
(تأتي هذه الورقة ضمن إنتاجات المتدربين/ات في البرنامج التدريبي "إعداد السياسات العامة والتفكير الإستراتيجي" 2018 الذي ينظمه مركز مسارات).
مقدمة
صادقت اللجنة المركزيّة لحزب الليكود (أكبر أحزاب الحكومة الإسرائيلية في الكنيست) بتاريخ 31/12/2017 على قرار بفرض "السيادة الإسرائيلية" على المستوطنات بالضفة الغربية، وهو قرار يُطالب أعضاء كتلة الحزب البرلمانية بالالتزام بالتصويت لصالح قانون بهذا الشأن عند طرحه في الكنيست. تقدم يوآف كيش، عضو الكنيست الإسرائيلي عن الليكود، في أواخر كانون الأول 2018 بالمشروع أعلاه من أجل التصويت عليه في الكنيست، لكنه أعيق بقرار رئيس الحكومة الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بتاريخ 12/2/2018 بحجة وجود تفاهمات مع واشنطن حول عملية بهذا الشأن.
هذا القانون جزء من سلسلة قوانين شبيهة قُدّمت سابقًا، ضمن رزمة مشاريع وقرارات تستهدف ضم أجزاء من الأراضي المحتلة العام 1967، من خلال فرض وقائع على الأرض تستهدف إعاقة حلٍّ يتضمن إقامة دولة فلسطينية على حدود 67.
تقود هذه العملية إلى التساؤل حول ماهيّة الأبعاد والتداعيات المُترتبة على تنفيذ مثل سيناريو الضم الرسمي، كليًا أو جزئيًا؟
عقيدة التسلّل والسيطرة
تستند حركة الاستيطان في العقلية الصهيونية إلى الرواية التوراتية، وإلى ذرائع أمنيّة، إحداها، مثلًا، هو المساهمة في تعزيز القدرات الدفاعية لإسرائيل كون معظم المستوطنات يقع على التلال، وتشرف على الطرق التي تؤدي إلى عمق إسرائيل.
تعتبر الصهيونية الاستيطان العمود الرئيسي لمشروعها، وتساهم معظم مؤسسات "الدولة" وأنظمتها الرسمية، وغير الرسمية، كلٌ في مجاله، بتعزيز الاستيطان في الضفة. وتعتبر الأرض محور الصراع بين مالكيها والاحتلال، فمنذ خمسينيات القرن التاسع عشر وحتى إعلان قيام دولة "إسرائيل" العام 1948 كانت سياسة الاستيطان أشبه بالتسلل الصامت.
أحكمت إسرائيل سيطرتها على الأراضي المحتلة العام 1948 من خلال إجراءات قادت إلى تقطيع التواصل بين التجمعات الفلسطينية، وضمنت أغلبية يهودية في المدن المختلطة (حيفا، عكا ... إلخ)، وذلك عبر تخطيط ممنهج، شملَ أوامر مصادرة بحجج مختلفة، وقوانين صدرت عن الكنيست، ومنها: قانون أملاك الغائبين المتروكة للعام 1950[1]، وقانون استملاك الأراضي العام 1952[2]، وقانون التصرف العام 1953.
الضم الزاحف
انتشر إعلاميًا وأكاديميًا استخدام مصطلح الضم الزاحف لوصف الإجراءات التي تقوم بها إسرائيل من أجل مدّ قوانينها على مناطق بالضفة الغربية، خاصة مناطق (ج)[3] التي تقدّر مساحتها بنحو 42% من مساحة الضفة.[4] ويبلغ عدد المستوطنات فيها 242 مستوطنة، منها 100 بؤرة استيطانية، (البؤر: مستوطنات غير معترف بها رسميًا بموجب القانون الإسرائيلي مع أنها كثيرًا ما تُنشأ بقدر من الدعم الحكومي[5]) ويسكنها 600 ألف حسب مركز المعلومات الإسرائيلي لحقوق الإنسان في الأراضي المحتلّة (بتسيلم).[6]
على الرغم من إعلان الحكومة الإسرائيلية في أكثر من مناسبة التزامها بحل الدولتين كحل نهائي مع الفلسطينيين، إلا أن ممارساتها على الأرض تختلف كليًّا عن تلك التصريحات، كما أنها لم تحدد أبدًا ما تقصده بحل الدولتين، أو حتى حدود دولة إسرائيل الدائمة.
تمّ قبل مشروع قانون "كيش"، ومنذ أواخر العام 2015 فقط، تقديم 22 مشروع قانون، تدعو إلى فرض السيادة الكلية أو الجزئية على المستوطنات، والمناطق المسماه (ج) من قِبَلْ أحزاب اليمين، سبقها مشاريع استيطانية إستراتيجية عدة منذ بداية الاحتلال، تقوم على ضم أجزاء من الضفة الغربية، مثل: مشروع آلون، ومشروع جاليلي، ومشروع فوخمان.[7]
اتُّخِذَتْ قرارات وإجراءات عدة من قِبَلْ حكومة الاحتلال تشير إلى فرضها تدريجيًا للسيادة على أجزاء من الضفة، عبر قرارات حكومية، وتشريعات برلمانية. يعتبر حزب (البيت اليهودي) الأكثر مبادرةً للتسريع بتطبيق الضم، مدعومًا بالطبع من بقية أحزاب الائتلاف الحاكم. وعلى سبيل المثال، أُقرّ "قانون التسوية" في الكنيست، بالقراءتين الثانية والثالثة، بتاريخ 66/2/2017، وهو قانون يهدف إلى تسوية التوطين الإسرائيلي في "يهودا والسامرة" وتعزيزه.[8]
بحسب دراسة لمعهد أبحاث الأمن القومي الاسرائيلي، فإن "تطبيق القانون الإسرائيلي هو فرض للسيادة، وفرض السيادة يعني ضم".[9]
وفي هذا السياق، أقرت اللجنة الوزارية للتشريع، بتاريخ 25/2/2018، مشروع قانون تقدمت به إيليت شاكيد، وزيرة العدل (عن البيت اليهودي)، يقود إلى توسيع نطاق صلاحيات المحاكم المدنية الإسرائيلية على مناطق (ج) بالضفة الغربية، مع تقليص لصلاحيات محكمة العدل العليا التي كبحت جماح بعض الإجراءات الاستيطانية أحيانًا، وذلك هدف حيوي للأحزاب اليمينية والمستوطنين.
كما أقرّ الكنيست في جلسته بتاريخ 12/2/2018، بالقراءتين الثانية والثالثة، ما سميّ بقانون "جامعة أريئيل"، الذي يهدف إلى تطبيق القانون الإسرائيلي على مؤسسات التعليم العالي المقامة على المستوطنات بالكامل.[10] وقد حذر بعض الأكاديميين الإسرائيليين من أن هذا القانون يمكن أن يضر بوضع نظام التعليم العالي الإسرائيلي وتوسيع المقاطعة الدولية ضد إسرائيل.[11].
مواقف الأطراف من الضم
الضم والمشهد السياسي
تقود الإجراءات والقوانين التي يفرضها الاحتلال تدريجيًا في الأرض المحتلة إلى الاستنتاج بأن هناك سيرًا نحو الضم الكامل للضفة الغربية أو أجزاء منها، تتضمن المستوطنات.
ما يُعزِّزُ هذا الاستنتاج حول السعي نحو تسريع وقوننة الضم، سياسة التحالف اليميني الحاكم في إسرائيل، إضافة إلى الحسابات الانتخابية مع الإعلان عن احتمال إجراء انتخابات مبكرة للكنيست، وأهمية أصوات المستوطنين في الانتخابات القادمة. يصاحب ذلك حالة الانقسام الفلسطيني، وتأييد واشنطن المطلق لإسرائيل، وضعف الموقف العربي مع انشغال معظم الدول العربية بمشاكلها الداخلية، إضافة إلى التقارب الحاصل مؤخرًا، بين إسرائيل وبعض دول الخليج.
يزداد المجتمع الإسرائيلي يمينيةً وتطرفًا، مع تغلغل المستوطنين في مراكز صنع القرار في السلطات (التنفيذية، والتشريعية، والقضائية)، من جهة، ومع ما تظهره نتائج انتخابات الكنيست المتعاقبة من ازدياد نسبة الأحزاب اليمينية في تشكيلة الكنيست من جهة أخرى، التي وإن تراجع تمثيل بعضها أحيانًا، إلا أن الفارق يذهب لأحزاب يمينية أخرى وليس لليسار الصهيوني الذي لا يعارض بدوره الاستيطان، من حيث المبدأ، ولكنه ربما أقل صخبًا في سياساته الاستيطانية.
يعزز الاستنتاج السابق، التصريحات المتزايدة لأكثر من مسؤول إسرائيلي (حزبيًا كان أم حكوميًا) وربما كان آخرها أقوال جدعون ساعار، المرشح لخلافة نتنياهو في قيادة الليكود، في صحيفة "إسرائيل هيوم"، إذ أكد معارضته لإقامة دولة فلسطينية والانسحاب من الضفة الغربية، لما يعنيه ذلك من فقدان إسرائيل للسيطرة الأمنية والديمغرافية، باعتبار أن إقامة الدولة الفلسطينية سيخلق مشكلة ديمغرافية لا يتحقق معها بقاء اليهود كغالبية.[18] وتقود تصريحات المسؤولين الإسرائيليين، في معظمها، إلى الاعتقاد بأنه لن يكون هناك حلٌّ للصراع سوى ما تُثَبِّتُهُ إسرائيل على الأرض، حيث ستستمر في فرض الوقائع بشكل متلاحق.
آثار قانونية:
آثار اقتصاديّة:
آثار سياسية وأمنية:
ستزيد نتائج هذا الإجراء من الضغوط الداخلية على السلطة الفلسطينية، وقد تحلُّ نفسها بإرادة واعية، أو تحت ضغط شعبي بسبب عدم قدرتها على المواجهة والتأثير.
خاتمة
تستغل إسرائيل عامل الزمن، وكونها المسيطر على الأرض، مما ينبىء بمزيد من الإجراءات حتى إكمال "الضم الزاحف"، مع قصور الفلسطينيين عن المواجهة، على الأقل بالوسائل المعتادة حتى الآن.
يعني ما سبق أيضًا، أن الحل القادم - الذي سيُفرض على الفلسطينيين على الأغلب - لن يكون بعيدًا عن (الصفقة النهائية) التي كثرت حولها التسريبات، وفيها استبعاد للضفة (أو معظمها) من أي تسوية نهائية للصراع بين إسرائيل وفلسطين.
تبدو الخيارات المؤثرة محدودة بيد الفلسطينيين، في ظل ما يجري في الإقليم والعالم من تحالفات وأزمات، وهو ما يعني مزيدًا من الضعف وانعدام التأثير للمنظومة الرسمية الفلسطينية، خصوصًا في ظل استمرار الانقسام الفلسطيني، سوى ربما خطابات، ومبادرات، وإجراءات قانونية في المحافل الدولية، غالبًا لن تجد لها صدى على الأرض، وهو ما أثبته تاريخ الصراع من عدم التزام إسرائيل بأية قرارات دولية.
[1] انظر: قانون أملاك الغائبين المتروكة للعام 1950. https://goo.gl/9nY2yB
[2] انظر: قانون استملاك الأراضي العام 1952. https://goo.gl/wdNcsf
[3] مناطق(ج) هي المناطق التي تخضع للسيطرة الأمنية والمدنية "الإسرائيلية" حسب اتفاق أوسلو بين الفلسطينيين وإسرائيل.
[4] سياسة التخطيط في الضقة الغربية، مركز المعلومات الإسرائيلي لحقوق الإنسان في الأراضي المحتلة "بيتسيلم". تاريخ الدخول: 28/3/2018. https://goo.gl/rvsXwX
[5] تقرير المقرر الخاص المعني بحالة حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ العام 1967، ريتشارد فولك، 12/2/2014.
[6] المستوطنات، مركز بيتسيلم. تاريخ الدخول: 29/3/2018. https://goo.gl/zgK8UU
[7] المشاريع الاستيطانية، وكالة الأنباء والمعلومات الفلسطينية (وفا). تاريخ الدخول: 20/3/2018. https://goo.gl/2qbexX
[8] كمال قبعة، شرعنة الاستيطان: قراءة في قانون تسوية التوطين، مجلة شؤون فلسطينية، العدد 268، 2017، 3.
[9] Panina Barunch, “Implications of The Application of Israeli Sovereignty over Judea and Samaria,” Tel-Aviv University – The Institute for National Security Studies, January.8,2018. https://goo.gl/hDd5PX.
[10] Tovah lazaroff, “Knesset Applies Israeli law to Ariel University in West Bank ,” The Jerusalem post, Feb.12,2018.
[11] Ibid, Panina Barunch, Implications of The Application of Israeli Sovereignty over Judea and Samaria.
[12] المستشار القانوني للحكومة الإسرائيلية يجيز مصادرة الأراضي الفلسطينية، القدس العربي. تاريخ الدخول: 18/3/2018. https://goo.gl/ea26f5
[13] النائب جبارين: تصويت الليكود هو تجسيد للأبارتهايد الإسرائيلي، دنيا الوطن. تاريخ الدخول: 21/3/2018. https://goo.gl/ucUNu9
[14] التنفيذية ترفض قانون التسوية وتدعو المجتمع الدولي لرفضه، وكالة وفا. تاريخ الدخول: 20/3/2018. https://goo.gl/xsricG
[15] أحمد الأطرش، جغرافيا الاستيطان، مركز مدار للدراسات الإسرائيلية، رام الله، 2014، 12.
[16] المستوطنات الإسرائيلية ليست غير قانونية وفق مستشار ترامب، تايمز أوف إسرائيل. تاريخ الدخول: 23/3/2018. https://goo.gl/oH3cmv