الرئيسية » هاني المصري »   22 أيار 2010

| | |
مقاطعة الاستيطان سياسة جدية أم لعب في الوقت الضائع ؟؟
هاني المصري

 

تستحق الحملة الحكومية لمقاطعة المستوطنات الدعم والتأييد. فهي خطوة ضرورية ووطنية واقتصادية، وإشارة الى ان الفلسطينيين يمكن ان يتصرفوا مرة اخرى كشعب واحد حتى يتعامل معهم الآخرون كشعب.

إن مقاطعة السلطة للمستوطنات جاءت متأخرة، ولكن ان تصل متأخراً خير من أن لا تصل أبداً.

كما أنها يمكن ان تكون بداية جديدة مختلفة نوعياً او مجرد ردة فعل مؤقتة اوعشوائية او نوعاً من اللعب في الوقت الضائع .

في كل الاحوال حملة مقاطعة الاستيطان ستجمع في البداية ما بين المتناقضات المستحيل الجمع بينها مثل مقاطعة الاستيطان واتفاقية باريس الاقتصادية سيئة الصيت والسمعة، التي لم تطبق اسرائيل شيئاً يذكر من التزاماتها بها .

ان الفضل يجب ان ينسب لأهله. وهذا يقتضي توجيه التحية والتقدير أولاً وأساساً لابطال حملة مقاطعة الاستيطان (عملاً وتعاملاً وتجارة)، ولكل انواع المقاومة والمقاطعة الشعبية الذين واصلوا كفاحهم، قبل بلعين وبعدها ، وتجسدت مقاومتهم في المقاطعة الاكاديمية والاقتصادية والقانونية الدولية، ومقاومة التطبيع، وملاحقة اسرائيل على احتلالها وجرائمها دولياً، وكلها مبادرات نفذها افراد وجماعات محلية وشعبية، لأن القيادات المركزية والسلطة لم تقتنع بامكانية الجمع بين السلطة والمقاومة الشعبية والمقاطعة، ولم تدرك اهمية المقاومة الشعبيية والمقاطعة ،بل كانت تراهن ولا تزال تراهن وان بشكل اقل، على ان المفاوضات ولا شيء غير المفاوضات، يمكن ان يؤدي لانهاء الاحتلال واقامة الدولة الفلسطينية.

ان عدم الوعي بأهمية المقاومة الشعبية بمختلف اشكالها، وإعطاء الاولوية والقداسة للمقاومة المسلحة على كل ما عداها من اشكال مقاومة، أدى الى وضع توقفت فيه المقاومة المسلحة رغم أنها حق وواجب لا جدال حوله، لاسباب كثيرة لا داعي للخوض فيها في هذا المقال، بدون ان يملك الشعب الفلسطيني أية ادوات للدفاع عن ارضه ووطنه ومقدساته.

إن فشل طريق المفاوضات ووقف المقاومة المسلحة او تعليقها حتى إشعار آخر، هو الذي ادى الى نشوء الوعي بشكل متزايد بأن المفاوضات لا يمكن ان تحقق الحقوق الوطنية او انها وحدها لا يمكن ان تحققها، الامر الذي فتح الباب لاعتماد المقاومة الشعبية بكل اشكالها، ومن ضمنها مقاطعة المستوطنات .

من الطبيعي ان لا يتم الانتقال من سياسة التعامل مع المستوطنات بما في ذلك المساهمة بالبناء فيها الى مقاطعتها بشكل كلي مرة واحدة وخلال وقت قصير. وانما سيحدث ذلك بشكل تدريجي ولكن ضمن وعي عميق ومخطط مدروس ومتصاعد، ولا يجب ان يتوقف الا بوقف كل اشكال التعامل مع المستوطنات.

لا يمكن ايضا تجنب الوقوع بأخطاء، ولكن مع ضرورة السعي للاستفادة منها ضمن رؤية اننا في البداية سنمر بمرحلة تتداخل فيها المرحلتان (مرحلة التعامل مع الاستيطان مع مرحلة مقاطعته). أهمية المرحلة الجديدة ان تكون بداية لا تنتهي الا بتحقيق اهدافها على اعتبار ان الفائدة الاقتصادية وأساسها العمل الفلسطيني في المستوطنات والاستيراد منها والتوريد لها يشكل 40% من اسباب وجود واستمرار هذه المستوطنات .

في هذا السياق، يمكن الاستفادة مما جاء في منتدى المنظمات غير الحكومة الفلسطينية الالكتروني (بنجوف) الذي خصص برنامج مواجهة مع الدكتور حسن ابو لبدة وزير الاقتصاد، ما وفر مادة غنية جداً من الاسئلة والافكار والمواضيع التي يجب ان تؤخذ في الحسبان لانجاح حملة مقاطعة المستوطنات .

اولاً : إن حملة مقاطعة الاستيطان جزء من المعركة الوطنية الكبرى لانهاء الاحتلال وإنجاز الحرية والعودة والاستقلال، وبالتالي يجب ان تكون استراتيجية وليست تكتيكاً. فكما نلاحظ انها ظهرت بعد وقف المفاوضات ويمكن ان تغيب او تتراجع كثيراً وتبقى رمزية اذا تم استئناف المفاوضات. اي انها يمكن ان تكون مجرد وسيلة ضغط لاستئناف المفاوضات وتحسين الشروط الفلسطينية، لذا يمكن ان تنتهي وتتراجع اذا تم تحول المحادثات التقريبية الى مفاوضات مباشرة.

وما يعزز هذا الاحتمال ان الحكومة و (المعارضة) الاسرائيلية بدأت تتضايق من حملة مقاطعة الاستيطان وشرعت بحملة ضدها تتضمن التهديد والترغيب. ويجب أخذ هذه الحملة على محمل الجد، وليس الاستخفاف بها، والنوم على وسادة من الاوهام، بان العالم كله في هذه المعركة ضد الاستيطان معنا، وعلى أساس الاعتقاد بأن اسرائيل لا تستطيع ان تعمل بكل قواها ضدنا. هذا صحيح ولكن بشكل محدود لأن العالم، وخصوصاً الادارة الاميركية صاحبة التأثير الكبير يمكن ان "تنصح" الفلسطينيين بوقف الحملة او تخفيفها وتحويلها الى حملة رمزية اكثر ما هي معركة جدية استراتيجية حتى لا تؤدي الى انهيار المفاوضات. فالمفاوضات تبقى هي الخيار الوحيد او الاساسي على الاقل لدى أطراف اللجنة الرباعية الدولية، الذين لا يمكن أن يقبلوا ببساطة بانهيارها كرمال عيون الحملة الفلسطينية لمقاطعة الاستيطان.

ان المفاوضات والمقاومة وكل شيء يجب ان يخضع للمصلحة الوطنية والبرنامج الوطني، واذا كانت اسرائيل تستطيع ان تجمع ما بين الاستيطان والعدوان والمفاوضات يستطيع الفلسطينيون ان يجمعوا ما بين المفاوضات و المقاومة او ان يكتفوا بالمقاومة والمقاطعة اذا كانت المفاوضات، كما هي فعلا حتى الآن، مضيعة للوقت لأنها بدون مرجعية واضحة ملزمة ولم يسبقها وقف الاستعمار الاستيطاني .

ثانياً: لا يمكن أن تنتقل السلطة بشكل جذري من حالة التعاون والتعايش والشراكات السياسية والثقافية و الشبابية والاقتصادية مع الاسرائيليين الى حالة المقاطعة بدون اعادة النظر بشكل جذري بنهجها وسياساتها واتفاقياتها حتى يقتنع الفلسطيني العادي، والأكثرية الصامتة، بأن ما تريده السلطة جدي وفي مصلحة الشعب والوطن وليس مجرد لعب بالوقت الضائع حتى تعود المفاوضات المباشرة.

حتى يحدث ذلك لا بد من أخذ الخطوات التالية :

- لا بمكن البدء بدعوة العمال في المستوطنات للانضمام الى جيش العاطلين عن العمل و تدبير شؤونهم بانفسهم، ما يشكل نوعاً من التهرب من المسؤولية على اساس ان العمل حق وواجب على السلطة كفالته وفقاً لقانون العمل الفلسطيني .

- يمكن التركيز في البداية أكثر على منع استيراد البضائع من المستوطنات وعدم توريد البضائع لها، ومطالبة رجال الاعمال الذين يقيمون مشاريع وينفذون مقاولات داخل المستوطنات بالتوقف فورا تحت طائلة المسؤولية القانونية، كما يجب محاسبة كل الفلسطينيين الذين يصدرون شهادات منشأ لبضائع اسرائيلية بعضها ينتج بالمستوطنات فورا بدون ابطاء وذلك بمحاكمتهم و وضعهم بالسجون.

- السعي الجاد لتوفير فرص عمل جديدة واعطاء الاولوية لتشغيل العاملين في المستوطنات وخصوصاً أن المقاطعة ستؤدي الى خلق آلاف فرص العمل الجديدة.

وهنا يمكن ان يساعد لحين توفر فرص العمل الجديدة انشاء صندوق البطالة .

- لابد ان تكون هناك خطة وطنية متكاملة للاقتصاد تقوم على اقامة اقتصاد صمود وتنمية ومؤسسات لخدمة هذا الصمود. فلا ينفع مقاطعة المستوطنات لوحدها في ظل استيراد بضائع اسرائيلية للسوق الفلسطينيية بالمليارات، بل لا بد من مقاطعة كل البضائع الاسرائيلية التي لها بديل محلي او اجنبي. فلا يمكن الدعوة لمقاطعة شركات الجوال الاسرائيلية لأن هناك بديلاً محلياً لها، ولزوم الصمت بالنسبة لمنتجات الالبان رغم وجود بديل محلي لها.

- لا بد من اتخاذ الاجراءات الكفيلة لتحسين جودة المنتوج الفلسطيني حتى لا يكون الفلسطيني الذي يؤمن بالمقاطعة امام بضائع فلسطينية رديئة أو مستوردة من الصين أو غيرها . فالمطلوب تشجيع الانتاج الوطني وتحسينه باستمرار لا زيادة الاستيراد ووضع المستهلك الفلسطيني امام سلعة رديئة تحت يافطة وطنية.

ثالثاً : لا يمكن إخضاع حملة مقاطعة الاستيطان الى حسابات الربح و الخسارة التجارية، بل لا بد محاكمتها استناداً الى حسابات الربح والخسارة الوطنية. فلا يمكن تأخير الحملة الى ان يتم توفير فرص عمل للعمال والعاملين في المستوطنات، أو لحين تحسين جودة البضائع الفلسطينية أو وقفها اذا نفذت اسرائيل تهديداتها أو اذا تم استئناف المفاوضات المباشرة. أو اذا ربطت اسرائيل بين اطلاق سراح الاسرى وإزالة الحواجز......الخ وبين وقف حملة المقاطعة للاستيطان.

ان جمع واستخدام أوراق القوة والضغط والمقاومة المثمرة استراتيجية يجب ان تبقى مستمرة حتى يتم دحر الاحتلال و انجاز الحرية والعودة والاستقلال، ويجب العمل بشكل متواز في جميع الاتجاهات بنفس الوقت، وتحميل القطاعات الاقوى والغنية مسؤولية أكبر والتخفيف عن القطاعات الفقيرة وعن العمال خصوصاً العاطلين عن العمل.

وأخيراً حتى يأخذ الفلسطينيون بشكل جدي حملة المقاطعة للاستيطان، لأنها لن تنجح اذا لم تصبح حملة وطنية شعبية يشارك فيها الجميع، لا بد أن تبدأ من رأس الهرم، بحيث يقاطع القادة بطاقات VIP الصادرة من مستوطنة بيت ايل، كما جاء بحق في احد الأسئلة الموجهة الى وزير الاقتصاد في برنامج مواجهة الذي استضافه "بنجوف" .

فهل نطالب العامل بقطع رزقه ولا نطالب المسؤول بان يسافر الى الخارج ويتحرك داخل الوطن بدون بطاقة الشخصيات الهامة مثل بقية ابناء شعبة حتى يشعر بوطأة الاحتلال ويتحمس بالتالي اكثر للنضال من اجل التخلص من الاحتلال .!!!

 

مشاركة: