الرئيسية » هاني المصري »   13 آذار 2012

| | |
ماذا يجري في "حماس"؟
هاني المصري

 

منذ توقيع اتفاق القاهرة في أيار الماضي ظهرت "حماس" كما لم تكن من قبل. فقد وافق خالد مشعل على التنازل عن الجلوس على المنصة في حفل المصالحة وتكريس زعامة الرئيس محمود عبّاس، وألقى خطابًا وطنيًّا وحدويًّا فوّض فيه الرئيس عبّاس بالتّفاوض لمدة عام، أكثر مما طلب.

ووافق مشعل على تأجيل تطبيق اتفاق المصالحة نزولًا عند رغبة الرئيس حتى لا يشوّش على التوجه إلى الأمم المتحدة، واستنفاذ الجهود والمبادرات العربيّة والدوليّة لاستئناف المفاوضات بعد وضع مواعيد نهائيّة من أيلول الماضي إلى 26 كانون الثاني الماضي.

لقد تعرض مشعل جرّاء هذه المرونة لانتقادات من بعض زملائه في قيادة "حماس"، ولكن المعارضة حينها كانت مجرد "زوبعة في فنجان" ومرت مرورَ الكرام.

بعد "إعلان الدوحة" الذي جاء في ذروة الصراع على سوريا، وتزامن مع نقل مقر قيادة "حماس" من دمشق إلى عدد من العواصم العربيّة، وبعد إتمام صفقة تبادل الأسرى؛ ظهرت إشارات اعتدال في لقاء عبّاس مشعل في تشرين الثاني الماضي واللقاءات الفلسطينيّة في شهر كانون الأول الماضي، حيث أعلن مشعل اعتماد المقاومة الشعبيّة واستمرار التهدئة وتمديدها لتشمل الضفة الغربيّة، وأكد التزامه بإقامة دولة فلسطينيّة، وموافقته على تفويض المنظمة بالتفاوض للتوصل إلى تسوية، وصولًا إلى موافقته في 6 شباط على ترؤس عبّاس لحكومة الوفاق الوطني القادمة.

لقد أدى "إعلان الدوحة" إلى عاصفة من الخلافات غير المسبوقة داخل "حماس"؛ أدت إلى عقد المكتب السياسي اجتماعًا في القاهرة أعلن في نهايته عن "تأييد" تطبيق اتفاق القاهرة و"إعلان الدوحة"، وسط تسريبات بأنه وضع استدراكات تجعل هذا الأمر صعبًا، إن لم نقل مستحيلًا. وهذا ما يفسر الإعلان عن تأجيل تشكيل الحكومة.

لقد تركّز اعتراض قيادات من "حماس" على رفض ترؤس عباس للحكومة القادمة، لما يعطيه من إشارة لانتصاره واعتماد برنامجه السياسيّ، وظهر من خلال المطالبة بتعديل القانون الأساسيّ قبل تشكيل الحكومة، ورفض أن يكون لها برنامج سياسيّ، وربط السماح ببدء لجنة الانتخابات بتسجيل الناخبين في غزة بجملة من الشروط، تبدأ بعرض الحكومة على المجلس التشريعي للحصول على الثقة، وتمر بتوفير أجواء مناسبة لإجراء الانتخابات في الضفة، ولا تنتهي بتوفير ضمانات إسرائيليّة وأميركيّة ودوليّة باحترام نتائج الانتخابات؛ حتى لا يتكرر ما حدث بعد الانتخابات التشريعيّة عام 2006، حيث حوصرت وقوطعت الحكومة إسرائيليًّا ودوليًّا. وقامت سلطات الاحتلال حينها باعتقال ثلث النواب، غالبيتهم من كتلة التغيير والإصلاح، ما عطل المجلس التشريعي، ولم يُمكّن "حماس" من الاستفادة من الأغلبيّة التي حصلت عليها.

ولم تقتصر الخلافات داخل "حماس" على "إعلان الدوحة"، وإنما شملت الخلاف حول الموقف من سوريا، بين من انتقد النظام وأعلن تأييده لانتفاضة الشعب، وبين من يريد الاستمرار في الوقوف في منتصف المسافة بين الشعب والنظام. وشملت الموقف من زيارة هنيّة لإيران، خلافًا لنصائح زملائه وحلفائه، بين من يريد إتمام الزيارة وأن يحارب معها إذا شنت إسرائيل حربًا عليها، وبين من يريد أن ينأى بـ"حماس" عن هذه الحرب.

إنّ الخلافات في حركة كبيرة مثل "حماس" طبيعيّة، وأصبحت مفروضة عليها حتى تستطيع أن تواكب المتغيرات والتطورات العربيّة والإقليميّة والدوليّة، التي أدت إلى تغيير في قيادة وموقف وتحالفات "حماس"، بحيث لم تعد قيادتها قادرة على الاستمرار في دمشق لأسباب سياسيّة وأمنيّة وعمليّة، فقيادة "حماس" لم تعد قادرة على استقبال زوّارها وممارسة أعمالها ونشاطاتها السياسيّة والإعلاميّة بسبب ما يجري في سوريا وسط الضغوط المتعاكسة الممارسة عليها لكي تأخذ جانب النظام أو الثورة. وما سرّع من حسم "حماس" أنّ الثورات العربيّة أدت إلى انتصار حلفائها في مصر وتونس والمغرب، وبالرغم من هذا التطور الإيجابيّ وجدت "حماس" نفسها في وضع معقّد، فهي تريد أن تستفيد من انتصارهم دون أن تخسر ما لديها. وهنا جذر الخلاف داخل "حماس".

فهي من جهة، استفادت من الثورات العربيّة بدليل الجولات التي قام بها إسماعيل هنيّة لمصر وتونس وتركيا وإيران والبحرين وقطر والإمارات والكويت، وحظي فيها باستقبال ودعم طال انتظاره منذ فوز "حماس" في الانتخابات عام 2006 وحتى الآن.

ومن جهة أخرى، مطلوب منها الاعتدال حتى لا تكون عبئًا على الحكام الجُدد من حلفائها، وحتى تتمكن من التموضع في القاهرة وعمّان والدوحة وأنقرة. فالحكام الجُدد بحاجة إلى علاقات جيدة مع الولايات المتحدة وأوروبا، وإلى استقرار إقليميّ يقتضي الحفاظ على السلام مع إسرائيل.

وأخذ الخلاف أبعادًا إضافيّة، بسبب اقتراب موعد الانتخابات الداخلية لاختيار قيادة جديدة لـ"حماس"، حيث ظهر التنافس بين القيادات المختلفة التي تختلف في الرؤى والبرامج والمؤثرات الداخليّة والخارجيّة وسط شعور قوي بأن المتغيرات تقتضي إعادة مركز قيادة "حماس" من الخارج إلى قطاع غزة، مثلما كان الأمر زمن قيادة الزعيم المؤسس الراحل أحمد ياسين.

ولا تكتمل الصورة دون رؤية التباين في كيفيّة التعامل مع المتغيّرات العربيّة، مع أن هذا العامل ليس هو العامل الحاسم، بدليل أنّ "المتشددين" في "حماس" اليوم هم الذين كانوا "معتدلين" بالأمس، أي أنّ المسألة ترتبط بالصراع على القيادة والمصالح والمكاسب أكثر ما تتعلق بالخلاف على البرامج.

لكن هذا لا يلغي أنّ هناك في "حماس" من يعتقد أنّ صعود جماعة الإخوان المسلمين في المنطقة يستدعي الحفاظ على المقاومة وحلفاء "حماس" في دمشق وطهران وحزب الله، وليس الانتقال من معسكر إلى آخر دون ضمان الحصول على أي شيء، ويعزز هذا الرأي أنّ أصحابه يعتقدون أن صمود "حماس"، خصوصًا في غزة، ساهم في انتصار الإسلاميين في المنطقة، فلماذا تدفع "حماس" ثمنًا غاليًا لهذا الانتصار؟

إن المسافة ما بين الفضاء الإستراتيجيّ الذي فتحته الثورات العربيّة أمام القضيّة الفلسطينيّة وبين القدرة على توظيفه على المدى المباشر كبيرة، ولا تحتمل القضيّة الفلسطينيّة التي تمر بلحظة حرجة انتظارَ الوقت اللازم لقطع هذه المسافة حتى يستتب الحكم في البلدان العربيّة التي شهدت ثورات، ومعرفة مستقبل سوريا وتأثيره على مستقبل المنطقة.

المطلوب من الفلسطينيين جميعًا، "فتح" و"حماس" والآخرين، التحرك بسرعة للاستفادة من الانشغال العربيّ والإقليميّ والدوليّ بما يجري في المنطقة، ومن الملف الإيراني، والانتخابات الرئاسيّة الأميركيّة، وفي ظل جمود ما يسمى "عملية السلام"؛ لترتيب البيت الفلسطينيّ حتى يصبح العامل الفلسطينيّ فاعلّا وموحدًا وقادرًا على توظيف الفرص والمكاسب ودرء المخاطر والخسائر.

أي يجب الانطلاق من المصلحة الوطنيّة العليا، وليس من مصلحة "فتح" أو "حماس" الفئويّة، حتى تكون الوحدة في إطار المنظمة والسلطة هي الأولويّة والمظلّة الشرعيّة التي تضم الجميع، دون أن تجد "حماس" نفسها مطالبة بالسّير في نفس الطريق الذي سار فيه الرّئيس الراحل ياسر عرفات، والرئيس الحالي محمود عبّاس الذي أدى إلى الاعتراف بإسرائيل ونبذ العنف والإرهاب، والالتزام بالاتفاقيّات من جانب واحد، بما في ذلك التنسيق الأمني واتفاقية باريس الاقتصاديّة، واعتماد بناء المؤسسات وإثبات الجدارة كطريق لإقامة الدولة، بحيث أصبحت المؤسسات جاهزة، والدولة غدت بعيدة وأبعد ما كانت عليه من السابق.

هذا يقتضي أن تعزز "حماس" دورها الفلسطينيّ والتزامها بالمشروع الوطنيّ الديمقراطيّ، ولا تقع ضحيّة خطأ قاتل بالتضحية بفلسطين مؤقتًا (يمكن أن تصبح دائمة) لصالح المشروع الإسلاميّ، بحجة أنها مجرد قطرة في محيطه، لأن التاريخ أثبت أنّ الحفاظَ على الدور الخاص للشعب الفلسطينيّ لا يتناقض على الإطلاق مع الأبعاد العربيّة والإسلاميّة والتحرريّة والإنسانيّة للقضيّة الفلسطينيّة، بل هو شرطٌ أساسيٌّ للحفاظ عليها وتحقيقها.

فما دفع الولايات المتحدة الأمريكيّة وأوروبا للاعتراف بجماعة الإخوان المسلمين هو أنهم فازوا في الانتخابات، وفرضوا أنفسهم على أرض الواقع، وليس عليهم أن يذهبوا بعيدًا في مراضاة الغرب حتى يحافظوا على الحكم. وعلى "حماس" أن تدرك أنّ المبالغة في الاعتدال يؤدي إلى إضاعة كل شيء دون الحصول على شيء. وأن طريق الحصول على الاعتراف من العالم يمر بفرض الوجود على أرض الواقع بشكل تدريجيّ وبإطار فلسطينيّ موحد، وليس عبر التنافس بين "فتح" و"حماس" على من يقدم تنازلات أكثر حتى يتم اعتماده من أميركا والغرب وإسرائيل كزعيم للفلسطينيين. إن هذا التنافس يؤدي إلى خسارة فلسطينية وربح صافٍ لإسرائيل.

إنّ خلافات "حماس" طبيعيّة وجديّة، ولكنها متوقفة على التطورات اللاحقة عربيًّا وإقليميًّا ودوليًّا، وليست مرشحة بالضرورة للاتساع والتفاقم وصولًا إلى الانقسام والتشظّي، لأن "حماس" يمكن أن تراهن على المستقبل في ظل صعود الإسلام السياسيّ بشرط ألا تصبح ليّنة فتُعْصَر ولا صلبة فتُكْسَر، وأن تعرف أنّ قوتها الحقيقية في نفوذها داخل شعبها واندماجها في شراكة حقيقيّة كاملة ضمن وحدة وطنيّة جديّة في نظام سياسيّ فلسطينيّ أصبح بحاجة ماسّة إلى إعادة بناء على أسس وطنيّة وديمقراطيّة وشراكة حقيقيّة بسرعة وقبل فوات الأوان!!

Hanimasri267@hotmail.com

 

 

 

مشاركة: