الخروج من المأزق الفلسطيني
54
    

المطلوب تغيير المسار

أبدأ بتقديم الشكر للدكتور محسن صالح ومركز الزيتونة على عقد هذه الندوة الهامة في هذا الوقت العصيب ، وعلى المثابرة في عقد الندوات التي تتناول القضايا المحورية،

فيما يلي المداخلة التي القيتها في الندوة ولم يكن الوقت المتاح كافيا للإدلاء بها كاملة

لا أعتقد أن هناك خلافًا جديًا حول حقيقة وجود مأزق فلسطيني عميق، لكن الخلاف يدور حول جذوره وأسبابه، والأهم حول كيفية الخروج منه.

وتشخيص المأزق بدقة هو الخطوة الأولى للخروج منه. فنحن لا نواجه أزمة واحدة، وإنما تراكم أزمات لم تُحل، حتى أصبحت مترابطة ومتداخلة: أزمة مشروع وطني حيث هناك حاجة ملحة لإعادة تعريف المشروع الوطني وكيفية تطبيقه، بعد الهبوط عن برنامج التحرير والعودة وحتى عن برنامج تقرير المصير والدولة إلى برنامج  حل الدولتين ثم برنامج بقاء السلطة والقيادة والفصائل ومن ثم برنامج خارطة الطريق لتنفيذ مبادرة ترامب ومجلس الوصاية الاستعماري الذي يسمى مجلس سلام، وأزمة قيادة، وأزمة رؤية، وأزمة بنية، وأزمة استراتيجيات واشكال نضال، وأزمة مؤسسات بعد أن فرغت من محتواها وجمدت منظمة التحرير وعانت من التفرد والإقصاء وتم السيطرة عليها من قبل شخص ومجموعة مساعدين. أما الانقسام، على خطورته، فليس أصل الأزمة، وإنما أحد أبرز أعراضها ونتائجها.

أزمة قيادة وبرنامج قبل أن تكون أزمة انقسام

لقد تقادمت النخبة السياسية الفلسطينية، والقيادة بصورة خاصة، وترهلت وتكلست وفسدت، في الوقت الذي تغيرت فيه الظروف التي نشأت فيها هذه القيادة وتلك النخبة، من دون أن تتغير طريقة التفكير والعمل بما يتناسب مع التحولات الكبرى التي حدثت، ما أدى لوصول  مختلف الاستراتيجيات إلى طريق مسدود.

واختارت القيادة الاستمرار باعتماد خيار المفاوضات رغم النتائج الكارثية التي وصل إليها ورغم عدم وجود مفاوضات، واختارت تقديم التنازلات باعتبارها وسيلة لإثبات الجدارة، وكسب الاعتراف، وإقناع إسرائيل والمجتمع الدولي بأن الفلسطينيين يستحقون دولة.

وعندما وصلت هذه الاستراتيجية  المرة وراء الأخرى إلى طريق مسدود، لم تُجرَ مراجعة جذرية لها، بل جرى الانتقال إلى واقعية أكثر فأكثر، حتى تحولت الواقعية من وسيلة لفهم الواقع والتعامل معه إلى قيد يمنع تغييره، وواقعية دون خيال سياسي أو طموح وطني أو استراتيجية نضالية قادرة على تعديل موازين القوى، ما أدى إلى الخضوع رويدا رويدا ما سيصل في النهاية إلى نتيجة واحدة هي الاستسلام.

في المقابل، اختار فريق آخر الجمع بين البرنامج المرحلي كبرنامج اعتراضي والبرنامج الاستراتيجي، وبين مختلف أشكال النضال، قبل أن يتحول المرحلي إلى استراتيجي إلى الجمع بين السلطة والمقاومة بدون فك قيود اتفاق أوسلو ما اعتبر نوع من التكيف معه، ثم تدريجيًا إلى التركيز على السلطة باعتبارها وسيلة لحماية المقاومة. وانتهى الأمر، بعد فشل هذه السياسة بإيجاد مخرج، رغم استعداد حماس للتخلي عن السلطة بالقطاع مقابل الاعتراف بدورها والحفاظ على المقاومة ورغم الاستعداد لاعتماد المقاومة الشعبية، لم يتم وقف الحصار والعدوان العسكري، اختارت الذهاب لنهاية الشوط ونفذت طوفان الأقصى وذهبت إلى الطرف المقابل من المشكلة: ما عكس نوعا من  الإمعان في الخيال بعيدًا عن الواقع، والاعتقاد بأن الكفاح المسلح، من دون رؤية سياسية واضحة، ومن دون استراتيجية متكاملة، متناسبة مع ميزان القوى ومن دون وحدة وطنية، وفي ظل بيئة إقليمية ودولية غير مواتية، قادر وحده على تحقيق المعجزات.

وهكذا أصبح الفلسطينيون أمام خيارين متناقضين في الظاهر، لكنهما التقيا في النتيجة:

مفاوضات بلا قوة أو استراتيجية أو مرجعية ملزمة، انتهت إلى سلطة تدير السكان تحت الاحتلال، بلا مفاوضات ولا أفق سياسي.

وفي المقابل:

مقاومة بلا رؤية سياسية أو استراتيجية متكاملة أو وحدة وطنية، انتهت إلى وضع قطاع غزة تحت وصاية استعمارية، بلا مقاومة ولا أفق سياسي والى ضفة مستباحة بالكامل.

هذه ليست مشكلة تكتيكية، بل أزمة في التفكير السياسي نفسه والممارسة السياسية نفسها.

طوفان الأقصى: إنجاز استثنائي ونتيجة كارثية

في هذا السياق جاءت مبادرة طوفان الأقصى.

ولا يمكن إنكار أنها ردة فعل على ما تقوم به دولة الاحتلال من جرائم، ولا على ما أظهرته من قدرات عسكرية واستخبارية وتنظيمية وبطولة، ولا ما أحدثته من زلزال داخل إسرائيل، ولا أنها أسقطت وهم أن التفوق الإسرائيلي المطلق يجعل إسرائيل عصية على الاختراق والهزيمة.

لكن الإنجاز العسكري شيء، والحساب السياسي والاستراتيجي شيء آخر.

فالمبادرة لم تستند، كما يبدو من النتائج الحاصلة حتى الآن، إلى تقدير صحيح وكافٍ لموازين القوى، ولا لردود الفعل الإسرائيلية والفلسطينية والعربية والإسلامية والدولية، ولا لقدرة إسرائيل على توظيف الحدث لتحقيق أهداف تتجاوز الرد العسكري المباشر.

وقد وفرت بالفعل فرصة لحكومة إسرائيلية هي الأكثر تطرفًا، ومدعومة من إدارة أميركية هي الأكثر انحيازًا لإسرائيل، لشن حرب إبادة واسعة، وتوسيع مشروع التهجير والضم والاستيطان، ودفع مخطط تصفية القضية الفلسطينية إلى مراحل وأبعاد أخطر.

وهنا تكمن المفارقةما كان زلزالًا بالنسبة إلى إسرائيل تحول، بسبب اختلال موازين القوى وغياب الحسابات السياسية والاستراتيجية الكافية، إلى كارثة فلسطينية ذات أبعاد وجودية.

وهذا لا يلغي أهمية الحدث وتأثيراته بعيدة المدى، لكنه يفرض ضرورة التمييز بين البطولة والتخطيط، وبين القدرة على إلحاق ضربة بالخصم والقدرة على تحقيق أهداف سياسية استراتيجية.

لماذا لم يظهر البديل؟

المشكلة الأكبر أن القوى الفلسطينية المعارضة للنهج الرسمي نتيجة عجزها وفقدانها الرؤية والمبادرة والإرادة اللازمة لم تنجح في بلورة بديل وطني ، لذلك تسابقت على الموافقة على اجراء انتخابات تحت الاحتلال والانقسام متوهمة أنها الحل أو وسيلة للتغيير أو المدخل له، وعلى الرغم من وفي ظروف حرب الابادة والتهجير والضم والفصل العنصري والزحف الاستيطاني واصرار الحكومة الاسرائيلية على المضي في تطبيق خطة الحسم التي هي الاسم الرسمي للسعي لتصفية القضية الفلسطينية من جذورها وكل أبعادها.

عدم بلورة البديل عما هو قائم نظريا وعمليا خصوصا بعد فشل وافشال مختلف محاولات ومبادرات المصالحة والوحدة، وإلغاء الانتخابات التي كانت مقررة عام ٢٠٢١ كان يفترض أن يؤدي إلى ولادة جبهة وطنية عريضة تقدم رؤية بديلة، واستراتيجيات بديلة وممارسة بديلة، لا أن تكتفي برفض القيادة والسلطة وانتظار خطواتها ومبادراتها القادمة.

كان يفترض أن تقول  القوى إذا كانت متميزة فعلا بوضوح: إن التفرد بالمؤسسة والقرار، والاستمرار في النهج السياسي نفسه رغم نتائجه الكارثية، وعدم الاحتكام إلى الشعب بالانتخابات لأكثر من عشرين عامًا، ورفض محاولات المصالحة والوحدة، من اتفاق القاهرة إلى إعلان بكين، كلها أمور تستوجب تغييرًا حقيقيًا في النظام السياسي ولدى مختلف الأطراف، وليس مجرد تغيير في الأشخاص. والتغيير لا يأتي من تلقاء نفسه بل بالمراجعة وطرح بديل و بفرض وقائع على الارض تستند إلى المشروع الوطني وبلورة كيفية تنفيذه وفتح الباب لكل من يوافق على مضمونه الذي يجب أن يحافظ على السردية التاريخية والحقوق وأهداف وأشكال النضال الأساسية، ويستند إلى مبدأ وحدة القضية والشعب والأرض والمؤسسة، بدون تجاهل البرامج السياسية القادرة على التأثير بالوضع الراهن وتحقيق أقصى ما يمكن تحقيقه في كل مرحلة، والتي تراعي الظروف والأولويات والخصائص التي تميز التجمعات الفلسطينية التي تعيش ضمن أنظمة سياسية وقوانين ومجتمعات مختلفة ومتباينة جدا.لكن هذا البديل لم يتبلور، لذلك لم تجد فصائل وقوى المعارضة طريقا سوى المشاركة واللحاق بعجلة الانتخابات وأوهمت نفسها حتى تداري عجزها بانها وسيلة للتغيير رغم ادراك الجميع انها انتخابات لسلطة حكم ذاتي وظيفية مقيدة بالتزامات وبالتالي إذا لم تؤجل وإذا لم تأتي بالمطلوب منها( يتم مصادرة نتائجها بالتزوير أو بالطعن بالفائزين أو تتكفل قوات الاحتلال بهم) وهو تكريس الواقع السيء والسلطة التي تدير السكان تحت الاحتلال، والتأهل لمباركة الحلول التي يمكن ان تنتهي اليها الأطراف الإقليمية والدولية بعد وقف مشاغلها وهي حلول لن تكون مناسبة للفلسطينيين وإنما في احسن الأحوال تستند إلى صفقة ترامب، لان المقدمات تشير إلى النتائج، والأثر يدل على المسير، فالاحتلال يتعمق والاستيطان يتوسع والضم يزحف، و دور منظمة التحرير والفصائل والسلطتين في تراجع كبير وأشكال من الوصاية والبدائل تتقدم بقوة و بقدر ما يسمح لها الاحتلال .

ولم تنجح الحراكات والمؤتمرات والمبادرات المختلفة في سد الفراغ وتقديم البديل لأنها لم تركز أولا على بلورة وصياغة المشروع الوطني وفي القلب منه الميثاق الوطني ولم تحدد أهداف المرحلة وكيف يمكن تحقيقها، ولم تعطي للقضايا الحياتية والاقتصادية والاجتماعية ومقومات الصمود والبقاء حقها، وتباينت وتراوحت واحتارت بين من يريد اصلاح منظمة التحرير من الداخل واعادة بناء مؤسساتها، وبعد الانضمام لها يتم بلورة المشروع الوطني وتحديد البرنامج السياسي، وبين من يريد العودة للأصول والثوابت و نزع شرعيتها والإطاحة بها وبناء البديل، وبين التجاذب بين هذين الرأيين. وهكذا وجد الجميع أنفسهم، بدرجات متفاوتة وجراء عدم وجود البديل، يتعلقون بأذيال انتخابات سلطة الحكم الذاتي، وكأن الانتخابات  قادرة على إخراج النظام السياسي من أزمته وتغيير وظائف والتزامات سلطة الحكم الذاتي، مع انها كما يقول مشتاق خان وهو عالم سياسة واقتصادي مشهور "إذا كان ممكنا اجراء انتخابات حرة ونزيهة، وتجسيد الديمقراطية الحقة والتنمية المستدامة تحت الاحتلال، فلماذا نطالب بأنهاء الاحتلال؟

ودروس الانتخابات تحت الاحتلال

ما يؤكد ما ذهبنا إليه خبرة اجراء الانتخابات تحت الاحتلال:  

انتخابات البلدية عام 1976 انقلب الاحتلال على نتائجها لأنها تعاكست مع أهدافه فقام بقمعها بقتل وعزل ومحاولة ابعاد قادتها وتعيين مجالس بلدية بدلا عنهم.

انتخابات 1996 اعطت شرعية شعبية لسلطة الحكم الذاتي واوسلو، لكنها لم تغير من طبيعة السلطة والتزاماتها ووظيفتها ومن موازين القوى.

انتخابات 2006 صودرت نتائجها وحوصرت الحكومة وتمت مقاطعتها واعتقل عشرات النواب وبعض الوزراء عندما جاءت بنتائج غير المطلوبة من الاحتلال وواشنطن والمجتمع الدولي وقيادة السلطة.

انتخابات 2021 الغيت وهذا يدل ان الانتخابات محكومة بحسابات القيادة والاحتلال والتوازنات الداخلية والخارجية، وبما يخطط لفلسطين اقليميا ودوليا وخصوصا امريكيا.

وبما أن الوضع الآن أسوأ مما كان بكثير فنتائج قرار الانتخابات إذا عقدت أو لم تعقد ستكون أسوأ من سابقاتها إذا لم يتم تغيير المسار السائد حتى الآن عند القيادة والمعارضة، وبلورة كل العناصر والقوى الوطنية والديمقراطية تصور يتضمن شروط  اجراء الانتخابات بحيث يتم العمل لتغيير سياقها وشروطها الإقصائية وأهدافها

انتخابات تحت الاحتلال... إلى أين؟

المشكلة ليست في الانتخابات من حيث المبدأ. بل على العكس، الانتخابات ضرورة لتجديد الشرعية وإعادة الاعتبار للشعب مصدرًا للسلطة، شرط ما دامت فلسطين تحت الاحتلال ان يكون هناك مشروعا متوافقا عليه وعقد اجتماعي تأتي الانتخابات في سياقه و ان تكون حرة ونزيهة وتحترم نتائجها .

لكن السؤال الأساسي هوانتخابات لماذا؟ ولأي نظام سياسي؟ وبأي شروط؟ وإلى أي هدف؟

هل نريد انتخابات للاشتباك مع مخططات تصفية القضية الفلسطينية ومن ضمنها خارطة ترامب، وتوفر مقومات الصمود والبقاء للإنسان الفلسطيني على ارضه، وتعيد بناء النظام السياسي الفلسطيني على أسس وطنية وديمقراطية توافقية وتوحّد المؤسسات  وإعادة الاعتبار للمشروع الوطني وتجدد الشرعية وتفتح الطريق أمام إنهاء الانقسام وإعادة بناء واحياء منظمة التحرير؟ ام انتخابات لتسهيل تنفيذ خطة ترامب؟

أم نريد انتخابات لإعادة إنتاج سلطة الحكم الذاتي، وتحسين إدارة السكان تحت الاحتلال، وإبقاء القيادة والمؤسسات القائمة وتنفيذ خطة ترامب؟

إذا كانت الانتخابات ستستخدم لإعادة إنتاج الواقع نفسه، فإنها لن تكون مخرجًا من المأزق، بل تتحول إلى أداة لإعادة شرعنته.

والأخطر أن الاحتلال لن يسمح بإجراء انتخابات فلسطينية حرة تحترم نتائجها،  ولن يسمح بها إلا إذا جاءت، في نهاية المطاف، منسجمة مع مصالحه ومع التصور الأميركي والإسرائيلي للحل  وإذا عقدت وجاءت بنتائج غير مرغوبة يتم مصادرة نتائجها.

وهنا تبرز خطورة المخططات والأهداف التي يجري الدفع بها تحت عناوين مختلفة، وفي مقدمتها خريطة ترامب والتخلي عن المقاومة وإدانتها بشكل رجعي وتحول الفصائل المقاومة إلى أحزاب سياسية ومغادرة المطالبة حتى بحق تقرير المصير والاستقلال الوطني، والفصل ما بين الوطني والديمقراطي والاكتفاء بالمطالبة برغيف الخبز والدواء والبيت والعمل والأمن، والتعامل مع الشعب كأفراد متفرقين والاستعداد لقبول ما سيطرح حتى يكون الحل التصفوي للقضية الفلسطينية جسرا للتطبيع وبناء الشرق الأوسط الجديد، وهذا لا يترك مكانًا حقيقيًا للحقوق الوطنية الفلسطينية بصورتها التاريخية، ولا للفلسطينيين بوصفهم شعبًا صاحب حق في تقرير مصيره، إلا ضمن شروط وإملاءات تعيد تعريف القضية من أساسها.

في هذا التصور لا مكان للسلطة ومنظمة التحرير إلا بعد إعادة تشكيلهما وفق شروط خارجية، ولا مكان للفصائل إلا بعد نزع سلاحها وإعادة تعريف دورها، بحيث تتحول من مكونات في حركة تحرر وطني إلى حركات سياسية تركز على الخدمات والقضايا الحياتية، وعلى الفلسطينيين كأفراد لا كشعب.

وهذا يعني، في جوهره، تفكيك وحدة القضية والأرض والشعب والمؤسسة، وإضعاف السردية التاريخية، والتراجع عن حق العودة ومختلف الحقوق الوطنية.

المطلوب: تغيير المسار 

من هنا، فإن الخروج من المأزق الفلسطيني لا يمكن أن يتم عبر تغيير بعض الأشخاص، أو إجراء انتخابات محدودة، أو إعادة توزيع المناصب داخل المؤسسات القائمة او العودة للحوارات والاتفاقات كما جرت سابقا و التي لم تطبق وساهمت بوصولنا إلى ما نحن فيه، .

المطلوب إعادة تأسيس النظام السياسي الفلسطيني على قاعدة وطنية وديمقراطية توافقية جديدة وشراكة حقيقية.

نحن بحاجة إلى رؤية وطنية واقعية طموحة شاملة، تسعى لتغيير الواقع بالقدرات والأشكال المتاحة، وتحافظ على التعددية والتنوع، وتنبثق عنها قيادة وطنية موحدة، وبرنامج سياسي واضح، واستراتيجيات متعددة ومتدرجة، تجمع بين السياسة والمقاومة الشعبية والدبلوماسية والقانون الدولي والعمل العربي والدولي، وتتعامل مع موازين القوى كما هي، ولكن بهدف تغييرها، لا الاستسلام لها. تهدف أن يكون ذلك من خلال اعادة بناء وتغيير المنظمة والسلطة والمؤسسات القائمة، ولكنها لا تنتظر حتى يتم ذلك إلى الأبد، بل تشرع فورا ببناء البديل، من تحت لفوق بخلق حقائق وإطلاق مبادرات وبناء شراكات وحراكات تقدم النماذج في مختلف المجالات والقطاعات ، ولكن بدون موقف عدمي من أي مساعي وحدوية من فوق، فأي انقاذ وطني مفترض أن يكون موافقا على متطلباته الأساسية، بحيث لا يتم اقصاء أحد. ومن لا يريد يقصي نفسه بنفسه.

ونحتاج إلى إعادة تعريف وتغيير وظيفة السلطة ومكانتها، بحيث تصبح أداة بخدمة البرنامج الوطني، و لا تبقى السلطة هدفًا في حد ذاتها، ولا تتحول المحافظة عليها إلى غاية تتقدم على القضية الوطنية.

كما نحتاج إلى إعادة بناء منظمة التحرير على أسس ديمقراطية وتمثيلية، وإذا تعذر ذلك، فينبغي البحث في تشكيل جمعية تأسيسية وطنية جديدة، تتولى صياغة عقد سياسي واجتماعي فلسطيني جديد.

وهذا العقد ينبغي أن يعيد إحياء ميثاق منظمة التحرير وإعادة صياغته بما يتناسب مع الخبرات المتراكمة، والمستجدات والحقائق الجديدة، من دون التخلي عن الحقوق والأهداف الوطنية والسردية التاريخية، ومن دون تحويل أي مرحلة سياسية أو برامج مرحلية لا بد منها إلى سقف نهائي للطموح الوطني.

فالبرنامج الوطني يجب أن يحدد ما نريد، والاستراتيجية تحدد كيف نقترب منه، والمرحلة تحدد ما يمكن تحقيقه الآن، من دون أن تتحول الممكنات الراهنة إلى بديل عن الحقوق والأهداف.

لا يمكن الخروج من المأزق بأدوات صنعت المأزق

الخلاصة أن المأزق الفلسطيني لا يُحل بإدارة الأزمة بصورة أفضل، ولا بإعادة إنتاج المؤسسات والقيادات والسياسات التي صنعتها.

ولا يمكن الخروج من المأزق باستخدام الأدوات نفسها التي أوصلتنا إليه مع السعي لاستنفاذ المحاولات حتى الرمق الأخير.

نحن بحاجة إلى مراجعة وطنية شجاعة تعترف بالأخطاء، من دون إنكار التضحيات والبطولات والإنجازات، وتعيد تعريف العلاقة بين الهدف والمرحلة، وبين المقاومة والسياسة، وبين السلطة والتحرر، وبين الواقعية والطموح.

والمدخل إلى ذلك هو إعادة الشعب إلى موقعه الطبيعي باعتباره مصدر الشرعية، وإعادة الوحدة الوطنية باعتبارها مصدر القوة، وإعادة بناء المؤسسات باعتبارها أدوات لخدمة القضية لا غايات قائمة بذاتها.

فالخيار الحقيقي ليس بين سلطة بلا سيادة ومقاومة بلا استراتيجية، ولا بين الواقعية والاستسلام أو المقاومة والمغامرة.

الخيار الحقيقي هو بناء

وطني يجمع الواقعية بالطموح، والسياسة بالقوة، والمقاومة بالرؤية، والمرحلية بالاستراتيجية، والديمقراطية بالوحدة الوطنية.

من دون ذلك، ستبقى الانتخابات مجرد محاولة لتجديد شرعية نظام مأزوم، وستبقى الانقسامات تتجدد حتى لو تغيرت الوجوه، وستظل القضية الفلسطينية عرضة لأن يعاد تعريفها من الخارج.

أما الخروج الحقيقي من المأزق، فيبدأ عندما يدرك الفلسطينيون أن المطلوب ليس إدارة الانقسام والأزمة، وإنما إعادة بناء الحركة الوطنية والنظام السياسي على أسس جديدة، تستعيد للشعب دوره، وللقضية وحدتها، وللنضال هدفه، وللمؤسسات وظيفتها، وللمستقبل إمكانه.

 

 

هذه النسخة تجريبية من الموقع الالكتروني وما تزال قيد البناء والتطوير.