الرئيسية » هاني المصري »   14 حزيران 2008

| | |
مبادرة الرئيس تراوح مكانها : الكرة في ملعب الشعب الفلسطيني
هاني المصري

 

تراجعت قوة الدفع المحركة لمبادرة الرئيس، وانحسرت موجة التفاؤل التي رافقتها، وبدأ في الظهور سؤال يطرح نفسه بقوة هو: ماذا بعد طرح المبادرة والجولة العربية لتسويقها؟ ما هي الخطوة القادمة؟ ماذا بعد الترحيب الفلسطيني والعربي والدولي الواسع بها؟ وبعد المبادرة السنغالية، وبعد استعداد مصر لاستضافة الحوار، وبعد دعوة القمة السعودية- الفلسطينية لاطلاق حوار فلسطيني برعاية الجامعة العربية فقط،


 وبعد ترحيب عمرو موسى أمين عام الجامعة العربية؟ ماذا بعد؟ ما هي آلية متابعة المبادرة ومتى وكيف وأين سيبدأ الحوار؟ وكيف سيتم التحضير له، وما هي مواضيعه؟ وهل يستهدف تحقيق خطوات بناء ثقة أولاً أم يسعى للاتفاق على رزمة واحدة تضم كل شيء ويتم تطبيقها وفقاً لجدول زمني متفق عليه؟ إن الوقت ثمين ويجب التحرك بسرعة قبل أن تقوم إسرائيل بخلط الاوراق عبر عدوان عسكري واسع على غزة أو تهدئة سريعة أو إتمام صفقة تبادل الأسرى لترجيح كفة طرف على طرف، وقبل أن يفكر بوش بعرض اتفاق سيء للتوقيع عليه أو تحميل الفلسطينيين مسؤولية الفشل!! إذا توقفنا أمام ما حدث في لبنان، نرى أن خطوة حزب الله العسكرية التي جاءت رداً على قرارات الحكومة، انطبق عليها المثل "رب ضارة نافعة" فهي حركت الموقف ما أدى الى مبادرة قطر التي انتهت باتفاق الدوحة. فعندما شعر الجميع في لبنان بأن لبنان يمكن أن ينزلق نحو الحرب الأهلية، وأن هذه الحرب ستدمر الجميع، تحركوا بسرعة لدرء الفتنة واتفقوا بسرعة ادهشت العالم بأسره. في فلسطين ليس بمقدور طرف فلسطيني أن يتحرك تحركاً عسكرياً (على غرار ما فعل حزب الله) ليحسم الموقف. ولو افترضنا جدلاً أن هناك امكانية للحسم السياسي او العسكري، فإن هذه الامكانية مستحيلة بسبب الاحتلال الاسرائيلي، خصوصاً أن اسرائيل تفصل جغرافياً بين الضفة وغزة، وتسيطر كلياً على الضفة، ولديها كل امكانيات التأثير على غزة، وإسرائيل ليست طرفاً محايداً وإنما لاعب رئيس ساهم مساهمة أساسية بحدوث الانقسام، ويسعى جاهداً لاستمراره وتعميقه وتأبيده. لو تحرك طرف، مثل السلطة على سبيل المثال، ليحسم الموقف عسكرياً، سيحتاج الى تسهيلات ودعم من الاحتلال، الامر الذي سيجعل "النصر"، اذا تحقق نصراً ملوثاً، يظهر صاحبه بصورة المتعاون مع الاحتلال. وهذا يفقده الشرعية والمصداقية عند الفلسطينيين. بكل أسف لم ينفع في فلسطين وجود الاحتلال واستمرار العدوان العسكري والاستيطان والجدار والحصار وتقطيع الاوصال، ولا وصول المفاوضات الى طريق مسدود، ولا فشل التوصل الى تهدئة حتى في غزة وحدها، وعدم رفع الحصار الخانق ولا عدم فتح الحدود والمعابر، وعدم إتمام صفقة تبادل الأسرى، ليكون كل ذلك دافعاً ومحركاً جباراً لاقناع الفلسطينيين بضرورة إعطاء الاولوية لانهاء الانقسام ودرء الفتنة واستعادة الوحدة. رغم كل شيء، لا يزال الرهان على المفاوضات والمزيد من المفاوضات وعلى تقديم نموذج في الضفة لمقارنته بما يجري في غزة. كما لا يزال الرهان على التهدئة وإمكانية الاعتراف العربي والدولي والاسرائيلي بحركة حماس وسلطتها في غزة، وعلى تقديم نموذج اسلامي للسلطة لمقارنته بما يجري في الضفة وكافة البلدان العربية والاسلامية. صدقوني اذا اقتنع من يسير وراء سراب الحل هذا العام او العام الذي يليه بأن التوصل الى اتفاق هذا العام مستحيل ويحتاج الى معجزة حالياً وكما صرح سلام فياض وأبو علاء، وأن الحل المعروض اسرائيلياً على الفلسطينيين وحتى اشعار آخر، أقل مما يمكن أن يقبله اكثر الفلسطينيين اعتدالاً، سيقفز سريعاً نحو السير في طريق استعادة الوحدة، لأن الوحدة وحدها يمكن أن تفرض حلاً يرضى عنه الفلسطينيون، وكذلك الامر اذا اقتنع من يسير وراء وهم التهدئة، وراء الحصول على شرعية لسلطة حماس في غزة، بأن التهدئة اذا تحققت مع او دون الاعتراف بسلطة حماس، فهذا يعني ان الاحتلال سينعم بالهدوء وسيواصل تنفيذ مخططاته التوسعية والعنصرية والاستيطانية بالضفة بسرعة أكبر وبتكاليف أقل، وأن التهدئة إذا طالت فهذا يعني اعترافاً وتعايشاً مع الاحتلال، وإذا جاءت التهدئة ستكون على الارجح تهدئة مؤقتة وهشة ما سيساهم بتعميق الانقسام، خصوصاً إذا تم التوصل للتهدئة وحدها دون ان يسبقها او يرافقها اتفاق وطني ينهي الانقسام. اذا تم الاقتناع بذلك سيقفز سريعاً نحو الوحدة، لأن الوحدة وحدها يمكن ان تنهي الحصار والعدوان والاحتلال وتقود للاعتراف بحماس باعتبارها لاعباً رئيسياً من اللاعبين الفلسطينيين . وحتى تكتمل الصورة لا بد من القول ان العرب المطلوب تحركهم لفرض الحوار وإنهاء الانقسام وتحقيق الوحدة الفلسطينية لم يجرؤوا، حتى الآن على الاقل، على تحدي الارادة الاميركية من خلال الاقدام على مبادرة جادة تستهدف دعوة الفلسطينيين الى اللقاء في القاهرة، او اية عاصمة عربية تحت مظلة الجامعة العربية شرط رمي الثقل العربي خلف المبادرة، بحيث يوضع الفلسطينيون أمام: إما أن يتفقوا او يتفقوا ولا مهرب او خيار آخر أمامهم. إن أية مبادرة عربية لا تلتزم بفرض الشروط الدولية (الاسرائيلية) لتوحيد الفلسطينيين ستغضب إدارة بوش، والعرب حتى الآن، لا يجرؤون ولا يرغبون باغضاب هذه الادارة الراحلة التي وجهت لطمات قاسية للعرب أبرزها خطاب بوش في الكنيست الذي كان فيه صهيونياً أكثر من معظم الصهاينة، ويتذرع العرب بذريعة ان الفلسطينيين غير جاهزين للوحدة وعرضة للتأثيرات الخارجية. وهذا صحيح ولكنه ينطبق على الدول العربية بصورة أكبر مع فارق انها دول ويفترض انها مستقلة وحرة في قراراتها بينما فلسطين تحت الاحتلال وإرادة الفلسطينيين مقيدة الى حد كبير. مَن مِنَ الاطراف الفلسطينية يجرؤ على اغضاب مصر إذا ارادت فعلاً وضع ثقلها وراء المصالحة الوطنية الفلسطينية؟ ومَنْ مِنَ الفلسطينيين يتحمل غضب العربية السعودية إذا ارادت فعلاً إنهاء الانقسام وتحقيق الوحدة الفلسطينية؟ أما اذا تحركت الجامعة العربية مدعومة من الدول العربية خصوصاً مصر والسعودية وسورية ليس بمقدور أي طرف فلسطيني افشالها؟ تأسيساً على ما تقدم، ما العمل؟ فما دام ليس بمقدور طرف فلسطيني حسم الموقف سياسياً او عسكرياً او انتخابياً لصالحه، وإذا حسم سيكون ذلك بالتعاون مع الاحتلال، وما دام الفريقان لم تتوفر لديهما الارادة الكافية لتقديم المرونة والتنازلات المتبادلة الضرورية لتحقيق الوحدة، وما دامت الدول العربية خصوصاً المؤثرة حذرة ومترددة، منفردة ومجتمعة، على القاء ثقلها وراء المصالحة الوطنية، لا مفر من ان يتقدم الشعب الفلسطيني صاحب القضية وأم الولد، وأبو المفاجآت والانتفاضات وأن يقدم الحل. فالشعب هو المتضرر من الانقسام، والرابح من الوحدة. ان التحرك الشعبي هو الحل والملاذ الاخير، فدون ضغط شعبي قوي ومتعاظم ومتراكم الى حد قيام تيار شعبي جارف يشعر كل من يقاومه بأنه سيسحق، لا يمكن ايجاد التحرك القادر على إنهاء الانقسام وتحقيق الوحدة. إن التحرك الشعبي يمكن ان يشارك به كل حريص على القضية والوحدة بصرف النظر، اذا كان عضواً في فصيل او مستقلاً، ينتمي لفتح او حماس، او لا ينتمي لهما، ويمكن ان يأخذ التحرك الشعبي اشكالاً متنوعة، من العريضة والبيان والمناشدة والمقال والقصيدة والرسم والاغنية والكاريكاتير الى المظاهرات والاجتماعات والندوات والمؤتمرات العلمية والشعبية، الى الاعتصام المفتوح حتى تتحقق الوحدة. لماذا لا يتم نصب خيمة أمام المقاطعة في رام الله، وأمام مقر الحكومة المقالة في غزة يتواجد فيهما مئات وآلاف المواطنين يومياً حتى تتحقق الوحدة. ان الوقت مناسب، والفرصة سانحة لتركيز الجهود وإعطاء الاولوية لترتيب البيت الفلسطيني خلال الوقت الضائع، منذ الآن وحتى الربيع القادم، حيث دخلت اسرائيل بأزمة حكومية ستعصف بحكومتها الحالية، والولايات المتحدة الاميركية دخلت مرحلة التحضير للانتخابات الرئاسية. الفلسطينيون يجب أن يكونوا مستعدين تماماً لمواجهة التطورات والتحديات القادمة. فهناك وعد بالتغيير تشهد عليه ان منطقتنا حبلى بتغييرات دراماتيكية، وأن الانتخابات الاميركية قد يفوز فيها اوباما الذي عنوان حملته الانتخابية التغيير. لقد تضررت نظرية الردع الاسرائيلية في لبنان وغزة وبعد ان اضطرت القوات الاميركية لاحتلال العراق وأفغانستان لحماية اسرائيل والنفط بعد ان كانت اسرائيل تقوم بهذه المهمة. وهذا امر له تداعيات ايجابية إذا احسن الفلسطينيون التصرف. يجب أن نكون مستعدين للتعامل مع الاتي، وان نكون مستعدين لتقليل المخاطر المحدقة والخسائر وانتهاز الفرص القادمة. إن الكرة الآن في ملعب الشعب الفلسطيني، وعليه أن يلعب جيداً. فهل يقذف الكرة بسرعة وقبل فوات الاوان؟ ان هذا ممكن جداً، وضروري ضرورة حياة أو موت.

 

مشاركة: