الرئيسية » هاني المصري »   24 آذار 2007

| | |
مستقبل حكومة الوحدة الوطنية
هاني المصري

 

 بعد أن رحبنا بقيام الحكومة الحادية عشرة رغم كل الملاحظات الجوهرية عليها، المطلوب الآن العمل من أجل إنجاحها. وحتى نستطيع المساهمة بإنجاحها علينا أن نحاول الإجابة على سؤال: ما هو مستقبل حكومة الوحدة الوطنية؟.

بصفتي كاتباً وصحافياً ومحللاً سياسياً مستقلاً، تعرضت خلال الأسبوع الماضي، وفي كل يوم لمرة إلى هذا السؤال: ما هو مستقبل الحكومة الجديدة؟ وكنت أقدم الجواب التالي: حكومة الوحدة يمكن أن تعمر ثلاثة أشهر فقط، ويمكن أن تستمر ثلاث سنوات، أي حتى نهاية مدة المجلس التشريعي؟ كيف ذلك؟.

 

الحكومة يمكن أن تسقط خلال ثلاثة أشهر، أكثر أو أقل، لأنها حكومة اضطرارية ولدت من رحم الفشل بحل الخلافات الداخلية سلماً أو حرباً ولم تكن نتيجة قناعة راسخة بأهمية الوحدة. فهي حكومة تجمع بين برنامجين. صحيح أن البرنامجين يقتربان من بعضهما بعضاً، خصوصاً بعد التغييرات التي أجرتها "حماس" على برنامجها. ولكن لا يزال هناك برنامجان، وإذا لم تظهر إرادة سياسية تسعى لبلورة برنامج واحد يبقى خطر سقوط الحكومة وارداً. وهذه الثغرة كبيرة، ولا يجب الاستهانة بها. فهي الثغرة التي سمحت للاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأميركية، وربما لاحقاً لاسرائيل باتباع سياسة انتقائية تتجسد من خلال الاتصال مع الوزراء الذين يؤيدون شروط الرباعية، ومقاطعة الوزراء الذين يرفضونها خصوصاً وزراء حركة حماس. وهذه الثغرة يمكن أن تقودنا إذا لم يتم التعامل معها بحكمة وذكاء إلى ظاهرة حكومتين بحكومة واحدة. وهي ثغرة تقدم عوناً لكل الرافضين والمتضررين داخلياً وخارجياً، من الوحدة ومن تشكيل الحكومة وتحفزهم على محاولة اسقاطها سريعاً.

وما يعزز مثل هذا الاحتمال أن الأسبوع الأول من عمر الحكومة يشير الى أن الحصار السياسي للحكومة بدأ سريعاً بالانحسار، أما الحصار المالي فعلى حاله، وبحاجة الى وقت لإزالته، وإذا لم تتخذ قمة الرياض، أو بعض الدول العربية قراراً جريئاً يقضي بتقديم مساعدة عاجلة للحكومة تغطي العجز في الموازنة والناجم عن الحصار وعن احتجاز إسرائيل للأموال الجمركية الفلسطينية، فإن وضع الحكومة سيكون على كف عفريت.

وإذا لم تستطع الحكومة خلال الأشهر المقبلة إحداث تقدم ملموس على صعيد الأمن ووقف أحداث الاقتتال المستمرة حتى الآن والبدء بإعادة بناء الأجهزة الأمنية وضبط السلاح والمظاهر المسلحة والتفريق بين سلاح المقاومة وسلاح الزعرنة ومواجهة حالة الفوضى والفلان الأمني بيد من حديد، وبشكل جماعي فإن الأمور يمكن أن تتدهور سريعاً، ونعود إلى مربع الاقتتال والحرب الأهلية أو نكون أمام حكومتين بحكومة.

إذاً، بقاء الحكومة مرهون بفك الحصار المالي أو اختراقه بشكل جوهري وتحسين الوضع الأمني، كما أنه مرهون بالقدرة على قطع الطريق على خطط الاحتلال لاستخدام أسر الجندي جلعاد شاليت واطلاق الصواريخ من غزة وتهريب السلاح الى غزة كذرائع لشن هجوم واسع على غزة تحاول فيه حكومة أولمرت الخروج من أزمتها المتفاقمة بتصديرها عبر السعي لاستعادة زمام المبادرة وعرقلة عمل حكومة الوحدة وربما اسقاطها، واستعادة هيبة الجيش الإسرائيلي التي تضررت كثيراً بعد تداعيات الحرب اللبنانية، وبعد ظهور عنوان فلسطيني واحد يمد يده للسلام، وبعد استمرار المقاومة الفلسطينية، وعدم قدرة جيش الاحتلال على تحرير شاليت رغم العمليات العسكرية الوحشية التي نفذها في قطاع غزة، وتزداد قدرة اسرائيل على الحركة لاسقاط الحكومة الفلسطينية إذا تصاعد احتمال الحل العسكري للملف النووي الايراني.

رغم كل ما سبق، يمكن أن تعمر الحكومة حتى نهاية مدة المجلس التشريعي، وذلك لأن حكومة الوحدة أفضل بكثير من العودة الى خيار حكومة محاصرة تكون من لون واحد وتشكلها "حماس" وحدها أو بمشاركة بعض الكتل الأخرى، حكومة الوحدة أفضل من المجازفة بالذهاب نحو إجراء انتخابات مبكرة لا أحد يستطيع أن يعرف نتائجها. ومهما كانت نتائجها فإن التجربة التي عشناها خلال العام الماضي برهنت بشكل قاطع ان الانتخابات وحدها دون توافق على مرجعية واحدة لا يمكن أن تكون حلاً. فالفلسطينيون بحاجة للوحدة، وبالحد الأدنى للوفاق سواء إذا ذهبوا نحو الحرب أو نحو السلام. وحتى يتفق الفلسطينيون على مرجعية واحدة بحاجة الى المزيد من الوقت.

كما أن حكومة الوحدة أفضل مليون مرة من العودة إلى أجواء الاقتتال والاستقطاب الثنائي والتحريض المتبادل. إذاً، يمكن أن تستمر الحكومة رغم هشاشتها ورغم الثغرات الكبيرة التي ترافقها. فهي صيغة تمكن الرئيس من الحركة نحو المفاوضات وعملية السلام بعد التفويض الذي حصل عليه، دون أن تخشى "حماس" عواقب ذلك، لأنها مطمئنة لعدم وجود أفق حقيقي لعملية سلام جادة على الأقل في ظل حكومة أولمرت الضعيفة جداً، ومع عدم قدرتها على اتخاذ قرارات مصيرية. كما أن "حماس" قيدت الرئيس بإلزامه بعرض أي اتفاق يتوصل إليه على المجلس الوطني الجديد أو على استفتاء شعبي يشارك به الشعب الفلسطيني بالداخل والخارج. و"حماس" يمكن أن تفضل بقاء حكومة الوحدة لأنها يمكن أن تساعد على فك الحصار ولو بعد حين، كما أنها تساعدها بالحصول على الشرعية العربية والدولية دون تقديم تنازلات جديدة. فـ"حماس" قدمت تنازلات كثيرة برنامجية وعن سيطرتها الانفرادية على الحكم، لتبقى في السلطة دون أن تحصل على مقابل من إسرائيل، لذا، هي بحاجة إلى الوقت، وإلى مقابل من إسرائيل قبل أن تفكر مجرد تفكير بتقديم تنازلات جديدة. و"فتح"، على الأقل أوساط واسعة منها، تفضل حكومة الوحدة لأنها تجعلها تعود وإن جزئياً إلى الحكومة مع احتفاظها بقيادة المنظمة.

ولكن السؤال الأهم، من بقاء الحكومة أو زوالها، هو كيف يمكن أن تساعد الحكومة في وقف السياسة الإسرائيلية الرامية الى خلق أمر واقع يجعل الحل الإسرائيلي هو الحل الوحيد المطروح عملياً. فلا يكفي أن تتحدث الحكومة في برنامجها عن الحق بالمقاومة، ولا عن أهمية القدس ولا عن رفض الدولة ذات الحدود المؤقتة المطروحة أميركياً واسرائيلياً، (لاحظوا أن مثل هذه الدولة ليست مرفوضة في برنامج الحكومة من حيث المبدأ وبكل أشكالها) بل من خلال شكل محدد وهذا قد يفتح الطريق لنوع من التلاقي في المستقبل بين مشروع وبرنامج "حماس" لإقامة دولة مقابل هدنة، مع مشروع شارون الذي تبناه أولمرت حول الحل الانتقالي طويل الأمد متعدد المراحل الذي يتجنب قضايا الوضع النهائي ويبحث عن نقطة التقاء تقع في المسافة بين الدولة مقابل الهدنة والدولة ذات الحدود المؤقتة.

ما هو برنامج وخطة الحكومة والمنظمة والرئيس لإزالة الاحتلال أو على الأقل وقف الاستيطان والجدار والتهويد والمساس بالمقدسات والعدوان العسكري بكل أشكاله.

هل تثبيت التهدئة وتوسيعها ووضع مطالب مبالغ بها مقابلها كما هو وارد في برنامج الحكومة، دون تلبية ولو بالحد الأدنى لهذه المطالب من الاحتلال يحل المشكلة أم يقدم حلاً لفظياً لمشكلة فعلية إذا لم تجد حلاً حقيقياً ستقود إلى تفجير كل شيء عاجلاً أم آجلاً؟.

 

 

مشاركة: