
(أصدرت لجنة السياسات في مركز مسارات هذه الورقة من إعداد صلاح عبد العاطي).
مقدمة
لا تزال دولة الاحتلال الإسرائيلي تحتجز وتعتقل في سجونها ما يقارب (6500) معتقل فلسطيني وعربي، بينهم (360) طفلًا، و(61) امرأة، و(6) نواب في المجلس التشريعي. ويبلغ عدد الأسرى المرضى (1200) أسير، من بينهم (130) حالة مزمنة، كأمراض السرطان والسكري والإعاقة الكلية أو الجزئية.
يأتي إضراب "الحرية والكرامة" الذي يخوضه الأسرى منذ 17 نيسان الماضي باعتباره وسيلة نضالية في مواجهة ما تقترفه إدارة السجون الإسرائيلية من انتهاكات جسيمة بحق الأسرى والمعتقلين، تتمثل في ممارسة التعذيب، والعزل، والحرمان من الرعاية الطبية، وإجراء التجارب الطبية عليهم، الأمر الذي أدى إلى وفاة العشرات منهم أثناء الأسر أو بعده. كما تشمل الانتهاكات احتجاز الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين في سجون سرية، ومحاكمتهم بصورة غير قانونية، والاعتقال الإداري غير المشروع، إضافة إلى اقتحام المعتقلات والسجون، التي تتخللها عمليات القمع والتنكيل والتفتيش، وإجراءات استفزازية، وتوجيه الشتائم والألفاظ النابية، وعمليات تخريب متعمدة لأقسام الأسرى.
تسعى سلطات الاحتلال إلى "قوننة" المزيد من الانتهاكات عبر قيام الكنيست الإسرائيلي بسن مجموعة قوانين عنصرية تنطوي على إجراءات عقابية، مثل قانون التغذية القسرية للأسرى المضربين عن الطعام، ومشروع القانون الخاص بمنع الإفراج عن الأسرى المحكومين مدى الحياة، ومشروع قانون إعدام الأسرى. ووصلت الانتهاكات حد تعذيب الأطفال وفرض العقوبات عليهم من خلال محاكم لا تتوفر فيها أدنى مقومات العدالة.
وفي الوقت الذي يواصل فيه قرابة 1700 معتقل وأسير فلسطيني إضرابهم المفتوح عن الطعام، مطالبين بوقف ممارسة الاعتقال الإداري التعسفي وسياسية عزل الأسرى، والسماح لذويهم بحق الزيارة، وممارسة حقهم بالتعليم، وقف الإجراءات العقابية وغيرها من المطالب العادلة، إلا أن الفعاليات التضامنية مع الأسرى لا تتعدى المظاهر التضامنية الشعبية بعيدًا عن الفعل الرسمي الجدي الذي ينتظره الأسرى والمعتقلون وذووهم، سواء بالإسناد الكفاحي والنضالي، أو الفعل الديبلوماسي والسياسي الرسمي، أو التحرك القانوني والحقوقي بتفعيل الآليات الدولية ذات الصلة والاختصاص، ومحاسبة وعزل ومقاطعة الاحتلال، وفرض ضغوط جادة عليه للاستجابة إلى مطالبهم.
وعلى الرغم من الجهود المقدرة التي بذلتها هيئة الأسرى والمحررين، وجهود المنظمات الأهلية الفلسطينية، والفصائل المختلفة، وبعض الجهود العربية والدولية، غير أن القاسم المشترك بينها يتمثل في الإخفاق ببلورة إستراتيجية متكاملة تتوزع فيها الأدوار والمسؤوليات، وتتكامل بما يسمح بإحداث تراكم حقيقي لإسناد قضية الأسرى والأسيرات في سجون الاحتلال، فضلًا عن إغفال هذه الجهود للتطورات التي حصلت ما بعد حصول دولة فلسطين على صفة دولة مراقب في الأمم المتحدة، وانضمامها لجملة من الاتفاقيات الدولية، الأمر الذي يقتضي سرعة العمل على بلورة إستراتيجية وطنية لدعم قضايا الأسرى والمعتقلين، بحيث يتم تبنيها من المسؤولين والكل الفلسطيني، وتعزيز الشراكات بموجبها مع الأجسام والمنظمات والشخصيات الداعمة لنضال الأسرى عربيًا ودوليًا، بما يضمن تقاسم الأدوار والمسؤوليات وتكاملها حتى لا يتشتت الجهد ويضيع في انشغالات المسؤولين وأعبائهم.
لقراءة الورقة أو تحميلها .... اضغط/ي هنا
موقف القانون الدولي من الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين
الاتجاه الأول: يعتبرهم أسرى حرب يخضعون لاتفاقية جنيف الثالثة الخاصة بأسرى الحرب.
الاتجاه الثاني: يتعامل معهم باعتبارهم معتقلين يتمتعون بحماية اتفاقية جنيف الرابعة الخاصة بحماية المدنيين.
الاتجاه الثالث: يرى أنهم مختطفون بطريقة غير شرعية، كون الاحتلال غير شرعي.
ولم يحسم الموقف الرسمي والأهلي الفلسطيني رأيه النهائي حول المركز القانوني للأسرى والمعتقلين، رغم أن اتفاقيتي جنيف الثالثة والرابعة أكدتا أن أفراد المقاومة المسلحة المشاركين في الأعمال القتالية الذين يقعون في قبضة قوات الاحتلال هم أسرى حرب، يستمدون حمايتهم من اتفاقية جنيف الثالثة والبروتوكول الإضافي الأول. أما الذين لا يشاركون في الأعمال المسلحة والقتالية، فيخضعون لحماية اتفاقية جنيف الرابعة.
كما يجب التمسك بانطباق أحكام القانون الدولي لحقوق الإنسان في حالات النزاعات المسلحة والاحتلال، فدولة الاحتلال تعد من الدول الأطراف المتعاقدة على العديد من الاتفاقيات التي يتعلق جزء كبير منها بمناهضة التعذيب، والمحاكمة العادلة، وحماية الأطفال، وغيرها من الضمانات المنصوص عليها في الاتفاقيات التي وقعت عليها دولة الاحتلال، مثل العهد الخاص بالحقوق السياسية والمدنية، واتفاقية مناهضة التعذيب، واتفاقية حقوق الطفل.
الإستراتيجيات الفلسطينية المتبعة حيال ملف الأسرى
اعتمدت الإستراتيجيات الفلسطينية من الناحية التاريخية على ثلاث ركائز، وهي:
الركيزة الأولى: تبادل الأسرى
وهي ركيزة قديمة وجديدة، إذ جرى العديد من صفقات التبادل التي أفرج بموجبها عن الآلاف من الأسرى والمعتقلين. وعلى الرغم من أهمية هذه الآلية إلا أنها لم تفض إلى تبييض السجون، وشابها شروط الاحتلال المعقدة بعدم الإفراج عمن شاركوا في عمليات قتل لجنود ومستوطنين، أو اشتراط إبعاد بعض الأسرى المحررين إلى خارج فلسطين، أو اشتراط أبعاد بعض أسرى ومعتقلي الضفة الغربية إلى قطاع غزة، إضافة إلى التفاف الاحتلال على عملية تبادل الأسرى من خلال إعادة اعتقال من تم الإفراج عنهم.
الركيزة الثانية: المفاوضات و"حسن النية"
تتعامل السلطة الفلسطينية مع ملف الأسرى ضمن القضايا المرتبطة بالحل النهائي مثل الحدود والأمن واللاجئين والمياه، وإلى حين ذلك خضع هذا الملف لمطالب السلطة بالإفراج عنهم، وسياسة "حسن النية" من سلطات الاحتلال. وعلى الرغم من أن هذه السياسة أدت إلى الإفراج عن العديد من المعتقلين والأسرى، إلا أنه يسجل عليها عدم التعاطي مع ملف الأسرى باعتباره ملفًا حقوقيًا وسياسيًا ودوليًا، وخضوعها لتحكم وسيطرة حكومة الاحتلال، ووضع شروط صعبة ومعقدة للمستفيدين من سياسة "حسن النية"، عدا عن استخدام هذه السياسة لحمل السلطة على تقديم تنازلات.
الركيزة الثالثة: الإضرابات الجماعية
وهي آلية يلجأ إليها الأسرى للدفاع عن حقوقهم وتحصيلها ولتوفير احتياجات أساسية لحياتهم الأسرى في السجون، كما هو الحال مع الإضراب الحالي. ويرسل الأسرى رسالة إلى إدارة السجن يطالبون فيها بتوفير مستلزماتهم، أو وقف سياسة القمع بحقهم، ويجلس ممثلوهم مع الإدارة ويقدمون مطالبهم بشكل سلمي، ثم يهددون بالتصعيد، ومن ثم يقدمون على خطوات تصعيدية بسيطة، وفى حال لم تستجب الإدارة لكل تلك المحاولات يضطر الأسرى للدخول في إضراب لتحصيل حقوقهم المنصوص عليها في القانون الدولي.
الركيزة الرابعة: الإضرابات الفردية
ظهر مؤخرًا نمط من الإضراب الفردي طويل الأمد في مواجهة انتهاكات الاحتلال لحقوق الأسرى، وخاصة الاعتقال الإداري. وبالرغم مما سجلته هذه التجارب الأسطورية
الركيزة الخامسة: التحرك الديبلوماسي والقانوني لتدويل قضية الأسرى
تقوم هذه الركيزة على استخدام كافة الآليات الدولية لعزل الاحتلال الإسرائيلي ومقاطعته ومحاسبته. وهذا المسار لم تفعله القيادة الفلسطينية كما ينبغي، وخاصة في ضوء حصول فلسطين على عضوية الدولة المراقب.
لقد أسهمت الركائز السابقة في كسر تعسف الاحتلال وسياساته اللاإنسانية، وتحسين ظروف الاعتقال، وتحرير عدد من الأسرى. ولكن الاستخلاص الأبرز يؤشر إلى أنها لم تسهم في طي ملف الأسرى والمعتقلين، كونها لم تعمل بشكل متناغم، وفي غالب الأحيان تمت عبر ردة فعل أو ظروف أتاحت استخدام إحداها دون إعمالها بشكل متكامل، الأمر الذي يدلل على غياب إستراتيجية وطنية في دعم نضال الحركة الأسيرة.
مرتكزات الإستراتيجية الفلسطينية الواجب تبنيها لإعادة الاعتبار لملف الأسرى
تستند الإستراتيجية المقترحة إلى الإحاطة بما يأتي:
لكل ذلك، بات من اللازم والواجب، إعطاء أهمية قصوى لبناء إستراتيجية وطنية لدعم قضايا الأسرى، تقوم على استعادة وحدة الشعب الفلسطيني، وإنهاء الانقسام، وتحقيق المصالحة في سياق إعادة بناء الوحدة الوطنية، وبما يضمن إعادة بناء نظام فلسطيني سياسي موحد على أسس ديمقراطية، وبرنامج وطني وإستراتيجية نضالية ورؤية قانونية وسياسية لوضع الآليات الكفيلة بتوفير الحماية للمعتقلين الفلسطينيين، بالاستناد إلى قواعد وأحكام القانون الدولي، بعيدًا عن الاعتبارات السياسية وإملاءات القوة العسكرية للاحتلال.
كما أن التطور الذي ينبغي أن يطرأ بشأن هذا الملف يجب أن يستند إلى مبادئ ومرتكزات التعاطي مع قضية الأسرى والمعتقلين وفقًا للآتي:
استخلاصات وتوصيات
استنادًا إلى ما سبق، نود التأكيد على ضرورة العمل على تدويل قضية الأسرى، وخاصة في ضوء عضوية فلسطين "المراقب"، بما يضمن تعزيز الاستفادة من الآليات التعاقدية وغير التعاقدية كون دولة فلسطين قد انضمت، وبمقدورها الانضمام إلى الأجسام والاتفاقيات الدولية، وبما يكفل إطلاق حركة تضامن دولي وإعلامي وقانوني وديبلوماسي لمتابعة النضال من أجل تحرير الأسيرات والأسرى، ومحاسبة وعزل ومقاطعة دولة الاحتلال الإسرائيلي، استنادًا إلى إستراتيجية واضحة تعتمد على العمل الجماعي في إطار تكامل الأدوار، تعيد لقضية الأسرى والمعتقلين اعتبارها الواجب، وتكون أكثر تأثيرًا ونصرة لقضاياهم.
كما على السلطة ومؤسساتها والفصائل والمنظمات الحقوقية ووسائل الإعلام المحلية والعربية منح قضايا الأسرى المساحة الكافية، وإبراز حجم المعاناة التي يعانيها الأسرى وذويهم، وحجم الانتهاكات الخطيرة التي يتعرضون لها، والتي ترتقي في كثير من الأحيان إلى مصاف الجرائم التي تستوجب الملاحقة والمحاكمات الدولية، إلى الاستفادة من دور المؤسسات الدولية، فإطلاق سراح الأسيرات والمعتقلين في السجون الإسرائيلية بحاجة إلى كل جهد فلسطيني وعربي ودولي.
مع التأكيد على أن العامل الحاسم في نهاية المطاف، هو ترتيب البيت الداخلي واستعادة الوحدة والعمل على كافة المسارات بشكل متوازٍ بما يكفل العمل مع كافة أصدقاء الشعب الفلسطيني (دول ومؤسسات)، وكل محبي الحرية والعدل والسلام والديمقراطية في العالم لتكثيف جهودهم وتفعليها، وبذل جل مساعيهم لمؤازرة الشعب الفلسطيني في نضاله العادل من أجل إنهاء الاحتلال، ومحاسبته على جرائمه، وتمكينه من نيل حقوقه المشروعة حتى يتسنى له العيش بحرية وكرامة على أرض وطنه مثل بقية شعوب الأرض.
ولا شك أن للفلسطينيين حقاَ مشروعًا في المقاومة والنضال، كما أن للمقاومين حقًا مشروعًا في التمتع بحماية قواعد القانون الدولي، وحق اكتساب مركز المحارب القانوني والتمتع بمركز أسرى الحرب حال وقوعهم في قبضة المحتل. لذا، هناك ضرورة لتفعيل موضوع الأسرى والأسيرات من خلال تبني الجهات الفلسطينية المعنية في هذا الجانب إستراتيجية شاملة واضحةً ترتكز على محاور عدة، بعضها يمكن اللجوء الفوري إليه إسنادا لإضراب الحرية والكرامة، وأهمها: