
إن خلاصة هذا المقال تتمثل في أن الشعب الفلسطيني، في غزة والضفة الغربية والقدس والداخل الفلسطيني والشتات، ما زال يثبت قدرة استثنائية على الصمود والتمسك بأرضه وحقوقه، رغم أنه يواجه أخطر مرحلة في تاريخه المعاصر. فهو يتعرض لحرب مفتوحة تشمل الإبادة الجماعية والتهجير القسري والتطهير العرقي، بالتوازي مع تسارع الاستيطان والضم، في إطار مشروع إسرائيلي يستهدف حسم الصراع عبر فرض الوقائع بالقوة وإنهاء القضية الفلسطينية.
وفي ظل هذا الواقع، لا تبدو الظروف الموضوعية مهيأة لاندلاع انتفاضة شاملة أو تصعيد واسع، رغم ما تروجه الأوساط الإسرائيلية حول ذلك لتبرير استمرار حشد قوات الاحتلال، وتصعيد القمع، وارتكاب المزيد من الجرائم بحق الفلسطينيين.
وعليه، فإن الأولوية الوطنية الملحة تتمثل في توفير كل مقومات الصمود والبقاء للشعب الفلسطيني، وتعزيز قدرته على الثبات في أرضه، وتشكيل لجان حماية شعبية للدفاع عن النفس وحماية المواطنين، بمشاركة جميع القوى والفعاليات من دون استثناء، وذلك في إطار بلورة رؤية وطنية جامعة، واستراتيجية كفاحية شاملة، وقيادة وطنية موحدة قادرة على إدارة المرحلة ومواجهة التحديات المصيرية.
******
استجدّ أخيراً، وتحديداً بعد اقتحام مجموعة من المستوطنين قرية تل في الضفة الغربية، وما أدّى إليه هذا من استشهاد أربعة فلسطينيين ومقتل جنديين إسرائيليين، بعدما تمكن أحد أبناء القرية من انتزاع سلاح أحد المعتدين وإطلاق النار، تطورٌ خطيرٌ لا يمكن النظر إليه حدثاً منفصلاً عن السياق العام لما يجري في الضفة الغربية.
فما يحدث اليوم امتداد لسياسات واعتداءات بدأت منذ تشكيل الحكومة الإسرائيلية الحالية قبل أربع سنوات، التي نص برنامجها على ضم الضفة الغربية، مع ترك مسألة توقيت إعلان الضم لرئيس الحكومة وفقاً لتقديراته المتعلقة بتأثير هذا في علاقات إسرائيل الدولية. كما تبنت الحكومة عمليّاً، وإن لم تذكر هذا صراحة، ما يُعرف بـ"خطة حسم الصراع"، التي تقوم على مصادرة أكبر مساحة ممكنة من الأراضي الفلسطينية، وتهويدها واستيطانها، وطرد أكبر عدد ممكن من السكان الفلسطينيين.
وقد وجدت حكومة نتنياهو، التي تضم سموتريتش وبن غفير، في أحداث 7 أكتوبر (2023) فرصة مثالية لتطبيق برنامجها، فشنت حرب إبادة وتهجير واحتلال في قطاع غزّة، وفي الوقت نفسه واصلت في الضفة الغربية، وصعّدت بشكل مكثف سياسة الضم الفعلي والقضم التدريجي للأرض، والطرد المنهجي للسكان، وفرض الوقائع التي تمهّد لإعلان السيادة الإسرائيلية. وتتحدّث الأرقام عن نفسها؛ إذ أقرّت الحكومة الإسرائيلية خلال هذا العام بناء عشرة آلاف وحدة استيطانية، وضاعفت موازنة الاستيطان مرّات، وسلّحت المستوطنين بعشرات آلاف قطع السلاح، وأطلقت أيديهم في الاعتداء على الفلسطينيين وإطلاق النار عليهم، وأصبحت اعتداءات المستوطنين وجنود الاحتلال خبراً يومياً مألوفاً.
لا بد من بلورة رؤية شاملة وإقامة قيادة موحّدة على استراتيجية متكاملة قادرة على مواجهة التحديات والمخاطر وتوظيف الفرص المتاحة، وكل مقوّمات الصمود والبقاء للفلسطينيين
وتشير الإحصاءات إلى تنفيذ 11074 اعتداءً خلال النصف الأول من هذا العام، منها 3488 اعتداءً نفذها المستوطنون، فيما نفذ جنود الاحتلال بقية الاعتداءات. كما أصبح اقتحام المسجد الأقصى والاعتداء على المقدّسات عادة يومية، تبلغ ذروتها خلال المناسبات الدينية اليهودية، حيث يقتحم آلاف المستوطنين المسجد ويؤدون طقوساً دينية وسط دعوات متزايدة إلى هدمه وإقامة "الهيكل" مكانه.
ومنذ "7 أكتوبر" ارتقى أكثر من 1200 شهيد في الضفة الغربية، إضافة إلى آلاف الجرحى، بينهم 87 شهيداً منذ بداية العام، منهم 21 على أيدي المستوطنين. كما اعتُقل في الضفة الغربية أكثر من 20 ألف فلسطيني، تعرّضوا لشتى صنوف التعذيب، في ظروف غير مسبوقة. وعلى الأرض، أزال الاحتلال 118 تجمعاً سكّانياً، وهدم آلاف المنازل، وأغلق آبار المياه، ومنع حفر آبار جديدة لري الأراضي الزراعية بغرض دفع السكان إلى الرحيل. كما دمّر ثلاثة مخيّمات في جنين وطولكرم، ما أدّى إلى تهجير عشرات آلاف، وجرى قطع وإتلاف 45 ألف شجرة، بينها 26 ألف شجرة زيتون، وسرقة 15 ألف رأس من الماشية، وإحراق مئات المنازل والمركبات والمزارع.
وفي الوقت نفسه، أقيمت بؤر استيطانية عديدة، بينها 21 في المناطق المصنفة B، المفترض أنها تخضع للسيطرة المدنية الفلسطينية، بينما واصلت الحكومة الإسرائيلية تقويض السلطة الفلسطينية عبر سحب مزيد من صلاحياتها وتحويلها إلى الإدارة المدنية التابعة لوزارة الحرب الإسرائيلية، واحتجاز ما يزيد على خمسة مليارات دولار من أموال المقاصّة، وزرعت الضفة الغربية بأكثر من 1200 حاجز وبوابة، محوّلة المدن والقرى والمخيمات إلى جزر معزولة وسجون كبيرة، بحيث لم يعد سوى نحو 10% من سكان الضفة يقيمون في المناطق المصنفة C، رغم أنها تشكل أكثر من 60% من مساحة الضفة.
كما مكنت سلطات الاحتلال المستوطنين من الاستيلاء على وتملك ما يُسمى "الأراضي الحكومية"، خلافاً للقوانين الأردنية التي كانت سارية المفعول، وشرعت منذ زمن في مواصلة ما بدأته الحكومات السابقة من إلغاء الفوارق العملية بين المناطق المصنفة A وB وC، فأصبحت تقتحم المدن الفلسطينية متى شاءت وتنفذ ما تشاء، في حين أعلن وزير المالية الإسرائيلي والوزير في وزارة الحرب بتسلئيل سموتريتش عزمه إقامة مائة بؤرة استيطانية في المناطق المصنّفة A. وهذا الواقع هو ما دفع مجموعة الحكماء الدولية إلى التحذير من خطر اختفاء فلسطين من الخريطة نتيجة التوسّع الاستيطاني المتسارع، وشرعنة البؤر غير القانونية، وتوسيع المستوطنات القائمة.
استغلت الحكومة الإسرائيلية التعاطف الدولي الذي حظيت به بعد "7 أكتوبر"، كما استغلت انشغال العالم بالحرب الإسرائيلية الأميركية على إيران وتداعياتها، لمواصلة حربها في قطاع غزّة، وإنْ بوتيرة أقل، وتصعيد عدوانها في الضفة الغربية، واستكمال سياسات التطهير العرقي، فضلاً عن التغاضي عن انتشار الجريمة والعنف ضد الفلسطينيين داخل إسرائيل.
ولتأكيد أن ما يجري تنفيذ لخطة معدة سلفاً، وليس مجرّد ردة فعل على أحداث أمنية، يكفي النظر إلى القرارات التي اتخذتها الحكومة عقب أحداث قرية تل، إذ سارعت إلى فرض عقوباتٍ جماعية، وتعزيز قوات الاحتلال بأعداد كبيرة، وتشديد الحصار والإغلاق، وإقامة مزيد من الحواجز، ومنع الحركة في مختلف أنحاء الضفة، وشرعنة بؤر استيطانية وإقرار إقامة بؤر جديدة، وتنفيذ حملات اعتقال واقتحامات واسعة، بالتوازي مع توفير الحماية للمستوطنين الذين أحرقوا منازل ومزارع ومركبات، بل ومساجد، وسط دعوات إلى تدمير قرية تل، على غرار ما جرى في قطاع غزّة.
وتجدر الإشارة إلى أن دولة الاحتلال للتغطية على مخططاتها المعدة مسبقا دأبت على ادّعاء أن الضفة الغربية تستعد لتنفيذ 7 أكتوبر خاص بها، وأنها على وشك الانفجار واندلاع انتفاضة جديدة، وهذا ما يتساوق معه بعض الفلسطينيين والمتحمسين للمقاومة الفلسطينية قافزين عن الواقع المعطى ومسقطين التمنيات على الواقع، وهو غير صحيح بالمرّة، فالضفة مستباحة وفي عين العاصفة، ولا تملك مقوماتٍ لشن مقاومةٍ فاعلةٍ أو انتفاضة جديدة، بل ما تقدر عليه وضمن إمكاناتها والظروف الراهنة هو الصمود وتنظيم أشكال الدفاع عن النفس بوسائل المقاومة الشعبية المتوفرة.
وهذا ما يفسّر أن ردة الفعل الفلسطينية أقل بكثير من مستوى التحدّي. ويعود هذا إلى حالة الاستنزاف التي تعيشها الضفة الغربية منذ عام 2015، وما شهدته من هبة السكاكين، ثم موجات المقاومة اللاحقة، ولا سيما في القدس وجنين ونابلس. كما يرتبط هذا بتبني القيادة الفلسطينية سياسة واقعية تخضع للواقع، بدلا من التعامل معه لتغييره من دون مغامرة ولا تهوّر، سياسة تقوم على النأي بالنفس وتجنّب المواجهة، وسحب الذرائع، والانتظار، والحرص على بقاء القيادة والرئيس والسلطة بأي ثمن، وهو ما شجّع الاحتلال والمستوطنين على المضي في سياساتهم التوسّعية والعنصرية والعدوانية والتهجيرية.
وتستند الاستراتيجية الإسرائيلية، كما سبقت الإشارة، إلى تفريغ الأرض من سكانها وتهويدها واستيطانها وطرد سكانها، وصولاً إلى اللحظة التي ترى فيها الحكومة الإسرائيلية أن الظروف أصبحت مواتية لإعلان "إسرائيل الكبرى" من النهر إلى البحر، باعتبارها محطة على طريق تحقيق المشروع الصهيوني الأوسع "من النيل إلى الفرات".
كما يسهم في إضعاف الموقف الفلسطيني الطابع الفاشي الذي اتسمت به سياسات الحكومة الإسرائيلية بعد 7 أكتوبر، إذ لم تتردّد في ارتكاب مختلف الجرائم، بما فيها الإبادة الجماعية، رداً على أيٍّ من أشكال المقاومة، حتى لو كان شعبياً وسلميّاً. ويضاف إلى هذا استمرار الانقسام الفلسطيني السياسي والجغرافي والمؤسّسي المدمر، رغم حرب الإبادة ومخطّطات تصفية القضية الفلسطينية، المفترض أن تفرض وحدة الفلسطينيين بغض النظر عن خلافاتهم، الأمر الذي يعمّق مشاعر الإحباط واليأس، في وقت أصبحت الوحدة الوطنية في مواجهة التحدّيات الوجودية ضرورة حيوية لا غنى عنها وليست مجرّد خيار سياسي.
ومع هذا، ما زال صمود الفلسطينيين وبقاؤهم على أرضهم العامل الحاسم في إفشال المشروع الصهيوني الإسرائيلي. كما أن القضية الفلسطينية لا تزال حية، وتحظى بحركة تضامن عالمية غير مسبوقة مرشّحة لنهوض جديد، إلا أن هذا الزخم الدولي يتعاكس مع ما هو قائم في فلسطين، ولا يترجم إلى إنجازات سياسية بسبب ضعف الحامل الفلسطيني، الذي ينبغي أن يغادر حالة العجز والانقسام، وأن يتحوّل إلى قاطرة تقود حراكاً عربيّاً وإسلامياً ودولياً قادراً على فرض احترام حقوق الشعب الفلسطيني على صناع القرار في واشنطن وتل أبيب.
دولة الاحتلال للتغطية على مخطّطاتها المعدّة مسبقاً دأبت على ادّعاء أن الضفة الغربية تستعد لتنفيذ 7 أكتوبر خاص بها
والتفوق العسكري والاقتصادي والتكنولوجي الإسرائيلي لا يجب أن يخفي حدود القوة، وأن أطماع إسرائيل وأهدافها أقل من قدراتها على تحقيقها حيث ظهرت تابعة للسيد الأميركي وغير قادرة على تغيير الشرق الأوسط، ولا على إقامة إسرائيل الكبرى، فلا يزال عدد الفلسطينيين في فلسطين يوازي ويزيد عن عدد اليهود، وأن الأراضي المصادرة لا تجد المستوطنين ليسكنوا فيها، ولا الجنود اللازمين لحمايتها، كما أن صورة إسرائيل في العالم ظهرت على حقيقتها والرواية الصهيونية سقطت سقوطاً مدوياً، ونقاط الضعف في دولة الاحتلال ظهرت والتناقضات الداخلية تفاقمت، وأكبر دليل أن الحكومة الإسرائيلية لم تحسم أي حربٍ على مختلف الجبهات، وأن شعبيتها في تراجع مستمر إلى درجة أن فرصها بالفوز بالانتخابات القريبة تقل باستمرار، ما يعني أن الأشهر القليلة المقبلة ستشهد تصعيدا كبيرا في محاولة أخيرة لتحسين فرصها بالفوز بالانتخابات.
ولا يكفي الاكتفاء الرسمي الفلسطيني بمناشدة العالم التدخل وتوفير الحماية أو مطالبة الشعب ومؤسّساته بتوثيق الجرائم الإسرائيلية، رغم أهمية هذا، بل لا بد من بلورة رؤية شاملة وإقامة قيادة موحّدة على استراتيجية متكاملة قادرة على مواجهة التحديات والمخاطر وتوظيف الفرص المتاحة، وكل مقوّمات الصمود والبقاء للفلسطينيين، ولا سيما في المناطق المهدّدة بالإبادة والضم والتهجير والاستيطان والفصل العنصري. كما لا يجوز حرمان الفلسطيني من حقه المشروع في الدفاع عن نفسه وأسرته ومجتمعه وممتلكاته، وفقاً لما يكفله القانون الدولي. ويتطلب هذا تبنّي استراتيجية شاملة تقوم على إنهاء الاحتلال، وتجسيد استقلال دولة فلسطين، ومحاسبة إسرائيل على جرائمها عبر فرض المقاطعة والعقوبات عليها، ووقف تزويدها بالسلاح، وسحب الاعتراف بها من دولة فلسطين والدول العربية التي اعترفت بإسرائيل، والعمل على تجميد عضويتها في الأمم المتحدة، وملاحقة إسرائيل دولة الاحتلال والفصل العنصري والمسؤولين الإسرائيليين كافة، وليس معاقبة أفراد فقط، باعتبار ما يرتكبونه سياسة رسمية ممنهجة، لا مجرّد أفعال فردية. كما يتطلب الأمر تشكيل لجان حماية شعبية فلسطينية في المدن والقرى والتجمعات المهددة، وتوفير الدعم والإسناد الرسميين والشعبيين لها، بما يعزّز قدرة الفلسطينيين على الصمود والدفاع عن وجودهم في مواجهة أخطر مشروع استيطاني يهدد قضيتهم منذ عقود.