
نعمة الحلو،
إسم مناضلة، استقرّ في قلوب أبناء الشعب الفلسطيني، منذ أوائل السبعينيات من القرن الماضي؛ تجسيدًا حيًا؛ لإمكانيات المرأة الفلسطينية اللامحدودة على المساهمة السياسية، بأشكالها كافة، ضمن مسيرة النضال التحرّري الفلسطيني.
ولدت "نعمة محمود محمد الحلو" في مخيم جباليا، العام 1952، لأبوين هُجِّرا من قرية بيت جرجا/ شمال شرق غزة - التي تمّ تطهيرها عرقيًا بالكامل، يوم: 30 تشرين الأول، العام 1948 - ورحلت عن عالمنا في بيت عائلتها في مخيم جباليا، يوم: 10 نيسان، العام 2026، بعد أن هُجّرت غير مرّة - إبّان جريمة الإبادة الجماعية في قطاع غزة - ودِّمر بيتها، وقُتِل/استُشهِد عدد من أفراد عائلتها، من بينهم شقيقتها وعائلتها، التي محيت من السجل المدني كله.
شاركت في العمل السياسي بداية، بشكل عفوي، حيث التحقت بجيش التحرير الفلسطيني، نهاية الستينيات، ثم عملت نهاية السبعينيات، ضمن صفوف الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، وكانت مسؤولة اتحاد لجان العمل النسائي في قطاع غزة.
وانتمت إلى الاتحاد الديمقراطي الفلسطيني - فدا، بعد تأسيسه العام 1990، وانتخبت عضوًا في مكتبه السياسي، ورئست دائرة الشهداء والجرحى، واختيرت عضوًا في المجلس الوطني الفلسطيني.
*****
أثَّرت هزيمة العام 1967 على الشعب الفلسطيني؛ كباره وصغاره، حيث اشتدّ إحساس كل منهم بضرورة أن يلعب دورًا سياسيًا واجتماعيًا أكثر فاعلية وتأثيرًا.
وضمن شهادة المناضلة نعمة الحلو - التي قدّمتها إلى مركز المرأة الفلسطينية للأبحاث والتوثيق، العام 2012، ضمن مشروع توثيق أدوار المرأة الفلسطينية منذ منتصف الستينيات حتى العام 1982 - تحدثت عن دورها العفوي، وهي في الخامسة عشرة من عمرها، في تهريب السلاح إلى بيت لاهيا، لمساعدة ضابط عراقي، أثناء اجتياح غزة، في خضمّ العدوان الإسرائيلي العام 1967، على الضفة الغربية، وقطاع غزة، وعلى سيناء، والجولان، حيث بادرت بمساعدة جارة لها، بإخفاء السلاح على شجرة توت، ثم قامت بتسليم السلاح للضابط عند مقبرة بيت لاهيا.
ووصفت نعمة نجاحها بتهريب السلاح، ضمن خطة محكمة، بأنه بداية إيمانها بأن مكانها هو مع العسكر، وأن هذه العملية هي بداية عملها العسكري.
****
التحقت نعمة بجيش التحرير الفلسطيني، بعد أن تواصل معها "زياد الحسيني"، قائد قوات التحرير الشعبية (الجناح الفدائي المسلح لجيش التحرير الفلسطيني)، إثر سماعه بالدور الذي لعبته، في نقل السلاح، ودعاها للانضمام إلى قوات التحرير الفلسطينية، حيث رحّبت بذلك، وتدرّبت على مختلف أنواع الأسلحة، وعلى تنفيذ بعض العمليات العسكرية
وفي الوقت ذاته، تتلمذت على يد عمتها "شفا الحلو" - التي ناضلت ضمن صفوف الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وكانت أول امرأة تعتقل في مخيم جباليا، العام 1971، لمدة سنتين - التي حدّثتها عن تعذيب النساء داخل المعتقل، وعن وجود عدد من المعتقلات داخل السجون الإسرائيلية، الأمر الذي دفعها أن تصمّم على أن تلعب دورًا سياسيًا فاعلًا، وأن تسير في طريق النضال التحرّري، على خطى عمّتها ورفيقاتها المناضلات.
تعاونت ضمن عملها مع قوات التحرير الفلسطينية، مع مجموعات للجبهة الشعبية، للقيام بعملية عسكرية، هدفها فكّ الحصار حول جيفارا غزة "محمد الأسود"، وكانت عملية ناجحة.
نفذت بعدها عملية فدائية أخرى، ضد موقع عسكري إسرائيلي، وأصيبت إصابة بالغة، غيّبتها عن الوعي: ستّ رصاصات في الصدر، وطلقة بالكوع، وإصابة في العين. نتج عن هذه الإصابات بتر يدها، وفقدان إحدى عينيها. اعتقلها جيش الاحتلال الإسرائيلي، العام 1972، وبدأ التحقيق القاسي معها، بعد بتر يدها بثلاثة أيام فقط: "صارت عملية التحقيق، ما بين الضغط عليّ، وهزّ الإيد، وبين بتر الإيد الجديد، وبين عيني. حكموا عليّ 17 سنة، واعتقلوا أبوي وأمي، ونسفوا البيت، واعتقلوا أختي وإبن عمي وعمتي الصغيرة، كان عمرها 14 سنة، ورموهم كلهم بالسجن".
خرجت نعمة من السجن، العام 1976، دون أن تقضي كامل مدة حكمها، بسبب حالتها الصحية المتدهورة.
*****
انتمت نعمة الحلو إلى الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، بعد خروجها من المعتقل، وتركّز عملها في الإطار النسوي للجبهة، حيث أسّست اتحاد لجان العمل النسائي في قطاع غزة، نهاية السبعينيات: "كنت أنا المسؤولة الأولى بالعمل النسوي في قطاع غزة". حرص الاتحاد على فتح مراكز تأهيل وتمكين للنساء، على المستوى الاقتصادي والاجتماعي والسياسي والصحي والثقافي، ولذا أسّس رياضًا للأطفال، وافتتح فصولًا لمحو الأمية، وورشًا لتعليم الخياطة والتطريز، ولإنتاج مواد غذائية، ونظّم برامج توعوية سياسية وثقافية؛ مما مكّنه من ضمّ ما يقارب ألفي امرأة، على امتداد قطاع غزة.
وبعد تأسيس الاتحاد الديمقراطي الفلسطيني – فدا، اختارت المناضلة الانتماء إلى حزب فدا، واحتلّت موقعًا قياديًا فيه، حيث أصبحت عضوًا في مكتبه السياسي.
*****
العزيزة الغالية نعمة الحلو،
اعتقلتِ ثلاث مرّات: في السبعينيات، والثمانينيات، والتسعينيات، حيث قضيتِ 12 عامًا من حياتك بين قضبان المعتقل. لم تكلّي أم تملّي، بل واصلتِ نضالك طيلة حياتك من أجل حرية بلدك، على المستوى السياسي والاجتماعي.
احتفظتِ بعلاقة جيدة متميزة مع التنظيمات الفلسطينية كافة، وأكّدت مرارًا أن ما يهمك هو تحرير فلسطين: "أنا كنت في التنظيم من أجل تحرير فلسطين، وليس من أجل التنظيم".
عشقتِ الوطن؛ أرضًا وشعبًا، وحلمتِ بدولة فلسطينية محرّرة مستقلة، وعملت من أجل تحقيق الحلم طيلة حياتك.. لن يخذلك شعبك الوفي عزيزتي؛ لأنه سوف يواصل نضاله التحرّري العنيد لتحقيق حلمك، وحلم أبناء الوطن كافة، في الاستقلال والعودة وتقرير المصير..وسوف يفتقدك.