الرئيسية » هاني المصري »   14 تشرين الثاني 2006

| | |
ملاحظات صاخبة على هامش تشكيل حكومة الوحدة الوطنية
هاني المصري

بعد الترحيب بالتطور الحادث في المشاورات لتشكيل حكومة وحدة وطنية، وهو لا يمكن ان يحدث لولا ابداء المرونة من الرئاسة والحكومة، وحركتي "فتح" و"حماس"، ولولا استعداد "حماس" للتراجع خطوة الى الوراء من اجل فتح الطريق لتشكيل حكومة وحدة قادرة على فك الحصار، اسارع الى تقديم جملة من الملاحظات الصاخبة، على أمل الأخذ بها او وضعها بالحسبان، قبل ان تصبح القضايا التي تثيرها سوابق من شأنها ان تحكم مسيرة النظام السياسي اللاحقة. اشارت الاخبار المتداولة بان طبخة تشكيل حكومة الوحدة الوطنية استندت الى الأسس التالية: - يكون رئيس الوزراء شخصية مستقلة من غزة، على ان تحتفظ "حماس" بحق تسميتها بالتوافق مع الرئيس، على ان يكون نائب رئيس الحكومة من "فتح" او مسمى منها. - تشكل الحكومة مناصفة ما بين الضفة والقطاع. - تشكل الحكومة بما ينسجم مع تركيبة المجلس التشريعي، اي يراعى تمثيل الكتل النيابية بصورة تتناسب مع حجمها قدر الامكان مع الحرص على تمثيل القطاع الخاص والمجتمع المدني والمستقلين. - عدم الاعلان عن تشكيل الحكومة ولا الشروع بالخطوات الدستورية لتشكيلها، دون الحصول على ضمانات دولية، خصوصاً اميركية على رفع الحصار. - الابقاء على القوة التنفيذية وتوسيعها والتعامل معها كقوة امنية مستقلة عن باقي الاجهزة. - الحكومة المقبلة لن يكون لها برنامج سياسي خاص بها، وانما ستلتزم بما يجيء في خطاب التكليف الرئاسي على ان يتفق على ما يرد في هذا الخطاب سلفاً. - رهن تشكيل حكومة الوحدة باتمام صفقة تبادل الاسرى، والتوصل لاتفاق على هدنة متبادلة. - استبعاد كبار السياسيين من الفصائل من المشاركة في الحكومة وحرص الفصائل على تمثيل كفاءات من اعضائها. واشارت الانباء، الى تشكيل لجنة مشتركة من "فتح" و"حماس"، وبمشاركة مصطفى البرغوثي وزياد ابو عمرو كشهود ووسطاء، وان هذه اللجنة شرعت بعقد الاجتماعات للاتفاق على ما تبقى بالنسبة للحكومة، وخصوصاً توزيع الحقائب الوزارية وسط تسريبات لها اول، وليس لها آخر. فعلى سبيل المثال، نشرت وسائل الاعلام ان حركة "حماس" تطالب بالحصول على 11 حقيبة وزارية، وهذا من حقها لانها صاحبة الاغلبية في المجلس التشريعي،

 والحق وحده لا يكفي بل يجب ان تتصرف بالحكمة، بينما اشارت مصادر اخرى انها تطالب بثماني حقائب تكون من ضمنها الوزارات السيادية، كحد أقصى، كما صرح اسامة المزيني احد قادة "حماس"، او يكون من ضمنها الداخلية والمالية كما صرح مشير المصري الناطق باسم "حماس". هذا على ان تحتفظ "حماس" بحق تسمية 4 مستقلين للمشاركة في الوزارة المقبلة. واشارت مصادر ثالثة إلى أن البحث يدور عن توزيع الحقائب الوزارية على الشكل التالي: 8 حقائب لحركة "حماس"، 4-6 لحركة "فتح"، 4-6 للمستقلين، 4-6 للكتل والفصائل الاخرى. وهذا يعني ان الحكومة المقبلة فصائلية بامتياز، وهذا يضعف مشاركة بقية قطاعات الشعب التي لا تنتمي للفصائل، وتلك التي لا تعتبر ان الفصائل تمثلها. تأسيساً على ما تقدم، وبغض النظر عن صحة او مدى صحة ما تقدم يجب التحذير من ارتكاب الاخطاء القاتلة، التالية: اولاً: تشكيل الحكومة بدءاً من رئيسها، وعلى صعيد تشكيلها على اساس جهوي، يفتح الباب لبروز "طائفية جهوية" تضع اساساً خطيراً للعمل السياسي الفلسطيني، يمكن ان يشكل سابقة لتشكيل الحكومات المقبلة، وتذكرنا بالطائفية السياسية في لبنان. فالشعب واحد والوطن وحدة واحدة، والحكومة يجب ان تشكل على اساس الكفاءة والنزاهة، وتلبية الاحتياجات والاولويات، اما اذا شكلت على اساس جهوي، بحجة ان قطاع غزة "محرر" او "مستقل" او حرية الحركة فيه افضل من مثيلتها في الضفة، فهذا امر يفتح عمل الشيطان. ومن ضمن الاعتراضات التي يمكن ان تثار ان مثل هذه التشكيلات تخالف القواعد الدستورية والوظيفية والديمقراطية المتعارف عليها، وتفتح الباب لمناقصات ومزايدات، تبدأ باثارة قضايا تصبح محقة اذا كان التوزيع جهوياً وحصصياً، مثل ان عدد السكان يجب ان يؤخذ في الاعتبار عند تشكيل الحكومة، وغزة يشكل عدد سكانها 37% من عدد السكان الاجمالي، بينما تشكل الضفة بما فيها القدس 63%. وتشكلت الوزارات السابقة عبر توزيع الحقائب بنسبة 10 حقائب لغزة و14 للضفة. ليس مهماً، ان يكون رئيس الحكومة من غزة او من الضفة او لاجئ او ابن قرية او مدينة، ولكن الخطر فتح ثغرة تجعل كل منطقة (كل مدينة وقرية ومخيم)، وكل عشيرة وعائلة تطالب بحصتها، وهذا طريق لا يبني وطناً، ولا يحقق وحدة وطنية بل اقصر طريق نحو الشرذمة والانقسام. من الطبيعي جداً، ان تكلف الكتلة الكبرى بتشكيل الحكومة رغم ان القانون الاساسي لا يلزم الرئيس بذلك، الا ان المنطقي ان يفعل ذلك كما فعل سابقاً. واذا كانت الظروف الخاصة التي يعيشها الفلسطينيون حالياً تحول دون تكرار ذلك، فلا مانع ان تمنح الكتلة الكبرى حق تكليف شخصية مقربة منها بالتوافق مع الرئيس ولكن دون اشتراط ان تكون من غزة، كما ان الحديث عن "حرية غزة" يكذبه ما يجري في غزة وضد غزة من عدوان ومذابح واستباحة تجعل غزة كما نكرر دائماً سجناً كبيراً. ومن المفيد ان نذكر بحادثة جرت امامنا جميعاً، وهي حرص الرئيس الراحل ياسر عرفات على البقاء في مقره برام الله في سنواته الاخيرة عندما ادرك ان المطلوب اسرائيلياً اقامة دويلة في غزة، وتعميق الاحتلال في الضفة، فالصراع اصبح يدور على الضفة حتى قبل "الانسحاب" من غزة. ثانياً: رغم الاهمية القصوى لتشكيل حكومة وحدة وطنية قادرة على العمل والاقلاع، وما يقتضيه ذلك من رفع الحصار، والاتفاق على صفقة تبادل الأسرى، وعلى هدنة متبادلة، الا ان وضع كل هذه المسائل، او بعضها كشروط من شأنه ان يجعل مصير الوحدة الوطنية الفلسطينية، والقرار الفلسطيني، مروهونين بموافقة دولية او اميركية - اسرائيلية او عربية. والأنكى والأمر، ما يجري تناقله في الكواليس الفلسطينية من احاديث عن ان حكومة الوحدة اصبحت جاهزة وبانتظار موافقة كوندوليزا رايس وزيرة الخارجية الاميركية. ان تشكيل حكومة وحدة، على اساس برنامج وطني واقعي، هو وحده الذي يوفر افضل ظرف للتعامل الدولي معها، كما يمكنها من معالجة الملفات الداخلية والخارجية، بما في ذلك رفع الحصار. اما اشتراط الحكومة رفع الحصار او بصفقة تبادل الأسرى فهذا يرهن القرار الفلسطيني بقرار اميركي واسرائيلي، وهذا شيء في منتهى الخطورة. ثالثاً: في العادة، تبدأ عملية تشكيل الحكومات في كل البلدان، وعبر التاريخ القديم والحديث، بعد تقديم الحكومة القائمة استقالتها، وتكليف الرئيس شخصية جديدة او القديمة نفسها. ولكن عندنا يتم أمر غريب عجيب. فعملية تشكيل الحكومة بدأت، وتكاد تنتهي، قبل استقالة الحكومة الحالية، بل يتولى رئيس الحكومة الحالية، عملية التفاوض على تشكيل الحكومة المقبلة. والشخص المقترح لتشكيل الحكومة المقبلة لم يبلغ او يكلف رسمياً، حسبما صرح لوسائل الاعلام، وعندما سيتم ذلك سيجد ان كل شيء جاهز، وما عليه سوى الجلوس على كرسي رئيس الحكومة. كما يقال ان الاتفاق على ما سيتضمنه خطاب التكليف الرئاسي قد انجز. وهذا كله لا يجوز، ويشكل ثغرات تنذر بان الحكومة المقبلة ستكون ضعيفة وغير قادرة على العمل، واشبه ما تكون "بالخشخيشة". رابعاً: ان المطلوب توحيد واصلاح الاجهزة الامنية وتطهيرها وتحييدها عن الصراعات الفصائلية وليس تكريس اجهزة جديدة بمواصفات فصائلية، فالاجهزة للوطن وليست للفصائل. خامساً: على اهمية الدور الذي تقوم به حركتا "حماس" و"فتح"، ومع تقدير وزن التمثيل الذي تتمتعان به داخل المجلس التشريعي، وفي اوساط الشعب الفلسطيني، الا ان حصر المشاورات لتشكيل الحكومة من حيث البرنامج والشكل والحقائب على هذين الفصيلين من شأنه ان يكرس نظام المحاصصة البغيض، ويكرس الثنائية والاستقطاب الحاد، الذي رأينا خلال الاشهر السابقة، الى اين كان يمكن ان يوصل الحالة الفلسطينية. لا يمكن الاستمرار بتجاهل الفصائل الاخرى والقطاع الخاص والمجتمع المدني والمستقلين، والمرأة، الى درجة ان فصائل مهمة ونواباً محترمين وشخصيات بارزة والمرأة، ليسوا بصورة ما يجري بالضبط، ولم يشاركوا في الوصول اليه. ان هذا الامر، يضرب التعددية والتنوع والمنافسة، التي هي مصدر المناعة والتطور والتقدم، واهم ما يميز الشعب الفلسطيني وحركته الوطنية، وهذا من شأنه قرع ناقوس الخطر، والمسارعة بانقاذ الموقف، من خلال تأمين مشاركة كافة الفصائل والاحزاب والقطاع الخاص، والمجتمع المدني والمستقلين، بتشكيل لجنة حوار موسعة قليلاً تهدف للاتفاق على البرنامج والأسس العامة لتشكيل الحكومة، وترك امر برنامجها التفصيلي وتوزيع الحقائب لرئيس الحكومة المكلف. هل هذا ممكن؟ لا ادري، ولكنه ضروري وبدونه نفتح الطريق لتشكيل حكومة وحدة اقل ما يمكن ان يقال عنها، انها عرجاء وغير قادرة على العمل، ولا تعكس الحالة الفلسطينية كما تتجلى في الخارطة السياسية الجديدة التي اطلت برأسها بعد انتخابات المجلس التشريعي الاخيرة!!

 

 

مشاركة: