
أشكر د. عبد الرحيم جاموس على رده النقدي «الطوفان» بين فتح الإمكان وإثبات البداية قراءة نقدية في ردّ د. غانية ملحيس» في 4/9/2026 ، وعلى مواصلته الحوار من النقطة التي توقف عندها ردي السابق. وأظن أن قيمة هذا الحوار لا تكمن في حسم الخلاف حول مسألة «البداية»، بقدر ما تكمن في دفع السؤال نفسه إلى مستوى أكثر دقة، وفي اختبار المفاهيم التي نستخدمها، لا الاكتفاء بتبادل المواقف حولها.
فالحوار الفكري لا تتحدد قيمته بمدى اتفاقنا في النتيجة، وإنما بقدرته على توسيع مساحة السؤال، وكشف ما يحتاج إلى مزيد من التحديد والمعرفة.
فكتاب «الطوفان: بداية تصويب اعوجاج التاريخ» لم يُكتب ليقدم حكما نهائيا على حدث ما يزال التاريخ نفسه يكتب فصوله، وإنما ليطرح سؤالا في موقعه من المسار التاريخي: هل كان السابع من تشرين الأول/أكتوبر مجرد حدث كبير كسر الوضع القائم وفتح إمكانات جديدة، أم أنه أطلق بالفعل مسارا بدأت معه بعض الشروط التي أنتجت الاختلال التاريخي أو حافظت عليه في التغير؟
وهذا، في تقديري، سؤال ينبغي أن نختبره بالوقائع والتراكم، لا أن نحسمه مسبقا بنتائج لم تكتمل بعد.
اولا: فتح الإمكان وبدء المسار ليسا شيئا واحدا
أتفق مع د. جاموس في أن فتح الإمكان لا يساوي، بمجرده، إثبات بداية مسار تاريخي. فالحدث قد يكسر وضعا قائما، ويكشف هشاشته، ويفتح احتمالات لم تكن مطروحة، ثم يعود التاريخ إلى إعادة إنتاج الوضع السابق.
لكنني أعتقد أن النقاش يتقدم خطوة أخرى إذا سألنا: متى يتحول الإمكان المفتوح إلى مسار بدأ بالفعل؟
هنا لا أرى أن علينا انتظار النتيجة النهائية. فلو اشترطنا تحقق النتائج الكبرى لإثبات البداية، لتحولت «البداية» إلى حكم لا يمكن إصداره إلا بعد اكتمال المسار. وهذا يلغي، من الناحية المنهجية، الفرق بين البداية والنتيجة.
البداية ليست النهاية، ولا يشترط لإثباتها تحقق النتيجة. لكنها في الوقت نفسه ليست مجرد إمكانية نظرية. لذلك يمكن، في تقديري، التمييز بين ثلاثة مستويات:
إذا كان بدء المسار لا يُثبت إلا بعد تحقق نتائجه، فإننا لا نتحدث عن بداية تاريخية، بل عن نتيجة تاريخية؛ أما البداية فتُعرف حين تبدأ الشروط التي كانت تعيد إنتاج الوضع السابق في التغير.
وهذا التفريق يسمح لنا بأن نتفق مع د. جاموس على أن التصويب لم يكتمل، من دون أن نضطر إلى القول إن مساره لم يبدأ.
ثانيًا: ليس المقصود «تصويب التاريخ الفلسطيني» وحده
أظن أن هناك نقطة تستحق التوضيح حتى لا يضيق معنى عنوان الكتاب.
لا يتحدث الكتاب عن «بداية تصويب التاريخ الفلسطيني» حصرا، ولا يقيس التصويب بمقدار ما استطاع الفلسطينيون تحقيقه من أهدافهم الوطنية، على أهميتها المركزية. فالمسألة أوسع من ذلك، لأنها تتعلق بالبيئة التاريخية التي تشكلت فيها القضية الفلسطينية، وبالشروط التي جعلت اختلالا بعينه قابلا للاستمرار وإعادة الإنتاج.
المقصود هو تصويب اعوجاج تاريخي أوسع: اعوجاج يتعلق بطريقة كتابة الوقائع وتفسيرها، وبالعلاقة بين القوة والشرعية، وبمن يملك تعريف الحقيقة، وبكيفية منح الشرعية أو حجبها،
وبالحصانة التي أتاحت لإسرائيل التحرك سياسيا وأخلاقيا وقانونيا، وباختزال الفلسطيني في أدوار جرى تحديدها له من خارج إرادته. ولذلك لا يتعلق التصويب فقط بتغيير النتيجة بالنسبة إلى الفلسطينيين، وإنما أيضا بتغير الشروط التي أنتجت هذه الصورة التاريخية وحافظت عليها.
ولهذا فإن الفاعل الفلسطيني مهم، لكنه ليس الفاعل الوحيد في هذا المسار، كما أن قدرة الفلسطينيين على استثماره أو توجيهه ليست هي المعيار الوحيد لإثبات بدايته. فقد تبدأ التحولات في البيئة الإقليمية والدولية وفي الوعي السياسي والأخلاقي والقانوني قبل أن يمتلك الفاعل المتضرر القدرة على تحويلها إلى مشروع سياسي متكامل. فالاعتراف بالتغير الموضوعي في البيئة لا يعني إعفاء الفاعل الفلسطيني من مسؤولية التقصير أو الانتظار، بل يضع على عاتقه مساعدة التاريخ عبر إعادة بناء أدواته.
ثالثًا: هل ينبغي أن نقيس بداية المسار بقدرة الفلسطينيين على استثماره؟
أعتقد أن الجواب هو: لا. قد يبدأ تغير تاريخي موضوعيا قبل أن يمتلك الطرف الفلسطيني المتضرر منه القدرة على تنظيمه أو استثماره. وقد يكون من مفارقات التاريخ أن تبدأ شروط النظام القديم في التصدع في الوقت الذي لا يكون فيه الفاعل الذي يفترض أن يستفيد من ذلك التصدع قادرا على بناء البديل.
لذلك فإن عجز الفلسطينيين عن استثمار كل ما فتحه الطوفان لا يثبت أن المسار لم يبدأ؛ فاستثمار التحول من جانب الفاعل المتضرر ليس هو المعيار الوحيد لوجوده. ومن هنا ينبغي التمييز بين سؤالين مختلفين:
هل بدأ مسار تاريخي جديد في تغيير بعض شروط الوضع السابق؟
وهل استطاع الفلسطينيون أن يلحقوا بهذا المسار، وأن يحولوا التغير الموضوعي إلى مشروع وطني واع قادر على توجيهه واستثماره؟
الأول سؤال في قراءة التاريخ،
والثاني سؤال في قدرة الفاعل السياسي على صناعة التاريخ.
وهذا، في تقديري، أحد أخطر الأسئلة التي تواجهنا اليوم.
رابعًا: ماذا حدث في البيئة الإقليمية والدولية بعد الطوفان؟
هنا أعتقد أن النظر إلى السابع من تشرين الأول/أكتوبر باعتباره «فتح إمكان» فقط قد يغفل جانبا مهما من الوقائع التي تراكمت بعده.
فالمسألة ليست أن الطوفان أعاد فلسطين إلى جدول الأعمال الدولي فحسب. فهذا، في حد ذاته، مكسب مهم، لكن الأهم أن شروط النقاش حول إسرائيل والقضية الفلسطينية، وشروط شرعية مواقفها وسياساتها، بدأت تتغير في أكثر من مستوى.
فقد تصدعت بعض المحظورات التي كانت تجعل نقد إسرائيل، أو مساءلتها سياسيا وأخلاقيا وقانونيا، أكثر كلفة في عدد من البيئات الغربية، وكان توظيف الذاكرة التاريخية للهولوكوست في المجال السياسي أحد العوامل التي أسهمت في تكريس هذه الحساسية.
وأصبح النقاش العام في مجتمعات غربية يتناول، بدرجات متفاوتة، مسائل كانت متعذرة أو أكثر صعوبة في السابق: التمييز بين اليهودية والصهيونية، وطبيعة المشروع الصهيوني، ومدى جدوى تقديم إسرائيل باعتبارها حلا للمسألة اليهودية، وحدود الدعم غير المشروط لإسرائيل، والمسؤولية القانونية والسياسية والأخلاقية عن السياسات والممارسات الإسرائيلية.
ولا أتحدث هنا عن انتصار وجهة نظر بعينها، ولا عن انتهاء المحظورات جميعا. أتحدث عن شيء أكثر تواضعا، وأكثر أهمية من الناحية المنهجية: أن بعض ما كان خارج نطاق النقاش، أو شديد الكلفة سياسيا وأخلاقيا، أصبح قابلا للنقاش العلني.
ثم إن هذا التغير لم يبق في المجال الخطابي، بل بدأ يظهر داخل المؤسسات السياسية نفسها: في التصدعات داخل الأحزاب، وفي الصراعات الانتخابية، وفي الخلافات بين النخب السياسية وقطاعات من مجتمعاتها حول الموقف من إسرائيل والحرب على غزة.
وظهرت أيضا مؤشرات على اتساع الشرخ بين إسرائيل وقطاعات من يهود العالم، وإعادة طرح السؤال حول مدى بقائها ملاذا آمنا ومستقرا على النحو الذي قامت عليه إحدى وظائف المشروع الصهيوني الأساسية.
كما تغيرت حسابات التطبيع العربي ـ الإسرائيلي؛ فلم يعد من السهل التعامل معه باعتباره مسارا منفصلا عن القضية الفلسطينية، بل أصبح أكثر ارتباطا بشروطها ومآلاتها.
واتسع نطاق الصراع إلى المحيط العربي والإسلامي، وأخذ يُنظر إليه في الوعي السياسي العالمي باعتباره جزءا من صراع إقليمي ودولي أوسع.
وارتفعت كلفة دعم إسرائيل سياسيا ودبلوماسيا واقتصاديا وأخلاقيا في عدد من البيئات الغربية، وظهرت فجوات متزايدة بين مواقف الحكومات ومواقف قطاعات من شعوبها.
هذه التحولات لا تعني أن النظام القديم انهار، ولا أنها تضمن اتجاه التاريخ نحو نتيجة بعينها. لكنها تعني شيئا أكثر تحديدا: أن بعض آليات إعادة إنتاج الوضع السابق لم تعد تعمل بالشروط نفسها التي كانت تعمل بها قبل الطوفان. وإذا كان فتح الإمكان يعني أن خيارات جديدة أصبحت ممكنة، فإن بدء المسار يعني أن شروط استمرار الوضع القديم بدأت تتغير بالفعل عبر التراكم والتفاعل بين مستويات التغيير.
والتاريخ هنا لا يسير في خط مستقيم، بل في مسار لولبي؛ وقد تحدث انتكاسات وتراجعات، لكن الانتكاس لا يعني بالضرورة العودة إلى نقطة البداية. السؤال الأهم هو: هل تستطيع الانتكاسات أن تعيد إنتاج الشروط التي كان النظام السابق يقوم عليها ويعيد من خلالها إنتاج نفسه بالطريقة ذاتها؟
فإذا أصبحت بعض تلك الشروط أضعف، أو أكثر كلفة، أو أقل شرعية وأكثر تعرضا للمساءلة، ولم تعد تعمل بالفعالية نفسها التي كانت تعمل بها قبل الطوفان، فإننا نكون أمام أكثر من مجرد إمكان مفتوح. نكون أمام بداية مسار بدأ يغير البيئة التاريخية التي أنتجت الوضع السابق وحافظت عليه، حتى لو ظل اتجاهه النهائي مفتوحا، وحتى لو تعرض هذا المسار لانتكاسات جدية.
ومن هنا فإن القول بأن الطوفان فتح إمكانا جديدا صحيح، لكنه لا يستنفد ما حدث بعده. فالإمكان يتعلق بما أصبح ممكنا بعد الحدث، أما بدء المسار فيتعلق بما تغير بالفعل في شروط استمرار الوضع السابق. وأما إنجاز التصويب فيتعلق بما يستطيع الفاعلون، وفي مقدمتهم الفلسطينيون، تحويله إلى نتائج سياسية وحقوقية ومؤسسية مستقرة.
خامساً: المشروع الصهيوني واقتراب بعض مرتكزاته من حدودها التاريخية
حين أقول إن المشروع الصهيوني اقترب من حدوده التاريخية، لا أقصد أنه انتهى، أو أن انهياره وشيك، أو أن نتيجة الصراع قد حُسمت. المقصود، بصورة أكثر تحديدا، أن بعض الافتراضات الكبرى التي قام عليها المشروع، وبعض الشروط التي أتاحت له إعادة إنتاج نفسه طوال عقود، أصبحت اليوم أكثر وضوحا وأصعب تجاهلا مما كانت عليه قبل الطوفان.
افتراض أن التفوق العسكري والأمني الإسرائيلي ينتج أمنا دائما، وأن السيطرة على الفلسطينيين يمكن أن تستمر من دون حل سياسي للقضية، وأن القضية الفلسطينية يمكن إبقاؤها خارج مركز الاهتمام الدولي، وأن الدعم الغربي لإسرائيل يمكن أن يستمر بدرجة عالية من الثبات وبكلفة سياسية وأخلاقية محدودة، وأن التطبيع العربي يمكن أن يتوسع مع إبقاء القضية الفلسطينية على هامش المعادلة، وأن صورة إسرائيل باعتبارها ديمقراطية غربية محاصرة يمكن أن تبقى إطارا مهيمنا لفهم الصراع.
ما تغير بعد الطوفان ليس اختفاء هذه الافتراضات، ولا فقدان المشروع قدرته على التكيف، وإنما طبيعة استجابته للأزمة التي كشفها الطوفان؛ فقد لجأ إلى حرب إبادة استهدفت الإنسان والعمران، بما يطرح سؤالا تاريخيا حول ما إذا كان هذا التكيف العنيف قادرا على تجاوز الأزمة، أم أنه يكشف ويعمّق تناقضاتها. التكيف العنيف قد ينجح مؤقتاً في فرض واقع قهري جديد، لكنه نجاح تكتيكي يتغذى على تعميق الأزمة الاستراتيجية والبنيوية للمشروع.
لقد كشفت الحرب حدود القدرة على تحويل التفوق العسكري إلى أمن مستدام، وهو ما يضع المشروع الصهيوني أمام منطقة جديدة من الاختبار التاريخي: هل يستطيع أن يعيد إنتاج الأمن والشرعية والدعم بالصورة نفسها، أم أن أدواته ذاتها أصبحت تزكي تناقضاته؟
هذه فرضية تاريخية تستحق البحث والاختبار، فإذا ثبت عبر الزمن أن البدائل التي يلجأ إليها تزيد تناقضاته بدل أن تحلها، عندها يمكن القول إن الطوفان لم يكسر وضعا قائما فحسب، وإنما جاء في لحظة كان فيها المشروع نفسه يقترب من حدود تاريخية لبعض صِيَغه ومرتكزاته.
سادسا: مكر التاريخ واتساع آثار الحدث عن إرادة الفاعلين
كنت قد استخدمت في الكتاب مفهوم «مكر التاريخ» للإشارة إلى أن الفعل التاريخي لا يُقاس فقط بما قصده أصحابه، وأن الأحداث قد تنتج آثارا تتجاوز نيات الفاعلين وتفتح مسارات لم تكن في حسبانهم. وأعتقد أن هذا المفهوم يصبح أكثر دلالة عند النظر إلى ما أعقب الطوفان.
فالحدث لم يبقَ محصورا في أهداف من أطلقوه، ولم تكن تداعياته كلها خاضعة لإرادتهم أو لقدرتهم على التحكم بها. بل أطلق تفاعلات دخلت فيها دول ومجتمعات ومؤسسات وحركات سياسية وقانونية وإعلامية، لا يملك فاعل واحد القدرة على احتكارها.
وهنا تكمن أهمية التمييز بين بدء المسار والسيطرة عليه. فقد يبدأ مسار تاريخي نتيجة حدث معين، ثم تتوزع القدرة على توجيهه بين فاعلين متعددين، وقد يحاول بعضهم دفعه في اتجاه يخالف ما أراده الفاعل الأصلي. وقد تنتج عنه أيضا آثار ترتد على من أطلقه أو تفرض عليه أكلافا لم يتوقعها.
وفي هذا السياق، فإن الكلفة البشرية والمادية الهائلة تفرض مراجعة نقدية جدية للسياسات والقرارات والوسائل والاستعدادات، لكن من الناحية التحليلية لا يجوز اختزال التقييم التاريخي للحدث في معيار الكلفة وحده. فالكارثة الإنسانية والمادية هي جزء من آليات البطش الاستعماري الصهيوني لإعادة فرض شروطه.
كما ان سؤال كلفة الفعل ينبغي أن يقرأ دائما أمام السؤال الآخر:
ما كلفة استمرار الوضع الذي كان قائما قبل الطوفان بكل ما كان يحمله من انسداد وتصفية بطيئة للقضية الفلسطينية؟
ولهذا يجب التمييز المنهجي بين: الحكم على القرار السياسي والاستراتيجي (وهو موضع مراجعة ونقد مستحق)، وبين قراءة الأثر التاريخي الممتد للحدث.
سابعا: أين نتفق وأين يبقى الخلاف؟
أظن أن مساحة الاتفاق بيني وبين د. جاموس أصبحت أوسع مما قد يوحي به عنوان الخلاف. نتفق على أن الطوفان لم ينهِ الاحتلال، ولم يُقم الدولة الفلسطينية، ولم يحرر القدس، ولم يحقق العودة أو الوحدة الوطنية، ولم يحسم الصراع، وأن المقاومة ليست بديلا عن المشروع الوطني. وأن تحويل أي لحظة تاريخية إلى مشروع سياسي يحتاج إلى فاعل فلسطيني قادر على التنظيم والتمثيل واتخاذ القرار وإدارة النتائج.
لكن هذا الاتفاق لا ينبغي أن يقودنا إلى الخلط بين مسألتين مختلفتين:
قدرة الفلسطينيين على تحويل التحول التاريخي إلى مشروع وطني واعٍ،
وإثبات أن تحولا تاريخيا قد بدأ بالفعل.
وهنا أقترح أن نختبر المسألة بأربعة معايير مترابطة، لا بنتيجتها النهائية وحدها: التغير الفعلي، والتراكم، والاتجاه، وتغير شروط إعادة إنتاج الوضع السابق.
فإذا بدأت هذه الشروط نفسها في التغير، وأصبح من الصعب إعادة إنتاج النظام السابق بالطريقة والشروط نفسيهما، فإننا نكون قد تجاوزنا مجرد فتح الإمكان إلى بداية مسار، حتى لو ظلت نتائجه النهائية مفتوحة، وحتى لو تعرض لانتكاسات، وحتى لو لم يمتلك الفاعل الفلسطيني بعد القدرة على قيادته.
ولعل هذا هو الموضع الذي يمكن أن يستمر فيه الحوار بيننا: أن نفصل بين الحكم على القرار، وقراءة أثر الحدث، والحكم على المسار التاريخي الذي بدأ بعده؛ فهذه مستويات متصلة، لكنها ليست مستوى واحدا.
ثامنا: ليس المطلوب أن ننتصر في هذا الحوار
أعود في النهاية إلى ما أرجوه من هذا النقاش. ليس هدفي أن أنتصر على د. جاموس، ولا على د. صالح الشقباوي، اللذين تناولا الكتاب بقراءاتهما النقدية الثرية، ولا أن أثبت أن عنوان الكتاب كان مصيبا بأي ثمن. بل على العكس؛ أعتقد أن قيمة الكتاب، أي كتاب، لا تقاس فقط بما يقدمه من أجوبة، وإنما أيضا بما يثيره من نقاش وما يفتحه من أسئلة.
وإذا كان كتاب «الطوفان» قد نجح في أن يدفعنا إلى إعادة التفكير في معنى «البداية»، وفي الفرق بين الحدث والمسار، وبين الإمكان والتحول، وبين الصدمة والتغير الاستراتيجي، وبين النتيجة والبداية، فقد حقق بعضا من غايته، حتى قبل أن يحسم التاريخ حكمه النهائي.
وأرجو أن يستمر هذا الحوار ويتوسع على هذا الأساس، وأن ينضم إليه آخرون: من الكتاب والمفكرين والنشطاء والشباب الفلسطينيين في الوطن والشتات، ومن العرب، لأن الاختلاف، حين يقوم على المعرفة، يثري البحث ويحفز التفكير ويطور الوعي، ويسهم في بناء المجال العام الضروري لتشكيل الحامل السياسي القادر على التعامل مع التحول التاريخي واستثماره.
أن نختلف على أساس المعرفة لا الرواية الموروثة، ليس ترفا فكريا، وإنما ضرورة للتطور والتكامل؛ وأن نختبر الوقائع والمفاهيم بعين الباحث، لا بعين المتلقي، وأن نقرأ التاريخ في حركته لا في الصور التي استقرت عنه.
وربما يكون السؤال الأهم الذي ينبغي أن نتركه مفتوحا ليس: «من منا كان على حق؟» وإنما: هل نحن أمام لحظة تاريخية عابرة، أم أمام مسار بدأ يغيّر الشروط التي أنتجت الصراع بصورته التي عرفناها؟
هذا سؤال لا تستطيع الإجابة عنه الرغبة ولا الموقف السياسي وحدهما. يحتاج إلى زمن، وإلى وقائع، وإلى متابعة للتراكمات، وإلى استعداد لأن نراجع نحن أنفسنا أحكامنا كلما ظهرت معطيات جديدة.
لكنه يحتاج أيضا إلى أكثر من الانتظار؛ فالتاريخ لا يتغير بالمراقبة وحدها، وإنما بانخراط الفاعلين في أحداث التحول ومحاولة توجيهها.
ولهذا فإنني لا أتعامل مع عبارة «بداية تصويب اعوجاج التاريخ» باعتبارها حكما أغلق به النقاش، بل باعتبارها فرضية مفتوحة على الاختبار التاريخي؛ فرضية يمكن أن يؤكدها التراكم، أو يصححها، أو ينفيها، ونحن جزء من عملية اختبارها ولسنا مجرد متفرجين عليها.
وربما تكون قيمة الحوار الذي واكب كتاب «الطوفان» منذ كان مقالات، واستمر بعد صدوره وإشهاره، في أنه أخرج الكتاب من حدود مؤلفه إلى المجال العام، وأخضع أفكاره للنقاش والنقد والأسئلة المختلفة. وهذا، في حد ذاته، مكسب معرفي؛ لأنه يجعل الاختبار أكثر صرامة، ويفتح المجال أمام قراءات أخرى قد ترى ما لم نره، أو تختلف معنا في تفسير ما رأيناه.
ولذلك أعود إلى ما أرجوه من هذا الحوار كله: أن نختلف، نعم، ولكن على أساس المعرفة لا الرواية الموروثة؛ وأن نختبر الوقائع والمفاهيم، لا أن نجعل ما ورثناه من روايات معيارا لما يجوز لنا أن نراه في التاريخ وما لا يجوز.