
سلام عليك يا أنس،
يا من جعلت من صوتك درعا، ومن الكلمة قنديلا في ليل غزة الطويل.
مضيت واقفا كما كنت دائما، تسابق الموت لتلحق بالحقيقة قبل أن يطمسها الغبار، وتفتح نافذة للعالم ليرى ما أراد الجميع إخفاءه، بما في ذلك أهلك وأمتك.
من أزقة مخيم جباليا، حيث يولد الأطفال على وقع القصف، وحيث الحلم بالعودة أكبر من حدود الحصار، خرجت يا أنس ممتشقا الكاميرا كمن يحمل سلاحا، حاملا الميكروفون كمن يطلق صرخة حياة في وجه الموت.
كنت تعرف أن الاحتلال يترصدك، وأن كل بث مباشر قد يكون الأخير، لكنك ظللت تلاحق الحقيقة، تسابقها قبل أن تدفن تحت الركام.
حملت فلسطين كلها على كتفيك، وكنت تعرف أن دربك محفوف بالقصف والحصار. ومع ذلك مضيت، لا تملك أنت وزملاؤك إلا الميكروفون والكاميرا، وقلوبا مشتعلة بحب الوطن.
كنت تعلم أن صوتك قد يخرس بالرصاص، لكنك لم ترض أن تصمت.
كنت يا أنس ابنا لكل فلسطيني وعربي شريف. كنا جميعا نرقب الفتى الذي أصبح رجلا… نتتبع ابن جباليا الذي كان يشق عتمة الليل، حين كان القصف يلتهم الحجارة والسماء، تمسك بالكاميرا كما يمسك الشهيد بعلمه.
تسرق من الموت لحظة حياة، ومن الغبار نافذة ضوء.
يا ابن جباليا، يا وجه عسقلان المفقودة،
يا من عرفت أن العودة طريقها الدم،
ومع ذلك مضيت، تحمل فلسطين والحقيقة على كتفيك كما يحمل الجندي بندقيته، وتعرف أن الرصاصة تبحث عنك بالاسم.
كنت أول من نصحو على تقاريره كل صباح، وآخر من نسمع صوته كل مساء، ونشهد فقدان الأحبة تباعا، ونعجز عن حماية فلذات أكبادنا – كما يفعل باقي البشر- ولا نكون في وداعهم كما يليق، ولا نقوى على الصراخ كما يتوجب في وجه هذا العالم المظلم الظالم.
وصيتك يا أنس التي تقطر ملحا ودمعا:
وصيتك يا أنس ليست كلمات على ورق، بل عهد في أعناقنا:
نم قرير العين يا ولدي الذي لم ألده. لكنك تسكن قلبي وقلوب جميع الأمهات والآباء. فدمك يا أنس لن يهدر، وصوتك لن يخبو. سيبقى اسمك معلقا في ذاكرة المخيمات وأزقة القرى والمدن من المحيط إلى الخليج، وفي كل حجر مدمى، وفي كل طفل يرفع يده متحديا السماء.
سلام على روحك التي ارتفعت من بين الركام، شاهدة على جريمة العالم.
وشاهدة على جحود الأهل وذوي القربى. وشاهدة، أيضا، على عجزنا الذي بلغ حد الشلل. وعلى صبرنا الذي أوشك على النفاد.
سلام على عهدك الذي صار عهدنا، وعلى حلمك الذي لن يموت.
سلام عليك يوم ولدت تحت القصف،
ويوم خرجت بالكلمة،
ويوم رحلت بالدم،
ويوم نلقاك في فلسطين المحررة، حيث لا قصف، ولا احتلال، ولا وداع.
عهد إلى روحك التي حلقت من جباليا،
إلى كاميرتك التي صارت بندقية،
إلى وصيتك التي صارت ميثاقا…
عهد باق ما بقي العهد.
لقد حاول الاحتلال إسكات صوتك، لكن صوتك صار أصواتا، وصورتك صارت رايات، ووصيتك صارت طريقا لا عودة عنه.
نعلنها اليوم، باسم كل من قرأ وصيتك، وباسم كل من شاهد لوعة أمك،
وباسم كل طفل في غزة يحلم بالسماء دون طائرات:
إلى اللقاء يا أنس، حيث لا قصف، ولا حصار، ولا فراق.
نم، يا أنس،
نم على وسادة من دعاء أمك،
نم وأنت تعلم أن صوتك لن يدفن،
وأن صورتك ستظل تعبر الحواجز وتشق الحصار كما كنت تفعل دائما.
نم قرير العين يا ولدي،
فدمك صار نهرا في طريق التحرير،
وصوتك صار جسرا فوق الحصار،
وروحك صارت موعدا لنا
في فلسطين التي حلمت بها.
الحرية لك، والحرية للوطن.