الرئيسية » هاني المصري »   21 تموز 2008

| | |
مرة أخرى عن امتحان التوجيهي
هاني المصري

 

في هذه المرة، أيضا، لن اكتب عن التهدئة التي دخلت مرحلة التنفيذ، ولا عن الحوار الوطني الذي لا يزال بانتظار الإقلاع، ولا عن المفاوضات التي وصلت منذ زمن الى الطريق المسدود، ولكننا لا نزال نتحدث عن أنها ستصل الى هذا الطريق المسدود، وان الاستيطان سيقتل السلام وكأن هناك سلاما لكي يقتله الاستيطان.


مرة أخرى سأكتب عن امتحان التوجيهي، ولكن هذه المرة لا أفعل ذلك بكامل إرادتي الحرة، وإنما تحت ضغط من عائلتي، من فرح ويزن وامهما ومن أصدقائهما طلبة التوجيهي، فقد قالت لي ابنتي فرح إنها وصديقاتها سيغضبن كثيرا مني إذا لم اكتب عن امتحان الإدارة والاقتصاد. وقد كان هذا الامتحان كارثة بكل معنى الكلمة. ولكنني لم احسم قراري بالكتابة إلا عندما حدثني تربوي أثق به أن بعض معلمي ومعلمات المادة لم يستطيعوا حل بعض أسئلة الامتحان، وبعد أن أكد لي أكثر من تربوي بمن فيهم مسؤول في وزارة التربية والتعليم أن الأسئلة تحتاج أجابتها الى وقت أكثر من الوقت المعطى بكثير. وهذا ما اخبرني به يزن ابني (علمي) عندما اتصلت به لأطمئن على الامتحان فقال لي: "لو كان هناك وقت كاف لحصلت على علامة كاملة، ولكن الوقت غير كاف وبالتالي خسرت فرصة كنت اعلق عليها كثيرا للتعويض عن تكويعي في امتحان الأحياء". كما قالت لي فرح (أدبي) وهي تبكي أن كل الطالبات في القاعة أخذن في البكاء وأن المشرفة شاركتهن البكاء. وحدثني فرح ويزن عن طلاب وطالبات تحدثوا عن الانتحار، أو أصابهم اكتئاب شديد لدرجة عدم الرد على البلفونات من أصدقائهم الأعزاء وأن الكثير يخشى أن يرسب أو يكمل بسبب هذه المادة التي لم يحسب لها الطلبة أي حساب. قلت لابنتي "الموت مع الجماعة رحمة" فما دام الجميع يشكو فالمسألة لا تتعلق بك وحدك. وقلت لها ذلك وأنا ألاحظ أنها تكاد تتحطم تماما، فهي كانت قبل هذا الامتحان تقدر أنها ستحصل على معدل معقول جدا، ولكنها بعده لم تعد واثقة بأي شيء. ولكن عليها أن تنسى ما حصل، والتصرف وكأن امتحان الإدارة لم يحدث، وقلت لها إن عليها أن تأمل بأن وزارة التربية ستعالج الأمر بمسؤولية وبما ينسجم مع مصلحة الطلبة ومستقبل التعليم في فلسطين. لقد عبر الطلبة عن احتجاجهم على امتحان الإدارة والاقتصاد بأساليب صحيحة مثل العرائض والمظاهرات السلمية، كما عبر بعضهم عن احتجاجه بطريقة مرفوضة مثل حرق سيارة، ولكن صعوبة امتحان الإدارة يجب ألا تمر مرور الكرام، بل يجب تشكيل لجنة تحقيق وتقييم للقرار الخاص بتشكيل لجنة الامتحان والأسئلة التي وضعتها واستخلاص الدروس والعبر، والأهم معالجة المسألة عبر إصدار تصريح فوري عن وزارة التربية والتعليم يطمئن الطلبة بأن الوزارة ستعالج المشكلة عند التصحيح بحيث يستطيع الطلبة الاطمئنان والثقة ومواصلة الدراسة بنفس الهمة ونسيان مادة الإدارة والاقتصاد، وهناك طرق عدة للمعالجة تبدأ بحذف أسئلة أو زيادة علامات الطلاب بنسبة معينة عبر منحنى يتناسب مع علاماتهم. على الوزارة أن تراعي أن الطلبة يؤدون هذه المادة كاملة لأول مرة، فامتحانها في العام الماضي ليس مقياسا لأن قسما من المادة كان محذوفا، ولأن الأسئلة كانت سهلة جدا مراعاة للظروف التي مر بها الطلبة في العام الماضي من الإضرابات وخلافه. لماذا نضع مصير الطلبة تحت رحمة التجريب؟ لماذا لا تكون هناك أسئلة معيارية لا نحيد عنها الا بالحالات الطارئة جدا، تقدم في كل عام بصورة متقاربة بحيث لا يكون لدينا سنة الأسئلة فيها سهلة لدرجة تضخم عدد الطلاب الحاصلين على معدلات عالية جدا، وسنة أخرى الأسئلة صعبة بحيث يدفع الطلبة فيها ثمن ذنب لم يرتكبوه. وإذا كانت نسبة القبول في جامعاتنا ستنخفض في هذا العام بسبب المعدلات المنخفضة المتوقعة، وهذا يعوضهم عن نقص المعدلات العالية، لكن نسبة القبول في الجامعات العربية والأجنبية لا تحذو حذو مثيلاتها الفلسطينية مما يقلل فرص طلبتنا بالتعليم في الخارج. فجامعاتنا لا تستطيع أن تستوعب كل طلبتنا. وأعود مرة أخرى الى الدعوة لإلغاء امتحان التوجيهي، وعدم الاستمرار بتقديس الماضي وجعله يتحكم بالحاضر والمستقبل وعدم مواكبة التجارب والمناهج والأساليب الحديثة. فامتحان التوجيهي كان المقياس الصادق لتحديد مستوى الطلبة في زمن مضى وعندما لم يكن هناك بدائل أخرى. أما اليوم ففي بريطانيا يتم امتحان التوجيهي عبر ثلاث مراحل، وعندما نقترح أن نفعل نفس الشيء يقال لك إن هذا الأمر مكلف جدا ولا نقدر عليه. وفي الأردن قسم امتحان التوجيهي على أربعة فصول، وفي بلاد أخرى على فصلين، والسات الأميركي وغيره من الامتحانات في البلدان المتطورة يستطيع الطالب أن يقدمه أكثر من مرة والفارق بين المرة والأخرى قصير 45 يوما. أنا لست تربويا ولا مختصا في التعليم، ولكنني أعرف بالتجربة المرة التي خضتها عندما كان ابني البكرعدنان يمتحن في التوجيهي، وفي هذا العام عندما يمتحن فرح ويزن، أن امتحان التوجيهي يسبب رهبة وتوترا في الأسرة والمجتمع وفي وزارة التربية نفسها لدرجة أن أماني ابنة أختي قرأت لزميلاتها مقالي السابق عن امتحان التوجيهي وأخذن في البكاء تحسبا لأن أولادهن رغم أنهم صغار السن حاليا سيصلون التوجيهي في يوم من الأيام، مما يستدعي مراجعة امتحان التوجيهي الان الان وليس غدا والبحث عن بدائل أخرى. واقترح الشروع بإجراء دراسات وإجراء أبحاث واستطلاعات رأي لتحديد موقف علمي يكفي ما عاناه طلاب التوجيهي هذا العام من قرارات متضاربة ومن حذف مواد والتراجع عن الحذف، ومن دراسة مواد وتقديمها في امتحان التجريبي رغم أنها لن تدرج في امتحان الثانوية العامة هذا العام. يكفي خوفهم من الأسئلة الصعبة التي حذرهم الجميع منها منذ بداية العام واختتم مقالي هذا بخاطرة كتبتها زوجتي رنده أم يزن وفرح وهي تعبر عن المشكلة التي أوجدها امتحان الإدارة هذا العام. صرخة أم *ماذ اتريد وزارة التربية والتعليم من أولادنا؟ * هل تريد وزارة التربية والتعليم أن تعيد هيبة الثانوية العامة على أكتاف أولادنا بغير حق؟ * هل تريد وزارة التربية والتعليم اعطاء صورة حضارية مشرقة عن عملية سير الامتحانات، والتكفير عن ذنبها بسبب سهولة الأسئلة والفلتان التعليمي (الغش، وسرقة الأسئلة) التي سادت العام الماضي؟ ألا تستطيع الوزارة المصون أن تميز بين الفرع العلمي والفرع الأدبي؟ فاذا كانت الوزارة ذات رؤية علمية، تحليلية ثاقبة وتريد أن تعكس ذلك على نوعية الأسئلة وعلى طلابها، فليكن ! لكن يجب عليها أولا أن تميز وأن تضع أسئلة تناسب طلبة كل فرع على حدة. لقد اختار الطلبة الفرع الأدبي كرها بمادة الرياضيات وكل ما يتعلق بالمسائل الحسابية، فهل يعقل أن تكون نسبة الأسئلة العلمية والحسابية في مادة الادارة ما مجموعه 40. /. من حجم الأسئلة؟ أضف الى ذلك بأنها أسئلة في غاية الصعوبة وتحتاج الى وقت أكثر بكثير من الوقت المخصص لها ؟ بالله عليكم ارحموا طلابنا، أولادنا يريدون الحصول على معدلات عالية جدا 90. /. وما فوق، لماذا نقهرهم بهذه الطريقة غير المنطقية والمجحفة بحقهم. لقد عاش أولادنا حالة من الانهيار والبكاء المتواصل وشاركهم بذلك المراقبون ورؤساء القاعات والأهل طبعا. ألا يكفيهم قهر الاحتلال ؟

 

مشاركة: