11
    

         

جرح مفتوح، وحكايات التهجير الفلسطيني تتوالد، منذ ثمانية وسبعين عامًا.

وما يحدث اليوم من إبادة جماعية في غزة، وإبادة معرفية، وإنجابية، وجندرية، في غزة ومخيمات الضفة الغربية، وفي كل مدينة وقرية ومخيم فلسطيني؛ ما هو إلّا نكبة مستمرّة؛ تطهير عرقي، ومجازر، وتهجير، واعتقال، وتعذيب، وحرق، وهدم، بدأ قبل العام 1948، وما زلنا نشاهده يوميًا، صوتًا وصورة، على امتداد أرض فلسطين.

تلد الحكاية الحكاية، ويختلف الزمان والمكان، لكن الذكريات ظلّت طازجة، عصية على المحو أو النسيان، في قلوب المهجّرون/ات، حملوها مع مفاتيح بيوتهم؛ حملوا ذاكرة قراهم، ومدنهم، وبيوتهم؛ شارعًا شارعًا، وحارة حارة، وحقلًا حقلًا، وبيتًا بيتًا. كما حملوا ذاكرة الأيام الجميلة التي عاشوها قبل التهجير، والأيام المرّة التي عاشوها بعد التهجير. ولم ينسوا يومًا واحدًا من تسبّب بنكبتهم، ومن قاوم دفاعًا عنهم وعن أرضهم. 

*****

روت "نظمية محمد عبد القادر وهدان" - التي ولدت العام 1931، حكاية تهجيرها عام 1948، من قريتها عنّابة (شرق الرملة)، إلى شلتا، ثم إلى بيتونيا؛ ثم عقبة جبر، وبعدها إلى عين عريك؛ ضمن شهادة وثّقها "مركز الرواة للدراسات والأبحاث".

ما زالت نظمية وهدان تذكر كل صغيرة وكبيرة، منذ ذلك التاريخ. ما زالت تذكر ليلة تهجيرها من عنّابة بالتفصيل، وتذكر بالذات كيف قاوم شباب قريتها الجيش الإسرائيلي، الذي دخل القرية ليلًا لاحتلالها، وتطهيرها عرقيًا: "ظلوا الشباب يقاوموا تَنُّه خلص السلاح اللي معهم". 

تحدثت كيف هُجّرت صبية في الثامنة عشر من عمرها، تزوجت حديثًا، مع زوجها وعائلتها من بيتهم، دون أن يتمكنوا من حمل شيئ من حوائجهم، سوى بعض صيغتها الذهبية، ووقاتها (الطاقية التي تزيّن بالذهب أو الفضة)، التي بقيت مع أمها، والتي اضطرّت لبيعها، بعد التهجير، كي تستطيع العيش هي وزوجها.

 ومن عنّابة إلى شلتا (شرق الرملة) سيرًا على الأقدام، وصلت الصبية وزوجها وعائلتها، ووصل العديد من أهل عنّابة، ومعهم دوابّهم وغنمهم، التي كانت بحاجة لسقاية قبل أن تهلك من العطش، "ما وصلنا شلتا إيدينا ورجلينا بشَرشِرِن في دم".

وبقيت العائلة ليلتين، انتقلت بعدها إلى عين أيوب ( في قرية دير أيوب، جنوب غرب الرملة)؛ لتقيم العائلة مع الغنم والدواب مدة شهر، وتنام تحت الزيتون.

ومن عين أيوب، تسلّل العديد من المهجّرين إلى بيوتهم بواسطة الجمال، كي يحضروا منها؛ قمحًا، وأغطية، وبعض الملابس، والحوائج الضرورية، التي يستطيعون حملها. منهم من قتل في الطريق، ومنهم من خيّره جيش الاحتلال الإسرائيلي بين ترك ما استطاع تحميله من أكياس القمح، أو وبعض الملابس والحوائج الضرورية طواعية، أو القتل.

وبعدها انتقلت نظمية وهدان إلى دير ابزيع، لتقيم فيها أيضًا مدة شهر، إلى أن انتقلت والعائلة إلى بيتونيا (جنوب غرب رام الله)، ومنها إلى مخيم عقبة جبر (جنوب غرب أريحا)، لتعود وتنتقل إلى عين عريك (غرب رام الله)، وتستقرّ هناك. 

تحدثت الراوية عن المعاناة الاقتصادية والاجتماعية والنفسية التي لا توصف، التي عاشها المهجّرون في مخيم عقبة جبر: العيش صيفًا في خيمة، في ظروف معيشية شديدة القسوة "الناس على بعض، بعيد عنِّتش القمل، دوّدوا، نبقى نايمين العقارب تحت إجرينا، والله ناس معاي ماتوا"، حيث لا إمكانيات مادية تتيح طعامًا أو شرابًا صحيًا، أو علاجًا مناسبًا؛ مما تسبب في موت العديد من اللاجئين، ومرض الكثيرين. 

لم يضع المهجّرون/ات أيديهم على خدودهم بانتظار الفرج. تحدثت نظمية وهدان عن عمل النساء في جمع الزيتون، بينما سافر أزواجهن إلى الأردن للعمل هناك؛ كي يعودوا ببعض المال لإعالة الأسرة.

*****

تحدثت بحسرة عن حياتها وحياة أبناء قريتها عنّابة، قبل تهجيرهم، ووصفت كم كانوا سعداء؛ إذ كانوا يربون النحل، ويزرعون البصل، والبندورة، والسمسم، والبامية، والبطيخ والشمام، ويطبخون بزيت السيرج، وبزيت الزيتون، ويخبزون في الطابون، وقالت إن كل امرأة كان لها طابونها الخاص، وكل عائلة كان في بيتها بئر. وأنهم كانوا يبيعون منتجاتهم في اللد.

 تحدثت عن عملها في الحقل في أرض العائلة، حيث كانت تزرع وتقلع وتحصد: " ما حدا ودّانا على المدرسة، بكوا الناس ملتهيين في الحصايد، وفي الزراعة، ومبسوطين. وأنا صغيره، أروح ع الأرض، وأكعد أزرع، وأكلع بإيدي وأحصد، وإيديّ يبقين يشرشرن في دم، ويكولوا لي: حطّي عليهم سمكة (تربة حمراء يطلقون عليها إسم سمكة) وإدعتشي في إيديكِ".

*****

امتلكت نظمية وهدان حسًا نقديًا نسويًا وسياسيًا متميزًا، جعلها تروي عن العدوّ الداخلي - ابن البلد الذي يستعين به المحتلّ ضد أبناء بلده -، في الوقت ذاته التي تروي فيه عن المحتلّ الإسرائيلي الاستعماري. كما امتلكت وعيًا طبقيًا فطريًا، عبّرت عنه حين روت عن استقبال فاتر، وحذر، وسلبي للاجئين الذين يعانون من أزمة اقتصادية كبيرة، في الوقت الذي يحظى فيه من يتمتعون بوضع اقتصادي مريح باستقبال ودود وإيجابي.

*****

لم يكفّ المهجّرون يومًا عن الحلم بيوم العودة، جيلًا بعد جيل. عبّرت نظمية وهدان عن ذلك، حين روت عن وصية والدها بعد رحيله: "إن عاودنا يابا ع البلاد، كيمي تراباتي  في الكاسة وخذيهم".

faihaab@gmail.com

www.faihaab.com

 

 

 

 

هذه النسخة تجريبية من الموقع الالكتروني وما تزال قيد البناء والتطوير.