الرئيسية » هاني المصري »   25 تشرين الثاني 2006

| | |
مرة أخرى .. لماذا تتعثر المشاورات لتشكيل حكومة وحدة وطنية؟
هاني المصري

 

الأيام الأخيرة حملت معها انحسار موجة التفاؤل التي سادت خلال الاسابيع القليلة الماضية حول قرب تشكيل حكومة وحدة وطنية، ويحل التشاؤم الان بالتدريج محل التفاؤل، فالمشاورات تعثرت امام عقد البرنامج السياسي والحصص في المنظمة والحقائب الوزارية التي تسمى سيادية، وامام-وهذا هو الأهم-ربط حكومة الوحدة بفك الحصار وصفقة تبادل الاسرى والاتفاق المتبادل على التهدئة.
هناك من يقول إن المشاورات وصلت فعلاً الى طريق مسدود، وان ما يجري حالياً هو مجرد محاولات أخيرة يائسة لانقاذها من الفشل الذريع.
وهناك من يقول إن المشاورات قد قطعت شوطا حاسماً، وانها انجزت الاتفاق على البرنامج السياسي وعلى اسم رئيس الوزراء، وعلى توزيع الحقائب الوزارية من حيث العدد، وانه ستصل خلال أيام الى اتفاق حول توزيع الحقائب الوزارية خصوصاً بين فتح وحماس. وهذا البعض لا يزال يبيع الامال ( والبعض يقول الاوهام) حول امكانية التوصل الى اتفاق مع نهاية الشهر الحالي، التزاما بالوعد الذي قطعه الرئيس امام المهرجان الجماهيري الحاشد الذي اقيم في الذكرى الثانية لرحيل القائد الرمز ياسر عرفات.


في هذا المقال، سأحاول اظهار طبيعة الخلاف وجذوره ما بين فتح وحماس، او ما بين الاتجاه السياسي الوطني والاتجاه الاسلامي الوطني، والبحث حول امكانية او استحالة التوصل الى اتفاق.
منذ تفجر الأزمة الحالية، هناك من اعتقد باستحالة الاتفاق على تشكيل حكومة وحدة وطنية أو غيرها، وكان اصحاب هذا الرأي يشككون دائماً بالاخبار التي تتحدث عن التقدم والتي وصلت احيانا للحديث عن الاتفاق على 89% من القضايا المختلف عليها.
وعند تعثر المشاورات، ينبري علينا اصحاب هذا الرأي بالقول: ألم نقل لكم؟ ويشددون على صحة رأيهم باستحالة الاتفاق، ووجهة النظر هذه وجيهة. فالاتفاق صعب، وصعب جداً للأسباب التالية:
السبب الأول: ان في الساحة الفلسطينية برنامجين رئيسين متناقضين كل التناقض، برنامج تقوده حركة حماس، وبرنامج تقوده حركة فتح. وهذان البرنامجان يسيران بخطين متوازيين ولا يمكن ان يلتقيا.
السبب الثاني: ان حركة حماس تمثل رأس رمح للاسلام السياسي في العالم كله بصورة عامة، ولحركه الاخوان المسلمين بصورة خاصة. والاسلام السياسي يضع كل ثقله من أجل انجاح تجربة حماس في الحكم، لانها التجربة الاولى للوصول الى الحكم، من قبل حركة اسلامية، عبر صناديق الاقتراع. فنجاح حماس كما قال العلامة يوسف القرضاوي نجاح للأمة كلها وفشلها فشل للأمة.
السبب الثالث: ان الاسلام السياسي بحكم عقيدته وبرنامجه لا يقبل الشراكة السياسية، خصوصا اذا لم يكن مضطراً جدا لها. وحماس حصلت على أغلبية كافية تمكنها من الحكم منفردة. واي شراكة ستقيد حركتها لمد نفوذها داخل النظام السياسي الفلسطيني، الذي بدأ في السلطة ولن ينتهي بها، وانما سيتواصل الى المنظمة.
السبب الرابع: ان احد ابعاد الخلاف والصراع، يتجلى في كونه صراعا على السلطة. فالسلطة مغرية، حتى لو كانت وهمية وقصيرة وتحت الاحتلال. والدليل على ذلك ان من أهم اسباب تعثر المشاورات الحالية، الخلاف على توزيع الحقائب الوزارية، خصوصا التي تسمى سيادية، والخلاف على حصة حماس في المنظمة والسفراء والمحافظين، وعلى ضرورة اصدار مراسيم من الرئيس لاعتماد القرارات التي اصدرتها الحكومة منذ تشكيلها والتي تتضمن تعيين أكثر من 021 موظفاً من ذوي الدرجات العالية.
ومع اتفاقي بصورة عامة مع الاسباب المذكورة لاسباب وابعاد الصراع بين فتح وحماس، الا أنني اعارض المبالغة بتأثير وعمق هذه الاسباب لدرجة الجزم باستحالة الاتفاق. فأنا أرى امكانية للاتفاق رغم هذه الاسباب. وذلك لان عدم الاتفاق يمكن أن يؤدي الى دمار الجميع وتصفية القضية في ظل توازن القوى المحلي المتعادل نسبياً، وبحكم المؤثرات الاقليمية والدولية وامام وجود عدو مشترك متربص بالجميع، وفي ظل استمرار محاولات الاتفاق رغم حجم الخلاف، من اعلان القاهرة، الى المشاركة في السلطة، الى وثيقة الوفاق الوطني، والمحددات السياسية، الى المشاورات الحالية لتشكيل حكومة وحدة وطنية. ان ما يفسر استمرار المحاولات شعور الجميع بعدم وجود بدائل حقيقية انفرادية. فالبديل عن الوفاق الوطني انتحار جماعي. ولكن مقومات الاتفاق لم تنضج بعد، لان حماس تريد الاستمرار بالحكم منفردة او تشكيل حكومة وحدة تحت سيطرتها. وتراهن على الوقت لكسر الحصار. وفتح تراهن على الحصار بدلا من الرهان على اثبات جدارتها.
واذا توقفنا حول اسباب الصراع ودققنا بها سنجد انها أقل تأثيراً مما تبدو عليه من النظرة الاولى. فعند التوقف أمام الصراع على البرنامج سنجد أن هذا صحيح، ولكن الحقيقة مختلفة عن القول بوجود برنامجين متناقضين جذرياً. فهناك برنامج جديد يطل برأسه يختلف عن برنامج فتح وبرنامج حماس. وهو برنامج وثيقة الاسرى، فهو يختلف عن برنامج اوسلو كما يختلف عن برنامج المقاومة كاستراتيجية وحيدة للعمل الوطني. واذا دققنا أكثر نجد ان برنامج حماس الان، ليس هو برنامج حماس عند انطلاقها، ولا حتى برنامجها منذ سنتين. حماس تتغير. ويمكن ان تتغير أكثر أو تعود القهقرى.
حماس الان، تقود السلطة، بعد ان اعترفت بها وشاركت بالانتخابات، رغم أنها كانت تعتبر السلطة أحد افرازات اتفاق أوسلو. واصبحت حماس تتحدث الآن، ومستعدة للمشاركة في حكومة، يكون برنامجها يتحدث عن احترام الاتفاقات الموقعة. وتراجعت عن برنامج التحرير الكامل لصالح برنامج دولة مقابل هدنة مع الاستعداد للهدنة الان وقبل الدولة. والهدنة التي تتحدث عنها مدتها حسب تصريحات قادة حماس من 01 سنوات الى 05 سنة، كما صرح رئيس الحكومة اسماعيل هنية
حماس ايضاً لم تعد ترفض اسلوب التفاوض بل ابدت استعدادا لتفويض الرئيس والمنظمة بالتفاوض، كما ان حماس اوضحت مرارا وتكراراً رفضها للاعتراف باسرائيل (ومعها حق)، ولكنها لمحت بصورة كافية الى ان رفضها للاعتراف ليس نهائيا. فهي مستعدة للاعتراف اذا اعترفت اسرائيل بالدولة، والدلائل على ما سبق هي:
- هناك عدة تصريحات لقادة حماس ووزراء والناطق باسم الحكومة ومستشار رئيس الحكومة، بأن حماس لن تعترف الان باسرائيل. ولن تعترف باسرائيل اعترافاً مجانياً او انها لن تقبل مبادرة السلام العربية لانها مرفوضة من اسرائيل، وليس لانها تعترف باسرائيل.
- الرسالة التي ارسلها محمود الزهار وزير الخارجية الى كوفي عنان وتتضمن استعداداً لقبول معادلة دولتين لشعبين. وهذه الرسالة ارسلت ولم تسحب او تعدل او تصحح فيما بعد.
- المشاورات التي جرت حول تشكيل حكومة الوحدة الوطنية، مرت بمراحل وقعت فيها حماس على المحددات السياسية التي تقر بمبادرة السلام العربية كاساس لخطة التحرك السياسي الفلسطيني.
- المشاورات التي لا تزال جارية، تستند الى استعداد حماس للمشاركة في الحكومة القادمة، التي ستعتمد، على خطاب التكليف الذي اصدره الرئيس ابو مازن لحكومة اسماعيل هنية زائد وثيقة الوفاق الوطني. كما ان اقرار حماس لوثيقة الوفاق الوطني نفسه ينطوي على استعداد ضمني للاعتراف باسرائيل اذا اوفت اسرائيل بقرارات الشرعية الفلسطينية والعربية والدولية.
انني واثق تماما، بأن حماس، لو لم تتغير لما شاركت بالسلطة، المقيدة باتفاقات والتزامات تعرفها حماس جيدا، وتعرف ان التخلص منها ليس امرا هيناً ولا في متناول يدها الان. ولو لم تتغير حماس لكانت اول شيء فعلته هو الغاء اتفاق اوسلو وملحقاته، خصوصاً ان اسرائيل تجاوزته كلياً، ولا تعترف فيه الا بالالتزامات الفلسطينية، وخصوصا الاعتراف باسرائيل ونبذ المقاومة كليا كاسلوب لحل الصراع.
الشاهد الاكبر على تغير حماس، انها وافقت على التهدئة أكثر من مرة آخرها في اذار 5002 والتزمت بها، بما في ذلك وقف اطلاق الصواريخ من غزة، لاكثر من 51 شهرا، وتبدي حالياً الاستعداد لتمديد التهدئة لمدة كافية، كما اوقفت من جانب واحد العمليات الاستشهادية داخل اسرائيل، ولا اعتقد أنها الان، بوارد العودة لها حتى بعد التهديدات التي اطلقتها بذلك بعد مجزرة بيت حانون.
فحماس اصبحت قريبة من القبول ببرنامج دولتين لشعبين، وبهذا تقترب من برنامج م.ت.ف، وحماس لهذا السبب تريد ان تعطي الاولوية للسلطة، ومد نفوذها فيها، وإحكام سيطرتها عليها. وهذا وذاك ما يفسر لماذا يطغى الصراع على السلطة حاليا على كل ما عداه من اسباب الصراع الاخرى
اما بالنسبة لكون حماس رأس حربة للاسلام السياسي، وامتداداً لحركة الاخوان المسلمين، فهذا صحيح، ولكن بدون مده الى اقصى حد، إلى حد طمس البعد الوطني في برنامج وتأسيس ودور حركة حماس. فتأسيس حركة حماس ينطوي على نوع من التمرد على ذلك النوع من الاسلام السياسي الذي كانت تمثله حركة الاخوان المسلمين، التي كانت تتخذ مواقف اكثر من معتدلة من اميركا ومن الانظمة الموالية لاميركا، وأكثر من ذلك تحالفت مع اميركا نفسها في حربها ضد الشيوعية والاتحاد السوفياتي ومنظومته الاشتراكية، وأكبر شاهد على ذلك التحالف ما بين الاسلام السياسي والاميركان في افغانستان ابان فترة الاحتلال السوفياتي. فالاخوان المسلمون لم تكن فلسطين ولا مقاومة الاحتلال الاسرائيلي من ضمن اولوياتهم، بينما حماس غيرت المعادلة واعتمدت خيار المقاومة الذي اعطاها بعدا وطنيا لا يمكن انكاره، ما ساعدها في الحصول على أغلبية الاصوات في الانتخابات الاخيرة.
فلا ينقص حماس الشرعية الوطنية ولا الدستورية ولا غيرها من الشرعيات رغم كل الملاحظات على التأثيرات الخارجية، وانما تنقصها شرعية أهم من كل الشرعيات وهي شرعية العقلانية والواقعية التي لا يمكن بدونها لاي حاكم ان يحكم. وحماس تحاول ان تحصل على هذه الشرعية ولكن بتردد وبطء قاتل. والوقت من دم، والتاريخ لا يرحم، وما يدفع حماس للتردد بل للتراجع اصلا انها لم تجد اي تجاوب من اسرائيل والولايات المتحدة الاميركية مع الاشارات المعتدلة التي اطلقتها، بل بدلا من تشجيعها، يتواصل الحصار ويتعمق، وتشدد المطالبة على قبولها اي استسلامها للشروط الدولية الثلاثة بدون اي مقابل سوى الاعتراف بحماس او بحكومة تشارك بها حماس.
في هذا السياق لم تتقدم حماس بما فيه الكفاية، واكتفت بالتراجع خطوة واحدة الى الوراء، من خلال إبداء مرونة سياسية لا تصل الى حد الاعتراف باسرئيل، ولا الى حد حكومة شراكة كاملة، وانما حكومة تحت هيمنة حماس، والاستعداد للتنازل عن منصب رئيس الحكومة والمشاركة في حكومة وحدة وطنية تشارك فيها بتسع حقائب من ضمنها حقيبتا المالية والداخلية، لانها لم تجد تجاوباً اسرائيلياً واميركياً مع اشاراتها المتلاحقة، ولأنها لا تخشى كثيراً من منافسها الداخلي (اي فتح). فهو استطاع ان يعيق حركتها، ولكنه لا يستطيع التقدم لكي يحل محلها. وحماس عادت لتراهن على فك الحصار على خلفية عدم وجود بديل عنها، ولأن هناك رياحاً ايجابية تهب من العراق ولبنان والولايات المتحدة الاميركية.
وعلى أهمية رؤية هذه الرياح الايجابية، لكنها لا تكفي لفك الحصار، ولا لفك عرى التحالف الاميركي-الاسرائيلي، ولا بديل عن مواصلة حماس التقدم لبلورة برنامج وطني واقعي، او المشاركة في حكومة تستند الى برنامج وطني واقعي، قادر على الاقلاع، لانه يحقق الوحدة الوطنية ويقدم حلاً واقعياً للصراع ويجعل الاحتلال معزولا امام العالم كله. فالاحتلال إما أنه لن يقدم اي حل سوى استمرار الاحتلال، او يحاول ان يفرض الحل الاسرائيلي. واسرائيل الان بلا مبادرة ولا حل. والوضع الدولي قابل للتغير. وعلينا الاستعداد لترتيب البيت الفلسطيني عبر تشكيل حكومة وحدة تجسد شراكة حقيقية، واحياء وتفعيل م.ت.ف، واعتماد مقاومة ذات جدوى قادرة على تحقيق الاهداف الوطنية!!

 

مشاركة: