الرئيسية » هاني المصري »   10 حزيران 2008

| | |
من أجل حوار جاد قادر على استعادة الوحدة
هاني المصري

 

حتى لا تتحول موجة التفاؤل حول مبادرة الرئيس إلى اداة ضغط وابتزاز على المتحاورين تدفعهم للشروع به وانهائه بسرعة دون ضمان التوصل إلى اتفاق حقيقي يعالج التحديات التي تواجه القضية الفلسطينية. ومن أجل حوار جاد قادر على استعادة الوحدة على أرضية صلبة تجعلها قادرة على الاستمرار وليست مجرد هدنة مؤقتة جديدة، لا بد ان يبدأ حوار تمهيدي للتحضير لجدول أعمال الحوار. من الخطورة بمكان ان يتم التركيز على الامور الشكلية والآليات مثل متى وأين سيبدأ الحوار ومن سيشارك به، وهل سيكون حواراً ثنائياً أم فصائلياً أم وطنياً، ومن سيرعاه وما هي الضمانات لتطبيق ما يتم الاتفاق حوله، وما هو موقف اسرائيل وأميركا منه.


 كل هذه المسائل مهمة ولكنها من الدرجة الثانية من الأهمية. الأمر الحاسم والأكثر اهمية تقديم اجابة مشتركة على الاسئلة الثلاثة التالية: لماذا وصلنا إلى الاقتتال والانقسام؟ ولماذا فشل اتفاق مكة وحكومة الوحدة الوطنية؟ وكيف ينجح الحوار القادم ويوصلنا إلى وحدة قادرة على الاقلاع بالطائر الفلسطيني على كافة المستويات والاصعدة. دون الاجابة على هذه الاسئلة لا يمكن الاتفاق على نقطة بدء الحوار ولن نفهم سر تشبث الرئيس أبو مازن وحركة فتح والمنظمة بأن يكون الحوار لتنفيذ المبادرة اليمنية وتشبث اسماعيل هنية وحركة حماس بأن يكون الحوار على أساس اعلان صنعاء الذي اشار للحوار على المبادرة اليمنية لتنفيذها. ان الخلاف السياسي هو الجذر الاساسي لوصولنا الى ما نحن فيه، الخلاف السياسي يظهر في مسألتين: الاولى والأهم خلاف سياسي على البرنامج السياسي وهل هو برنامج الدولة مقابل السلام أم برنامج الدولة مقابل الهدنة؟ والمسألة الثانية خلاف على السلطة ومن يقودها وما هي الأنظمة والأسس والعلاقات التي تحكمها. الخلاف السياسي لا يمكن التقليل من اهميته، ودون الاتفاق حوله لا يمكن بناء وحدة وطنية صلبة، فهذا الخلاف يشمل الخلاف على الموقف من المفاوضات وعملية السلام والاتفاقات والالتزامات، والموقف من المقاومة واشكالها ومرجعيتها وتوقيتها واهدافها وعلاقتها بالسلطة والمنظمة. وبسبب أهمية السلطة النابع من تحولها عملياً إلى مركز القرار والقيادة على حساب م.ت.ف، طغى الخلاف على السلطة والصراع عليها على الخلافات الأخرى وعلى كل شيء. فالسلطة اقامتها المنظمة وهي احدى افرازات اتفاق اوسلو، وهي مقيدة بقيود غليظة، وهي سلطة فتح، لان فتح هي "أول الرصاص أول الحجارة" وقائدة الثورة الفلسطينية المعاصرة والعمود الفقري للمنظمة، لذا جاءت السلطة على مقاسها وهيمنت عليها، واعطت حصة صغيرة للفصائل والقوى الأخرى التي لم تكن موحدة ولم تجسد معارضة فاعلة قادرة على تحقيق شراكة حقيقية في السلطة، وعندما دخلت حماس الى السلطة من أوسع الأبواب، وبالانتقال من معارضة السلطة والنظام السياسي كله، إلى الفوز باغلبية مقاعد المجلس التشريعي بما يؤهلها لتشكيل الحكومة بمفردها. وهنا بدأت الاشكالية، فحماس لم تشارك في السلطة ضمن اتفاق على مرجعية عليا متفق عليها تحدد الاهداف الكبرى، والقيم الاساسية وقواعد اللعبة الديمقراطية والحفاظ على المنجزات والهوية والوحدة والتعددية، وعلى أساس المساواة وتداول السلطة والفصل بين السلطات، بما في ذلك القانون الأساسي الذي ينظم عمل السلطة، والقواعد التي تستند عليها المنظمة. وهذا خطأ مميت فالانتخابات ليست الديمقراطية وانما هي جزء من عملية متكاملة اذا لم يتم الاتفاق على مرجعيتها وقواعد اللعبة فيها تصبح فوضى ولا تمت للديمقراطية بصلة. ولم يكن عدم الاتفاق نابعاً من عدم ادراك لأهمية ما سبق، وانما من تقدير سياسي ثبت خطأه بأن حماس لن تحصل على الأغلبية وبالتالي ستكون معارضة قوية واشتراكها في السلطة سيمثل الحاضنة الكفيلة بترويضها، ما حدث ان الزلزال وقع وحدث ما لم يكن متوقعاً وفازت حماس، واصبحت قادرة على تشكيل الحكومة، والحكومة وفقاً للنظام السياسي الفلسطيني الرئاسي والبرلماني هي حكومة الرئيس، والرئيس له صلاحيات وسلطات واسعة وهو من فتح وله برنامج واضح فاز على اساسه، والحكومة التي شكلتها حماس لها سلطات وصلاحيات واسعة. وحدث تداول السلطة واصبحت الحكومة من حماس ولكن ادوات الحكم كلها: الهيكل الوظيفي الاجهزة الامنية، الدوائر الرسمية بغالبيتها تنتمي لفتح، ولم تخضع عملياً لحكومة حماس. فالحكومة لم تكن حكومة الرئيس، والحكومة لم تمكن من الحكم. وعندما لم تخضع السلطة وخصوصاً الاجهزة لحكومة حماس سارعت حماس لتشكيل اجهزتها الامنية ورفد الهيكل الوظيفي بآلاف الموظفين والمدراء العامين لتعويض غيابها الناجم عن عدم مشاركتها في السلطة منذ تأسيسها العام 1994 وحتى الانتخابات التشريعية العام 2006. من الطبيعي في ظل هذا الواقع ان نشهد سلطة برأسين (ازدواج سلطة) لكل منها رئيسها وبرنامجها واجهزتها وجمهورها. وأي ازدواج في السلطة لا بد وان يحسم عاجلاً أو آجلاً. لذا المسألة لا تتعلق بالأساس بوجود مؤامرة، من تيار دايتون - دحلان، ولا بالحسم العسكري وانما بوجود قوتين وبرنامجين في سلطة واحدة، ولم تستطع احداهما هزيمة القوة الأخرى هزيمة ساحقة، ولم تستطيعا الاتفاق على قواعد الصراع سلمياً فذهبتا إلى الاقتتال ثم إلى الانقسام. واصبح لدينا سلطة في غزة محاصرة وتلهث وراء حل أمني (تهدئة) ولا تحصل عليه حتى الآن، لأن الاحتلال يريد تحقيق أقصى ما يمكن من مكاسب. وسلطة في الضفة محاصرة، وان بشكل أقل، وتلهث وراء حل سياسي ولا تحصل عليه حتى الآن، لأن الاحتلال يريد تحقيق حل يحقق اهداف اسرائيل التوسعية والعنصرية والاستيطانية. اذا لم يدرك الفلسطينيون ان عليهم ان يحسموا أمرهم إما بالاتفاق على استراتيجية واحدة تحدد موقفاً مشتركاً من البرنامج السياسي ومن المفاوضات والمقاومة والسلطة وموقعها في النظام السياسي والموقف من المنظمة ودورها وميثاقها الوطني، أو بالاتفاق على كيفية الاستمرار بالخلاف ولكن حله بوسائل سلمية شرعية قانونية. انطلاقاً مما تقدم على حماس ان تراجع التجربة وتستخلص الدروس والعبر، واذا أرادت المشاركة في الحكم في سلطة مقيدة باتفاقات والتزامات اوسلو، عليها ان تختار بين الموافقة على هذه الاتفاقات والالتزامات مع السعي للتخلص منها بأسرع وقت ممكن، وهذا يتطلب على الأقل وفي الحد الأدنى موافقتها على برنامج سياسي يقوم على اقامة دولة مقابل السلام وليس دولة مقابل هدنة، أو تقتصر مشاركتها على السلطة التشريعية ولا تصل إلى السلطة التنفيذية حكومة ورئاسة، واذا لم ترغب بالمشاركة في السلطة عليها ان تسعى لحل السلطة عن طريق اقناع اغلبية فلسطينية بضرورة حل السلطة لانها أوصلتنا إلى فخ وكارثة ولم توصلنا إلى الدولة الموعودة. على حماس (وكل الفلسطينيين) ان تختار بين السلطة والمقاومة المسلحة لأن الجمع ما بينهما خيار جرب منذ عام 2000 وحتى الآن ولم ينجح، فاما السلطة او المقاومة المسلحة. واذا اختارت السلطة عليها ان تسعى لتغيير شكل ومهمات السلطة ووضعها في خدمة المشروع الوطني وتجمع ما بين السلطة والمقاومة الشعبية مع الاحتفاظ بحقنا بالمقاومة بكافة الأشكال. وعلى فتح والمنظمة ان يدركا ان السلطة ليست قطاعاً خاصاً لهما، وان زمن الحصص الصغيرة والادوار الثانوية قد ولى، ما يوجب فتح الباب لسلطة ديمقراطية تعددية تقوم على شراكة وطنية حقيقية يأخذ كل فرد وكل حزب ما يستحقه وما يحصل عليه في صناديق الاقتراع، سلطة تكون مؤسساتها خصوصاً الاجهزة الامنية للوطن كله ومهنية وخاضعة للقانون. وعلى فتح والمنظمة ان يدركا ان الاستمرار في مفاوضات بلا مرجعية ولا ضمانات ولا نتائج وتستخدمها إسرائيل للتغطية على استمرار العدوان والاستيطان والجدار، ضار بالقضية والشعب وكفاحه من اجل التحرر والعودة والاستقلال. وان يدركا ايضاً ان الاتفاقيات قد تجاوزتها اسرائيل وان ما يمنع الفلسطينيين الآن من الغائها عدم قدرتهم على تحمل عواقب ذلك، الامر الحاسم هو الاتفاق على البرنامج السياسي وكيفية تحقيقه بأسرع وقت وأقل التكاليف، أما الاتفاقات والسياسات واشكال العمل والتحالفات فهذه مسائل من حق كل فرد أو حزب ان يعبر عن رأيه فيها. المهم ان تكون هناك قيادة واحدة وسلطة واحدة وقرار واحد، أما التعددية في الآراء والاحزاب فهي حق اساسي لا يجب المساس به مهما كانت الظروف. ان الذي افشل حكومة حماس انها حكومة جزء من الشعب ومختلفة مع النظام السياسي كله بما في ذلك برنامج الرئيس والمنظمة، فكانت لقمة سائغة لاسرائيل التي استطاعت جعل شروطها الثلاثة شروطاً تبناها المجتمع الدولي للاعتراف والتعامل مع حكومة حماس ومع أية حكومة فلسطينية قادمة. كما ان الذي افشل اتفاق مكة وحكومة الوحدة الوطنية انها جاءت حكومة محاصصة سياسية وفصائلية وادارية، أرادت ان تجمع ما بين قوتين وبرنامجين في سلطة واحدة، ما جعلها لقمة سائغة لاسرائيل وضحية من ضحايا شروط المجتمع الدولي. تأسيساً على ما تقدم يجب الاتفاق على مرجعية عليا للفلسطينيين يتم الاتفاق فيها على القضايا الكبرى، ثم الاتفاق على البرنامج السياسي وعلى جعل السلطة والمقاومة والمفاوضات وكل شيء وسائل لخدمته، وليست اهدافاً بحد ذاتها. وعندها يمكن تشكيل حكومة وحدة وطنية واكمال مدة المجلس التشريعي، والعمل على تفعيل وتطوير المنظمة، ومشاركة الجميع بها. واذا تعذر الاتفاق على برنامج سياسي واحد، كما هو متوقع، يمكن الاتفاق على حكومة وفاق وطني انتقالية، لا تشارك بها الفصائل وتضم كفاءات وطنية مستقلة، مهمتها معالجة أسباب وذيول وتداعيات الانقسام، والتحضير لإجراء انتخابات رئاسية وتشريعية مبكرة. وأخيراً، لا يمكن ان يعبر كل طرف عن موقفه، إنهاء سلطة غزة اولاً، أو الحوار بلا شروط، بل يمكن ويجب ان يتم تمهيد الطريق بحوارات غير رسمية قبل و أمام حوار جاد يستهدف الاتفاق على وثيقة تكون وثيقة متكاملة تؤخذ كرزمة واحدة، ويوجد فيها توحيد السلطة وانهاء سلطة حماس، كما يكون فيها اعادة الاعتبار للبرنامج الوطني واصلاح للسلطة والاجهزة والمنظمة وترشيد المقاومة بحيث تكون مقاومة مثمرة تزرع، وترشيد المفاوضات بحيث تكون مفاوضات مثمرة تحصد. أما التشبث بالشروط والشروط المقابلة لن يفتح باب الطريق للحوار او سيجعلنا نشهد حواراً يدور في حلقة مفرغة وسيؤدي إلى الفشل أو إلى اتفاق محاصصة جديد لن يكتب له النجاح وسيكون مجرد هدنة مؤقتة جديدة.

 

 

مشاركة: