيس مدد ولايته ومن حق "حماس" أن تمدد ولاية المجلس التشريعي، الذي كان معطلا ولم تُتح له فرصة العمل، ولأن حالة الانقسام بحاجة إلى وقت حتى تتم استعادة وحدة المؤسسات، ولأنها تخشى من احتمال تزوير الانتخابات القادمة. إن الإقدام على تأجيل الانتخابات يعتبر أمرا في منتهى الخطورة، لأنه يضرب في الصميم الديمقراطية الفلسطينية، التي تعرضت خلال السنوات القليلة الماضية، إلى ما يكفي من الضربات.

مرجعية المنظمة ...

تقف أمام الحوار عقدة أخرى، وهي أن "حماس" ترهن أي اتفاق حول المنظمة، بتشكيل مرجعية للمنظمة بدلا عن قيادتها القائمة حاليا، وتقترح بديلا أن تكون اللجنة المنصوص عليها في إعلان القاهرة، أو لجنة التوجيه العليا المشكلة حديثا للإشراف على لجان الحوار، وهذا ما ترفضه "فتح" وفصائل م.ت.ف لأنه ينطوي على التشكيك بشرعية المنظمة. الاقتراح المعروض على "حماس"، أن يشارك ممثل عنها وآخر عن "الجهاد" في اجتماعات اللجنة التنفيذية لحين تطبيق الاتفاق حول المنظمة، وهذا يجعل المشاركة رمزية وغير فاعلة.

هناك عقُد أخرى أقل أهمية، مثل هل تجرى الانتخابات القادمة على أساس التمثيل النسبي الكامل أم لا، وحول الاعتراف بالمنظمة منذ الآن كمرجعية عليا للفلسطينيين وممثل شرعي وحيد للشعب، أو أن يكون ذلك رهنا بانعقاد المجلس الوطني الجديد.

تأسيسا على ما سبق، هل الحوار مرشح للنجاح أو معرض للفشل؟

إن الفشل ممنوع، لأنه سيقود إلى كارثة أكبر من الكارثة الحاصلة حتى الآن. والفشل ممنوع لأن مصر التي ترعى الحوار، لن تسمح بالفشل، كما أن أجواء المصالحة العربية التي تعززت بعد قمة الرياض الرباعية، تسمح بالتفاؤل.

إن النجاح بإنهاء الانقسام يمكن أن يتحقق على أساس الاتفاق على برنامج وطني وعلى الطابع الديمقراطي للنظام السياسي الفلسطيني، وتجسيد الشراكة الوطنية. إن هذا الاتفاق يفرض على الجميع العمل لتسويقه، على كل المستويات والمحافل العربية والدولية.

حتى يتحقق ذلك، لا بد من الإدراك أن هناك علاقة قوية ما بين برنامج الحكومة وشكلها. فحكومة وحدة وطنية تشارك فيها الفصائل، وخصوصا "حماس"، ستكون مطالبة ببرنامج سياسي يلتزم بالتزامات المنظمة وشروط اللجنة الرباعية.

أما حكومة وفاق وطني مشكلة من شخصيات وطنية، أو مطعمة بأشخاص من الفصائل، فإن الاشتراطات السياسية عليها ستكون أقل بشكل ملموس، كما أن مثل هذه الحكومة لا تُلزم الفصائل ببرنامجها، وتجعلها قادرة على التمييز بين برامجها وبرنامج الحكومة.

فهل تجرؤ "حماس" و"فتح" على الاختيار الصحيح؟ وهل تقوم بقية الفصائل والشخصيات الوطنية، بدورها كشركاء لا وسطاء، في تغيير واقع الانقسام نحو استعادة الوحدة؟

 

 

مشاركة: