2
    

 

الحقيقة/ وجه معي/ وجه معك/ وجه منثور في الطرقات/ أرى ما أرى/  هل أرى ما ترى؟ هل ترى ما أرى؟  

 نعم، لا يمكن لفرد أن يحتكر الحقيقة والقول الفصل.

كل له رأي، وكل له الحق في إبداء رأيه، ونقاش الرأي المختلف، ولكن دون إلقاء تهم أو تشكيك شخصي، ودون أحكام مسبقة. ليس هناك إنسان معصوم عن الخطأ، وهناك فارق كبير بين نقاش الفكر المختلف، أو الخطاب المختلف، وبين نقاش تاريخ الشخصية التي تحمل هذا الفكر أو ذاك الخطاب؛ لأن شخصنة النقاش تحوّله إلى تجريح شخصي، يؤدي إلى استنفار العصبية القبلية، بدلًا من تحكيم العقل، ومناقشة موضوع الاختلاف؛ مما يعود به إلى الخلف، بدلًا من أن يدفعه إلى الأمام.

ولا يمكن للفكر ذي الرؤية الأحادية، المنطوي على ذاته، سوى رؤية ما يتوافق مع توجهاته وآرائه؛ مما ينتج التكلّس والانغلاق، وعدم الاعتراف بالآخر، واحتكار الحقيقة، ويقفل باب أي حوار، ويؤجّج الخلاف؛ ويعيق أي محاولة لحلّه.

*****

 

ما دفع إلى طرح موضوع الاختلاف وإدارة الاختلاف مجدّدًا، هو تراشق الاتهامات، الذي جرى ويجري على مواقع التواصل الاجتماعي بين عدد كبير من أبناء الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة والشتات، إثر كلمة ألقاها قيادي فلسطيني، باللغة الإنجليزية، خلال جلسات المؤتمر الدولي لمناهضة الحرب في لندن، الداعم لغزة، مطلع الشهر الحالي، والتي تحدث فيها عن أهمية تعزيز الصمود، ومقاومة التهجير، وأكّد أن إنقاذ 82 ألف مولود جديد، بعد قتل الاحتلال الإسرائيلي بكل وحشية حدّ 22 ألف طفل: "ليس مجرد عمل إنساني، بل هو مقاومة".

*****

لا يعنيني هنا نقاش تأويلات الكلام هنا وهناك. كل ما يهمني هو نقاش الوسيلة الأفضل للتعامل مع الاختلاف؛ إذ لم يقتصر الموضوع على اختلاف في وجهات النظر؛ بل امتدّ إلى التجريح الشخصي، والتشهير، وإلى الاصطفاف القبلي والتنظيمي؛ مما أخرج لبّ الخلاف عن سياقه، وأساء إلى مضمون النقاش.

لا يوجد من هو/هي فوق النقد، ولكن ما حدث ويحدث على مواقع التواصل الاجتماعي، في معظمه ليس نقدًا إيجابيًا، أو حوارًا؛ بل هو إبداء الرأي بموضوع الخلاف بلغة قاطعة مانعة، مع تراشق لاتهام صريح، من منظور واحد؛ لا تترك مجالًا لرأي آخر، ولا لردّ على أي اتهام؛ مما لا يحفز على الحوار بتاتًا؛ بل يجعل الكثيرين يحجمون عن إبداء الرأي؛ تفاديًا لسوء الفهم، وتجنبًا للاتهامات الجاهزة.

ومن المهم التأكيد أن الخطر لا يكمن في التنوع والاختلاف؛ بل الخطر كله في الأحادية، واحتكار الحقيقة، وشيطنة المختلف وإقصائه؛ لأن من الطبيعي أن البشر لا يعبّرون عن همومهم الخاصة والعامة بالطريقة ذاتها، بسبب الاختلاف بينهم، وفقًا للثقافة والعرق والدين والجنس والطبقة الاجتماعية.

هذا الاختلاف هو ظاهرة صحية ديمقراطية، يمكن أن تثري النقاش، وتدفعه إلى الأمام، وتولّد أفكارًا جديدة؛ إذا ارتكز إلى استماع كل إلى الآخر، دون أحكام مسبقة، ودون تبادل اتهامات، مع احترام وجهات النظر المختلفة، لا قمعها.

ولا خلاف على حق كل من أبناء الشعب الفلسطيني، في حرية التعبير عن الهمّ الخاص، وعن الهمّ العام،  بل من الضروري التأكيد على ترابط الشخصي والوطني، وأن الوطن ملك لأبناء الوطن جميعًا، وليس لفصيل أو حزب أو قائد سياسي.

يغتني الحوار بالحوار، وإذا كان الاتفاق على رأي واحد مستحيلًا، فإن التوافق على قواسم مشتركة ليس ممكنًا فحسب؛ بل ضروري ومفصليّ، من أجل مواجهة التحديات الكبرى الي تواجه الشعب الفلسطيني، في الوطن وفي الشتات.

*****

بدون توافق على رؤية سياسية، وبرنامج سياسي؛ كيف يمكن مواجهة التحديات التي تعصف بالشعب الفلسطيني، والتي تهدف إلى تصفية القضية الفلسطينية، بعد ما يزيد على ألف يوم من الإبادة الجماعية والتطهير العرقي والتهجير في غزة، وبعد تصاعد جرائم الاحتلال الإسرائيلي الاستعماري العنصري، في الضفة الغربية، وتنفيذ مخطط الضمّ على الأرض، وحيث تلتفّ المستوطنة إثر المستوطنة على عنق كل فلسطيني، ويستمرّ الاقتلاع والتهجير والمحو والاعتقال والتعذيب والهدم والتدمير، على امتداد أرض فلسطين؟ 

وبدون توافق على استراتيجية سياسية وطنية، تشمل الشتات الفلسطيني، كيف يمكن ملاحقة مجرمي الحرب كلهم، لتقديمهم إلى محكمة الجنايات الدولية، لمنع إفلاتهم من العقاب؟ والضغط لوقف الانتهاك المتواصل للقانون الدولي والقانون الدولي الإنساني، وتحقيق العدالة لفلسطين؟ وكيف يمكن أن نستثمر التحولات الدولية لصالح الحقوق الفلسطينية، حيث اتساع وتعاظم حركة التضامن العالمي مع فلسطين؟

وبدون توافق وطني كيف يمكن تعزيز صمود شعبنا، ونضاله التحرّري لإنهاء الاحتلال والعودة والاستقلال الوطني؟

 

faihaab@gmail.com

www.faihaab.com

 

 

 

 

هذه النسخة تجريبية من الموقع الالكتروني وما تزال قيد البناء والتطوير.