
هذه الورقة من إعداد: أحمد الكومي، أشرف أبو خصيوان، ربيع أبو حطب، ضحى حمامدة، ضمن إنتاج المشاركين/ات في برنامج التفكير الإستراتيجي وإعداد السياسات الذي ينفذه مركز مسارات - الدورة الخامسة 2018-2019
مقدِّمة
يوصف قطاع غزة بأنه منطقة صراع؛ وهذا الأمر سمح بحركة وفود وبعثات أجنبية منه وإليه -يغلب على أكثرها صفة العمل الإنساني- تديرها الأجهزة الأمنية في القطاع وفق سياسات اتضح وجود خلل فيها، وبخاصة بعد اكتشاف تسلل قوة إسرائيلية خاصة شرق مدينة خان يونس في 11 تشرين الثاني 2018 تحت غطاء "جمعية خيرية"؛ ما يستدعى إجراء معالجات سريعة تقتضيها الضرورات الأمنية.
الهدف العام
طرح بدائل سياساتية وواقعية لمعالجة الثغرات في إدارة حركة الوافدين الأجانب إلى قطاع غزة، يمكن أن تساهم في تطوير السياسات القائمة والمتّبعة بما يزيد الضبط الأمني، ولا يؤثر أو يشوّش على عمل الوافدين في الوقت نفسه.
المشكلة السياساتية
في 11 تشرين الثاني 2018، أعلنت كتائب القسام أنها اكتشفت قوة إسرائيلية متسللة إلى محافظة خان يونس جنوب قطاع غزة، واشتبكت مع عناصرها؛ ما أسفر عن استشهاد سبعة مقاومين، وقتل ضابط إسرائيلي رفيع، وإصابة آخر.
في 3 كانون الأول من العام نفسه، كشفت صحيفة "ذي إندبندنت" البريطانية، نقلاً عن مسؤولين في حركة حماس وشهود عيان، عن أن القوة الإسرائيلية تسللت إلى القطاع باعتبارها فريقاً من الأطباء يتبع إحدى جمعيات الإغاثة التي تقدم مساعدات طبية للجرحى في قطاع غزة.
وذكرت أن أفراد الوحدة الإسرائيلية الخاصة استخدموا عند دخولهم القطاع، أسماء حقيقية لمواطنين من غزة لا يقطنون في منطقة عبسان شرقي خان يونس، حيث أرادوا تنفيذ عمليتهم الخاصة، وأن الأسماء وبطاقات الهوية "المزيفة" التي استعاروها، تعود إلى مواطنين غزيين حقيقيين يعيشون داخل القطاع.[1]
رفعت "عملية خان يونس" درجات الاحتياط والمراقبة لدى الأجهزة الأمنية على حركة وعمل الوافدين الأجانب في قطاع غزة؛ وكشفت عن خلل في الإجراءات الأمنية المتبعة معهم. كما إنها جاءت بعد نحو شهر من قيام الصحافية الإيطالية "فرانشيسكا بوري" بإجراء مقابلة مع رئيس حركة حماس في القطاع، يحيى السنوار، بمكتبه، ليتضح لاحقاً أنها سبق أن عملت مراسلة لصحيفة يديعوت أحرونوت الإسرائيلية، علماً أنها دخلت القطاع بصفتها صحافية مستقلة.[2] ثم تبع هذه الحادثة، اشتباه الأجهزة الأمنية في قطاع غزة، مساء يوم 15 كانون الثاني 2019، بسيارة تُقل ثلاثة إيطاليين تصادف تواجدها في منطقة، وقع فيها إطلاق نار، ثم عملية المطاردة التي انتهت بتوجه سيارة الإيطاليين إلى مقر منظمة اليونسكو التابع للأمم المتحدة في مدينة غزة.[3]
ونقلت وسائل إعلام عن مصادر أمنية أن الإيطاليين كان بحوزتهم سلاحاً أوتوماتيكياً، وأنهم رفضوا الانصياع لحاجز أمني وسط المدينة؛ ما أدى إلى مطاردتها وإطلاق النار عليها، قبل أن تلوذ بالفرار إلى داخل المقر الأممي.[4]
تكشف هذه الحوادث مجتمعة عن خلل في السياسات المتبعة مع دخول الوافدين الأجانب إلى قطاع غزة، فقد اتضح تعدد الجهات الحكومية العاملة في هذا المجال، وعدم وضوع الآليات الأمنية المتّبعة، فنجد أن هناك أربع وزارات حكومية تنسق بشكل رئيسي لدخول الوافدين الأجانب، هي: وزارة الداخلية، وزارة الخارجية، وزارة الصحة، المكتب الإعلامي الحكومي. وتتبع كل جهة حكومية آليات عمل غير مدرجة في نظام أو دليل إجرائي، وهي على النحو الآتي:
أولاً. وزارة الداخلية
ثانياً. وزارة الخارجية
تقوم السياسة العامة لوزارة الخارجية الفلسطينية في التعامل مع الوافدين الأجانب، على تقسيمهم إلى ثلاث فئات، هي:
تهدف وزارة الخارجية إلى تدفق أكبر عدد ممكن من الوفود بما يخدم قضايا واحتياجات قطاع غزة، مع عدم الإخلال بالقانون والاحتياجات الأمنية.
يتم منح تصريح الدخول وفق الإجراءات التالية:
ثالثاً. المكتب الإعلامي الحكومي
يختص المكتب الإعلامي الحكومي بالتنسيق للصحافيين الأجانب، حيث يتوافد على قطاع غزة، بشكل متكرر ومتواصل، عدد كبير منهم؛ لتغطية الأحداث والمناسبات، أو لإعداد التقارير الصحافية عن الحالة الفلسطينية (اجتماعية، اقتصادية، سياسية ...).
ويمثّل قطاع غزة في كثير من المناسبات نقطة اهتمام تستوجب الدخول إليه والعمل عن قرب، وبالتالي فإن المكتب الإعلامي الحكومي يقوم بترتيب إجراءات دخول الصحافيين الأجانب والإقامة في قطاع غزة، وفق الإجراءات الآتية:
من خلال عرض المهام والإجراءات الأمنية المتبعة أعلاه من الجهات الحكومية في قطاع غزة، يمكن تسجيل مجموعة من الملاحظات على النحو التالي:
المعايير المعتمدة
تتناول الورقة البدائل التي يمكن من خلالها تحقيق الأهداف المنشودة، ويتطلب ذلك تحديد معايير محددة تحكمها، وهي كالآتي:
البدائل السياساتية المقترحة
البديل الأوّل: إدارة حكومية مركزيّة
يستند هذا البديل إلى فكرة توسيع التمثيل الحكومي والأمني في "لجنة الأجانب" التابعة لجهاز المخابرات العامة في قطاع غزة -باعتبار اللجنة هي الجهة المخوّلة رسمياً بمتابعة دخول الأجانب وبرامجهم وأنشطتهم، وسلامتهم الأمنية- بما يسمح بنشوء "إدارة حكومية مركزية" لعملية دخول الوافدين الأجانب إلى القطاع، تشرف، إلى جانب عملها الرئيسي، على تأهيل الكوادر العاملة، ورفع معايير الاختيار للعمل في هذا القطاع، ومحاولة امتلاك الوسائل والأجهزة التقنية المساعدة بكل الوسائل المشروعة، أو غيرها. على أن يشمل التأهيل الأمني:
يحظى هذا البديل بمقبولية؛ لأنه يقوم على فكرة توحيد العمل وإدارته، ويزيد من التركيز الإداري، ويضيق هوامش الخطأ، ويسمح بتداول وإخضاع أي قرار أو مشكلة أو ثغرة للتقييم والمعالجة الجماعية، كما إن المسؤولية بموجبه تصبح جماعية وتتراجع معه فرص نشوء الأخطاء الفردية.
إمكانية تطبيق هذا البديل واردة جداً ومتاحة، تحت ضغط الحاجة إلى تصحيح سياسات التعامل مع الوافدين الأجانب بعد الأحداث الأخيرة التي شهدها قطاع غزة، إضافة إلى الحاجة لتجاوز معضلة الانقسام السياسي، وما يترتب عليه من تشتيت العمل الحكومي وترهله، وانعدام فرص المعالجة، أو الاستدراك السياسي حالياً.
يأتي هذا البديل في إطار ما تنص عليه الأعراف الدولية والديبلوماسية التي تنظم عمل وسلوكيات استقبال الوافدين الأجانب، وبالتالي فإنه يحظى بالمشروعية المطلوبة على المستويين المحلي والدولي، التي تسمح بالعمل وفق الإطار المتاح والمصرّح به.
البديل الثاني: دليل أمني و"قانون مخالفات الأجانب"
يعتمد هذا البديل على صياغة "دليل أمني إجرائي" يتم اتباعه على معابر قطاع غزة، على أن يتم تدارسه والاتفاق عليه بالتفاهم مع المنظمات الدولية؛ على قاعدة الأمن أولاً، وبموازاته، صياغة "قانون مخالفات الأجانب" يعالج أي مخالفة للإجراءات الأمنية المتبعة؛ بما يمسح بتضييق الثغرات، ويضع الزائرين والمنظمات أمام إلزامية العمل بمضمون ما لا يتعارض مع هذا القانون باعتباره نافذاً، وبما يتبع ذلك من التخلص من الحرج الحكومي تحت ضغط الحاجة الإنسانية. والأهم أن يتضمن الدليل محددات ومعايير واضحة تتعلق بالكفلاء، على أن يتم رفع شروط الكفالة، وأن تركز في أهم جوانبها على الأهلية الكاملة، والمقدرة على تحمّل المسؤولية.
يعتبر هذا البديل قابلاً للتطبيق، لكنه يتطلب الوقت الكافي لصياغة بنوده وتشريعاته بمنظور قانوني وأمني بالغ الحساسية.
يمكن ألا يحظى هذا البديل بقبول بعض الجهات الأجنبية دائمة التردد إلى قطاع غزة، أو أصحاب الإقامات، وهذا تحدي يتطلب التعامل معه بحكمة بالغة، بما يحفظ المصلحة العامة، ويحقق تمرير البديل.
لا يفترض أن يكون هذا البديل بديلاً عن الأعراف الدولية والديبلوماسية، بل يمكن أن يكون إضافة عليه، ولا تتعارض معه، مراعاة للخصوصية الأمنية لقطاع غزة.
يحقق تطبيق هذا البديل منفعة كبيرة، باعتبار أنه سيوفّر رقابة ذاتية لدى الزائر الأجنبي على عمله وتحركاته، وفي المقابل يزيل عن الأجهزة الأمنية صفة التردد في التعامل معه، ويمنحها مساحة للتحرك واتخاذ المقتضى الأمني الذي يقرره هذا البديل.
قد تترتب على هذا البديل خسائر تتمثل في رفض المنظمات الدولية تحديداً التعامل معه، أو الاعتراف به، وقد يتسبب بتقييد مرور الوافدين؛ باعتباره يمثل تقييداً على حركتهم وأعمالهم.
البديل الثالث: نظام التموضع العالمي (GBS)
يقوم هذا البديل على فكرة توظيف نظام تحديد المواقع الجغرافية (GBS) في تتبع حركة الوافدين الأجانب في قطاع غزة، بما يسمح بمراقبة تحرّكاتهم، وتوفير معلومات عن الموقع والوقت، كما يخدم التزود بإشارات راجعة حول مدى التزام الزائر الأجنبي بالمهمة التي تقدّم له، وجدول الزيارة المقرر.
قد لا يكون هذا البديل مقبولاً على مستوى المنظمات الدولية والأجنبية العاملة في قطاع غزة، باعتباره يتعارض مع حرية الحركة التي تتيحها لهم الأعراف الدولية والديبلوماسية، ويمكن أن ينظر له على أنه تدخّل غير مبرر في خصوصية عملها. ويمكن في هذه الحالة تقديم مبررات منطقية تقوم على فكرة أن تنفيذ هذا البديل يمنع تكرار سيناريو اختطاف المتضامن الأجنبي "فيتوريو أريغوني" يوم 14 نيسان 2011، أو على الأقل تفادي تلك النهاية المأساوية.
إمكانية تطبيق هذا البديل متاحة، وبخاصة مع توفّر هذه التقنية في الهواتف الذكية، ودخولها خدمة الخرائط لدى شركة "جوجل"، حتى توظيفها في خدمات النقل والتوصيل.
يعود هذا البديل بالنفع على الأجهزة الأمنية، لأنه سيوفر عنها جهد المتابعة والمراقبة، وتوفير السلامة الأمنية للزائرين، وسيفحص مدى التزامهم بجداول الزيارة المقررة.
المفاضلة بين البدائل
تتضمن البدائل المطروحة سياسات تحقق ضبطاً أعلى في الإجراءات المتبعة مع الوافدين الأجانب في قطاع غزة، لذا فإن التكاملية بين كل البدائل الخيار الأكثر تفضيلاً، باعتبار أن المشكلة السياساتية تتعلق بإدارة حركة وفود واسعة ودائمة إلى قطاع غزة، لا يمكن السيطرة عليها من دون منظومة عمل متكاملة؛ لأن ثغرة صغيرة يمكن أن نتفادى المسؤولية عنها، لكن لن نستطيع أن نتفادى النتائج المترتبة عليها. لذا، فالأمن أولاً، والمسؤولية على عاتق الجميع.
الهوامش
[1] الإندبندنت: "فلسطينية متوفاة" فضحت عملية إسرائيل الفاشلة بغزة، الجزيرة مباشر، 3/12/2018. bit.ly/2Pg3Na4
[2] هل خدعت الصحافية الإيطالية السنوار؟، صحيفة الحدث، 4/10/2018. bit.ly/2xzCYrb
[3] انتهاء أزمة احتجاز ثلاثة إيطاليين في غزة، صحيفة الاستقلال، 16/1/2019. bit.ly/2Nq27PH
[4] الداخلية تُوضح حيثيات الاشتباه بسيارة تُقل إيطاليين في غزة، إذاعة صوت الأقصى. bit.ly/3076iBc